الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الجمعة 23/1/2026 العدد 1519
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت أحرونوت 23/1/2026
“المساعدة قادمة”.. واشنطن إزاء حكم خامنئي: “سيناريو فنزويلا” أم مواجهة نظام أيديولوجي؟
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
“اللحظة الثورية” مفهوم يصف لحظة نادرة تتضافر فيها عدة عوامل لتخلق وضعاً بالغ الخطورة يُفضي إلى تقويض النظام القائم أو انهياره. ربما تكون هذه اللحظة قد حدثت في إيران ليلة الأربعاء/الخميس من الأسبوع الماضي. فبعد أيام من ذروة الاحتجاجات، حين غصّت شوارع البلاد بملايين المتظاهرين إثر انهيار حاجز الخوف الذي فرضه النظام، والذي ردّ بدوره بمجزرة جماعية، ساد الأمل في تلك الساعات بتدخل أمريكي، خطوة كانوا يأملون أن تُلحق ضرراً بالغاً بالنظام وتُحدث تغييراً تاريخياً في إيران.
لكن “المساعدة على الطريق” التي وعد بها ترامب لم تصل، ويبدو أن تلك اللحظة الثورية قد ولّت. ثمة رأي يقول إن نتنياهو هو من أوقف الهجوم الأمريكي بعد أن أوضح لترامب أن أنظمة الدفاع الإسرائيلية غير مُجهزة لمواجهة صراع واسع النطاق يُهاجم إسرائيل، لكن يبدو أن ما كان له تأثير أيضاً، وربما بشكل رئيسي، هو أصدقاء ترامب المقربون – قادة قطر وتركيا (وربما تحرك السعوديون أيضاً من وراء ظهره) – الذين أوضحوا علنًا أن الهجوم من قد يزعزع استقرار المنطقة واستخدموا مفاهيم يفهمها الرئيس الأمريكي، مثل صدمة سوق النفط والأزمة الاقتصادية العالمية.
انتهت هذه الأحداث، لكنها لم تُنهِ فعلياً، ثلاثة أسابيع عصيبة لم يشهد النظام الإسلامي مثيلاً لها منذ نشأته. لقد غرقت الاحتجاجات في بحر من الدماء (التقديرات – بين 5000 و12000 قتيل – غير مسبوقة منذ بداية الثورة)، وردّ النظام ببعض من سطوته عبر الوحشية ومطاردة المتظاهرين، لكن من الواضح أن الأمور لم تعد إلى نصابها. فقد اشتدّ غضب الأجيال الشابة، التي لم تعايش الثورة أو تشعر بالولاء للنظام الإسلامي، والتي تعرف في المقابل سحر العالم الخارجي وتختنق بضوابط الشريعة الإسلامية، جيل أصبح الآن مشبعاً برغبة عارمة في الانتقام والجرأة، تجلّت في مقتل مئات من عناصر النظام في الموجة الحالية.
يبدو في هذه المرحلة أن النظام قد نجح في البقاء، ولم تظهر أي ظواهر مماثلة لتلك التي أدت إلى انهيار حكم الشاه، والتي تمثلت أساسًا بوجود تصدعات وضعف في القوات المسلحة. ولإثارة الخوف والرهبة، تم الكشف هذا الأسبوع عن اسم جاويد خالص، الجندي الإيراني الذي رفض إطلاق النار على المتظاهرين وحُكم عليه بالإعدام من قبل محكمة إيرانية. يُفترض أن تكون هذه القضية بمثابة اختبار لتهديدات ترامب، الذي تفاخر بأن النظام قد نفذ 800 حكم مماثل.
مع ذلك، يدرك النظام تمامًا أن الخطر الذي يهدد وجوده حقيقي وملموس، كما يُقرّ بعجزه عن إيجاد حلٍّ للأزمة الاقتصادية الحادة التي أشعلت فتيل الاحتجاجات، والتي تنبع، من بين أمور أخرى، من العقوبات الدولية المفروضة على إيران. ويتطلب الحل الحقيقي انتعاشًا وتغييرًا هيكليًا في الاقتصاد الإيراني، بما في ذلك الحدّ من قبضة آليات النظام المحكمة عليه، وهو أمر يبدو مستبعدًا في الوقت الراهن على الأقل.
ويوضح فرزين نديمي، الباحث في معهد واشنطن، في حديثٍ هذا الأسبوع: “من المرجح أن يدفع هذا السلوك إيران إلى حرب أهلية”. لقد قضت موجة الاحتجاجات على ما تبقى من شرعية النظام، وقد نشهد مسيرة “كوريا الشمالية”، أي تفاقم القمع في الداخل، وربما السعي لامتلاك أسلحة نووية كوسيلة للحفاظ على البقاء في مواجهة التهديدات المتزايدة داخلياً وخارجياً. يوجد بالفعل قادة داخل المؤسسة، مثل روحاني وظريف والرئيس بزشكيان، ممن يرغبون في إبعاد الزعيم المسن ومنع التصعيد مع واشنطن، لكن من المرجح أن يُفشل الحرس الثوري هذه الأفكار ويعزز سلطته في أعلى الهرم.
قدّم الدكتور مئير جوادنفر من جامعة رايخمان نهجًا مشابهًا في حديثٍ معه دار مؤخرًا: “كان خامنئي هو من علّم الأسد ارتكاب جرائم حرب ضد شعبه في الحرب الأهلية السورية، والآن بدأ بتطبيق هذا الدرس في إيران أيضاً. يشعر المواطنون بخيبة أمل لأن ترامب لم يتدخل لمساعدتهم، لكنهم ما زالوا يأملون أن يتحقق ذلك قريبًا”. في غضون ذلك، من المهم مراقبة احتمال تحوّل بعض الاحتجاجات إلى حركات مسلحة سرية تُعارض النظام، على غرار المنظمات التي أشعلت ثورة 1979، ومن الواضح أن هذا السيناريو متجذر بعمق في أذهان النظام الإسلامي.
وإلى جانب احتمال التطرف في القيادة، ثمة تقييم (أو أمل) أكثر تفاؤلاً بشأن بذل جهد لتخفيف حدة التوتر الداخلي، بل وحتى تغيير تدريجي في الحكومة. ويوضح الباحث اللبناني سام منسى: “حتى لو نجا النظام من الموجة الحالية، فلن تعود إيران إلى ما كانت عليه. هناك احتمال لتعزيز العناصر البراغماتية في النظام التي تُدرك ضرورة تقديم تنازلات مؤلمة، لا سيما لتخفيف العقوبات. وقد يسعى هذا التيار أيضاً إلى المصالحة الوطنية أو تشكيل حكومة تُمثل طيفاً أوسع من الشعب. من الواضح أن النظام قد انتهى، لكننا لا نتوقع بالضرورة انهياره أو تغييره”. هذا أشبه بسيناريو تيانانمن – الساحة الصينية حيث قمع النظام الاحتجاجات في عام 1989 – حيث تم تحويل الصدمة إلى إصلاحات، اقتصادية في المقام الأول، والتي غيرت البلاد تدريجياً وأعادت استقرارها.
ثمة سؤال بالغ الأهمية يتعلق بتحركات الولايات المتحدة، التي يصعب التنبؤ بما إذا كانت ستحدث وكيف ستحدث، لا سيما مع ترامب، الذي أشار بدوره إلى رغبته في “قرار سريع”. وهنا يبرز التساؤل حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي يدرك الفرق بين عملية “قطع رأس” نظيفة كتلك التي نُفذت في فنزويلا، وبين التعامل مع نظام أيديولوجي متطرف. فحتى وإن كان نظام آية الله يمثل أقلية في هذا البلد الشاسع الذي يبلغ تعداد سكانه 93 مليون نسمة، فهو لا يزال يتمتع بنفوذ كبير، وهزيمته تتطلب عملية برية، وهو أمر ليس من المؤكد أن واشنطن تملك القدرة أو الرغبة في تنفيذه.
وكما هو الحال مع حماس، يجب فهم قوة الأيديولوجيا في السياق الإيراني أيضاً على أنها وقود وجودي. “لقد صمد هذا النظام أمام ضربات قاسية في الماضي، ويعود ذلك جزئياً إلى قدرته على بناء دولة داخل الدولة، حيث تتوسطها المؤسسة الدينية والحرس الثوري. وحتى لو ارتفعت أصوات من داخل المؤسسة تدعو إلى التغيير، فمن المرجح أن يتم إسكاتها، كما حدث في الماضي”، كما يوضح الباحث العراقي الدكتور مثنى عبد الله.
تُثير التقارير المتزايدة عن حشد القوات الأمريكية في المنطقة احتمالاً حقيقياً لشنّ هجوم وشيك على النظام الإسلامي. مع ذلك، حتى لو تعرّض النظام لضربات قاسية، بما في ذلك اغتيال خامنئي أو إلحاق أضرار بمنشآت استراتيجية، فلن ينهار بالضرورة، ومن المؤكد أن الهجوم لن يُشعل موجة احتجاجات أكثر فاعلية من سابقتها. قد يُؤدي هذا الهجوم إلى بدء حملة طويلة الأمد تُلحق أضرارًا جسيمة بطهران، ولكنه قد يُلحق الضرر أيضاً بالمصالح الأمريكية في المنطقة، ويُزعزع استقرار سوق النفط العالمية (إذ يمر عبر مضيق هرمز 20 في المئة من الغاز الطبيعي المسال و25 في المئة من تجارة النفط البحرية، وهو ما قد يُغلقه الإيرانيون)، بل وقد يُحاول إلحاق الضرر بإسرائيل في محاولة لإشعال فتيل حرب جهادية في المنطقة.
تدخل إيران مرحلةً تتسم بعدم اليقين وعدم الاستقرار، مصحوبةً بثلاثة تساؤلات: هل سيحدث تدخل أمريكي، وكيف، ومتى؟ ما هي خطوات النظام لمواجهة الاضطرابات الداخلية؟ وهل ستتجدد الاحتجاجات ضده (وبشكل أدق، متى وبأي شدة)؟ وهل ستُسدّ هذه المرة ثغرات غياب التنظيم والقيادة والبرنامج؟ يتطلب هذا الوضع الحساس بطبيعة الحال من إسرائيل مواصلة مراقبة الأحداث عن كثب، وتحديد التهديدات المحتملة، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب الانخراط في الصراعات الداخلية في المنطقة. فقد أثبت التاريخ أن مثل هذه التحريضات تُلحق ضرراً أكبر من النفع.
------------------------------------------
هآرتس 23/1/2026
“نظام مدني جديد”.. حماس ترحب بخطة ترامب وما خلص إليه “نسمان والجراح”: ماذا عن تطلعات دحلان؟
بقلم: تسفي برئيل
في الوقت الذي يحتفل فيه ترامب بتشكيل مجلس السلام، ما زالت إسرائيل تمنع دخول أعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى غزة. مع ذلك، بدأت عملية نقل إدارة الشؤون المدنية من حماس إلى المجلس. وذكر تقرير في شبكة “سكاي نيوز” الناطقة بالعربية بأن محادثات جرت بين سامي نسمان، الرئيس الجديد في لجنة التكنوقراط عن وزارة الداخلية، التي تتبع لها الشرطة والأمن الداخلي، وزميله في حماس جمال الجراح. وحسب التقرير، فقد ناقشت هذه المحادثات طرق نقل المهمات بين الرئيسين. وقال مصدر فلسطيني رفيع لصحيفة “هآرتس” بأن الأمر لا يتعلق حتى الآن بتداخل مهني، بل بتنسيق إداري في المقام الأول، بما في ذلك نقل أسماء الموظفين في وزارة الداخلية والشرطة في غزة وفهم إجراءات العمل التي كانت معتمدة في ظل حكم حماس.
لا يحتاج نسمان في الحقيقة إلى تهيئة مهنية؛ فقد ولد في 1967 في مخيم الشاطئ للاجئين وعاش نصف حياته على الأقل في حي الشيخ رضوان، وهو يعرف القطاع جيداً، ويعرف العائلات، وهياكل السلطة القائمة على العشائر. وفي شبابه انضم لحركة “الشبيبة” التابعة لحركة فتح، وشارك في الانتفاضة الأولى، بل وكان مطلوباً لجهاز “الشاباك”، بسبب اشتباه بمشاركته في قتل متعاونين. لقد هرب نسمان من قطاع غزة ثم عاد إليه في 1994 بعد اتفاق أوسلو، برفقة شخصيات بارزة أخرى في حركة فتح.
بعد ذلك، عين نسمان كضابط مخابرات رفيع المستوى وعمل تحت قيادة أول رئيس للمخابرات الفلسطينية أمين الهندي، وكان أيضاً ناشطاً ضد أذرع حماس في قطاع غزة. في 2007 عندما سيطرت حماس على قطاع غزة، هرب نسمان من غزة واستقر في رام الله. ولكن حماس واصلت مطاردته. وفي 2015 اتهمته حماس بإدارة شبكة مخابرات في قطاع غزة ضد حماس، وبعد سنة حكم عليه غيابياً بالسجن 15 سنة.
في السنوات الأخيرة، شهد نسمان تحولاً في مساره؛ فقد انضم إلى صفوف الضباط “المتقاعدين”، وهم الضباط الذين استغنت السلطة الفلسطينية عن خدماتهم، بسبب قربه من محمد دحلان، شأنه شأن اثنين على الأقل من أعضاء لجنة التكنوقراط الجديدة الذين يبلغ عددهم 15 عضواً، بمن فيهم علي شعث رئيس اللجنة.
اضطرت حماس إلى ابتلاع تعيين نسمان، إذ لم يمنح لها رسميا حق النقض أو القدرة على فحص أعضاء اللجنة، لكن يجدر التذكير بأن دحلان وحماس كانوا وما زالوا يتمتعون بعلاقات جيدة. في 2017 جرت مباحثات بين مصر وحماس والإمارات – الدولة التي دعمت دحلان – بشأن إنشاء “مجلس إدارة” لغزة برئاسة دحلان. ووفقاً لتقارير في ذلك الوقت، خصصت أبو ظبي 15 مليون دولار لتمويل بعض أنشطة الحكومة الجديدة، ولكن حماس سرعان ما تراجعت وفضلت تشكيل حكومة وحدة وطنية مع فتح. واستمر هذا التعاون حوالي سنة قبل أن ينهار في نهاية المطاف.
يمكن تقدير أنه إلى جانب انضمام الإمارات إلى مجلس السلام الذي يترأسه ترامب، يعدّ دحلان نفسه للمرحلة الثانية، وهي المرحلة التي تبدأ فيها لجنة التكنوقراط عملها على أرض الواقع، وتبدأ العناصر السياسية الفلسطينية في شق طريقها نحو نقل السيطرة للسلطة الفلسطينية – نظرياً خلال سنتين تقريباً، كما تم النص على ذلك في خطة ترامب المكونة من 20 نقطة.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى تقرير آخر نشرته قناة “سكاي نيوز” ولم تؤكده أي جهة أخرى، لكنه لم ينفَ. حسب هذا التقرير، توصلت حماس والولايات المتحدة إلى اتفاق يقضي بتسليم حماس لسلاحها وخرائط الأنفاق في قطاع غزة التي لم تكشف بعد، مقابل أن تصبح حماس حزباً سياسياً شرعياً، وأن يتمكن كل عضو فيها، الذين يرغبون في مغادرة القطاع، من بذلك بدون خوف على حياتهم. ويضيف التقرير الذي استند إلى مصدر فلسطيني مجهول بأن اقتراحاً مشابهاً قدم لإسرائيل، التي أبدت معارضة شديدة لعدد من بنوده.
من السابق لأوانه فحص استعداد حماس للمرحلة القادمة، لا سيما قبل أن تقرر نزع سلاحها، ولكن من المهم التذكير بما صرح به بشارة بحبح في الشهر الماضي، الذي شغل منصب حلقة الوصل بين واشنطن وحماس. وأوضح بحبح في حينه بأن “نزع سلاح حماس سيتم على مراحل وفي إطار ترتيبات عامة ترتبط باتفاق وقف إطلاق النار في غزة”. لم يوضح بحبح ما قصده، لكن حقيقة بدء الحديث عن فتح معبر رفح الأسبوع القادم وعن نشاط لجنة التكنوقراط بما في ذلك بدء أعمال الإجلاء وإعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس، قد يشير إلى أن هذه القضية ربما تستفيد من “مرونة” الولايات المتحدة رغم تهديدات ترامب العلنية للحركة. فمن الصعب تصور وضع يبدأ فيه مجلس السلام بكل مستوياته في العمل وجمع التبرعات ومحاولة إنشاء قوة استقرار دولية، وفي الوقت نفسه تحصل إسرائيل على تفويض من ترامب لشن حرب على حماس في غرب غزة.
نموذج من هذه “المرونة” يمكن إيجاده في الطريقة التي سمحت بها واشنطن للرئيس السوري أحمد الشرع بدمج المليشيات الإسلامية المصنفة كمنظمات إرهابية في جيشه ومنحها وضعاً قانونياً. والأمر نفسه ينطبق على لبنان؛ حيث لا تطالب الإدارة بحل حزب الله ولا تعترض على استمراره كحركة سياسية، شريطة أن يلقي سلاحه، وكذلك في العراق؛ حيث تطالب الإدارة الحكومة بنزع سلاح المليشيات الشيعية الموالية لإيران مع وجودها كأطر سياسية.
في الأسبوع الماضي، بعد اللقاء بين ممثلي التنظيمات الفلسطينية ومسؤولين مصريين رفيعي المستوى وعدد من أعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية في القاهرة، أصدرت التنظيمات بياناً مشتركاً غير مألوف في مضمونه. وجاء في البيان: “نتقدم بالشكر للرئيس ترامب ودول الوساطة مصر وقطر وتركيا، على جهودهم الحثيثة لدعم الشعب الفلسطيني وإنهاء معاناته في قطاع غزة. كما تؤكد التنظيمات التزامها الكامل بمواصلة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والمراحل الأخرى بحسب خطة ترامب”.
المرة الأخيرة التي شكرت فيها حماس ترامب كانت في تشرين الأول بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. أما الآن فالشكر موجه للخطة بأكملها. لم يغب هذا الأمر عن بال الصحافي الفلسطيني – السوري البارز ماجد كيالي. ففي مقال لاذع نشره في موقع “درج”، لفت الانتباه إلى أن “بيان التنظيمات يشيد صراحة بجهود الرئيس ترامب، وكأن الإدارات الأمريكية، إدارة ترامب بالتحديد، أصبحت متعاطفة مع النضال الفلسطيني وليست شريكة لإسرائيل في حرب الإبادة في غزة”. هل هذه هي الطريقة التي تحاول فيها حماس شق طريقها نحو الشرعية السياسية على الأقل؟
أعلنت حماس وتعهدت بأنها ستنقل إدارة الشؤون المدنية الخاضعة لسيطرتها للجنة التكنوقراط بشكل منظم، مؤكدة أنها لن تكون جزءاً من الهيكل الإداري الجديد. لكن يبدو أنها بدأت بالفعل في تحديد هدفها التالي. لقد كان حوالي 11 ألف شرطي وموظف يعملون في قطاع غزة تحت حكم حماس. ظاهراً، سيأتي بدلاً منهم ضباط شرطة “جدد” تلقوا تدريبهم في مصر والأردن، ولكن يصعب تصور كيف ستتم هذه العملية دفعة واحدة. من بين العقبات المتوقعة، إيجاد حل لتوظيف رجال الشرطة والموظفين الذين سينتهي عملهم، ودفع رواتب تقاعدهم وضمان عدم تحولهم إلى عائق يعيق سير عمل لجنة التكنوقراط بشكل عام ووزارة الداخلية بشكل خاص.
التقدير أن حكومة حماس في القطاع كانت توظف أكثر من 50 ألف موظف، من بيهم رجال شرطة، معلمون، رجال إطفاء، مهندسون، أطباء وعاملون اجتماعيون. وكان إلى جانبهم هناك آلاف آخرون من الموظفين الحكوميين الذين يحصلون على رواتبهم من السلطة الفلسطينية بدون شغل أي مناصب رسمية. في السابق، جرت محاولة لفحص مدى ملاءمة هؤلاء الموظفين التابعين للسلطة كموظفين حكوميين محتملين في حالة سماح إسرائيل للسلطة الفلسطينية بالعودة إلى قطاع غزة، ولكن تبين أن كثيرين منهم وصلوا إلى سن التقاعد، وأن عدداً غير قليل منهم غادروا غزة خلال هذه السنوات، مما أبقى عدداً قليلاً نسبياً من الموظفين الحكوميين الذين يمكن إعادة توظيفهم.
“لن يكون أمام المجلس الإداري الجديد خيار، وسيكون من الضروري على الأقل في الأشهر القادمة إذا لم يكن خلال السنة أو السنتين القادمتين، توظيف من كانوا أعضاء في حماس أو على الأقل من كانوا يحصلون على رواتبهم من حكومة غزة”، قال مسؤول فلسطيني رفيع المستوى، وهو نفسه عضو في حركة فتح، ولا ينوي الانتقال إلى غزة. وقال مصدر فلسطيني آخر، حسب ما نشرته وسائل إعلام عربية، بأنه تم الاتفاق بين دول الوساطة وحماس على أن يستمر موظفي عدد من الوزارات الحكومية، بما في ذلك وزارة التربية والتعليم، ووزارة الصحة، بالإضافة إلى موظفي الشرطة المدنية والدفاع المدني (مثل طواقم الإطفاء) في العمل تحت إشراف لجنة التكنوقراط بعد اجتياز الفحوصات الأمنية. وحسب المصدر نفسه، سيتقاعد موظفو وزارات أخرى، لا سيما التي تتعلق بالأمن، خلال الستة أشهر القادمة. وتعتبر هذه الأجهزة المدنية التي تضم عشرات آلاف الموظفين هي البنية التحتية المطلوبة لتنفيذ المرحلة الثانية في خطة ترامب، وقد يشهد تشكيلها صراعاً سياسياً حاداً، إذ سيتم من خلالها نقل الأموال الضخمة لتمويل قطاع غزة على فرض أنه سيتم جمعها بالفعل. وربما تتطور “ساحة نفوذ” حماس الجديدة من خلال هذه الأجهزة. ويبقى مشكوكاً فيه إذا كانت إسرائيل، غير الشريكة في نشاطات المنظومة المدنية في مجلس السلام، ستتمكن من رصد وتصفية دخول حماس إلى هذا النظام المدني الجديد، ومحاولتها إنشاء مراكز نفوذ فيه، وتوجيه الأموال لصالحها من خلاله.
-------------------------------------------
هآرتس 23/1/2026
“جبان دافوس”.. حين نكتشف فجأة أن هرتسوغ متواطئ منذ البداية مع رئيسه المتهم جنائياً
بقلم: أسرة التحرير
رئيس الدولة، إسحق هرتسوغ، يشارك هذه الأيام في المنتدى الاقتصادي بدافوس في سويسرا. بين حفلة كوكتيل ولقاء مع أثرياء العالم، يتحدث أيضاً في مواضيع دولته الداخلية. قال هرتسوغ هناك إن لمحاكمة نتنياهو الجنائية تداعيات سلبية على إسرائيل. “يجب إيجاد حلول”، قال، وأضاف بأن طلب نتنياهو للعفو يدرس بعناية وفقاً للإجراء المتبع في القانون. لم يعرب هرتسوغ قط عن موقف قيمي في كل ما يتعلق بسلوك رئيس الوزراء مثلما انكشف في تحقيقاته ومحاكمته. كما أنه يحذر من انتقاد هجوم الحكومة على سلطة القانون منذ رفعت لوائح الاتهام. هذا الهجوم يتضمن تشريعاً تعسفياً، وعدم طاعة القانون، والتشهير بالموظفين العموميين وإباحة دم مستشارين قانونيين وقضاة. لقد سكت عن كل هذا.
قول هرتسوغ إن محاكمة نتنياهو تؤثر سلباً على الدولة يخلق انطباعاً بأن الذنب يعود إلى الإجراء الجنائي نفسه. نفهم من أقواله بأن المسؤولين عن الأزمة الدستورية ملقاة على جهاز القضاء. وبذلك ينضم إلى مؤيدي نتنياهو الذين يتهمون النيابة العامة والمحكمة بالمس بالدولة.
أقواله هذه ترتبط بأقوال سابقة له حول الحاجة لإنهاء محاكمة رئيس الوزراء حتى قبل قرار القضاة. في تشرين الثاني الماضي، نشر عن محاولة هرتسوغ المضي في منح عفو لنتنياهو حتى قبل أن ينتخب رئيساً، ومؤخراً روى مقربه، موتي سندر، في مقابلة مع برنامج “عوفدا” التلفزيوني، بأنه نقل إلى نتنياهو رسائل مهدئة من هرتسوغ قبل انتخابه رئيساً. هذه الكشوفات تجعل هرتسوغ مشبوهاً بالتعاون مع المتهم نتنياهو في محاولاته الإفلات من القانون. وأقواله الأخيرة تعزز الاشتباه.
إذا كانت محاكمة نتنياهو ساهمت في شيء ما في الشرخ بين الشعب، فهذا عقب محاولات متواصلة من جانب المتهم للتحريض والتقسيم وتخريب جهاز القضاء واستخدام كل حيلة مغرضة وهدامة للهروب من قرار القضاة. للرئيس مهمة هامة في الحفاظ على وحدة الشعب، لكن لديه الآن مهمة كبرى – الدفاع عن سلطة القانون. إذا خرب هرتسوغ الإجراء الجنائي لأن المتهم، وهو شخص عديم اللجام، يتبوأ منصباً شديد القوة، فسيكون معاوناً كاملا ًلمن يتطلعون إلى تخريب سلطة القانون وتحويل إسرائيل إلى دولة القوة تهزم فيها الديمقراطية.
بدلاً من مساعدة أصحاب المكانة لنيل قانون خاص بهم، من الأفضل للرئيس أن يعود إلى البلاد ويلقي بكل ثقله لحماية سلطة القانون والدفاع عن الديمقراطية الإسرائيلية في وجه من يضع سيفه على عنقها.
------------------------------------------
معاريف 23/1/2026
علم لاحقاً بأن إسرائيل غير مستعدة وأن الحشد العسكري غير كاف.. هل يحتفل خامنئي بعيد ميلاده الـ 87؟
بقلم: ألون بن دافيد
بغياب أداة قياس مصداقية تتوقع قرارات منتج البرامج التلفزيونية الذي يصمم عالمنا، نحصي كل ميل بحري تقطعه حاملة الطائرات الأمريكية في طريقها إلى الخليج الفارسي. مع كل الحذر، يصعب تخيل أن حشد القوة الأمريكية أمام إيران سينتهي بلا شيء. هذا ممكن، لكن حتى ترامب نفسه يصعب أن يبيع هذا على أنه نجاح.
أحداث ليلة الأربعاء الماضي الدراماتيكية أثبتت مرة أخرى بأن الولايات المتحدة لا تتميز بسرعة امتشاق لحملات نوعية. فقد سبق للأمريكيين أن كانت خطة عملياتية جاهزة بل وأطلعونا عليها. ولم تكن جيدة بما فيه الكفاية، لم تحقق نتيجة قاطعة، وأدرك ترامب هذا بأحاسيسه الحادة.
لقد أجرى جولة محادثات هاتفية مع زعماء المنطقة، بمن فيهم نتنياهو، وسمع منهم الجواب: لن يكفي هذا لإسقاط النظام. أما نتنياهو فأضاف: إسرائيل أيضاً غير جاهزة جيداً في الدفاع. ما نشر بأن نتنياهو هو من أوقف الهجوم الأمريكي كان مبالغاً فيه جداً. فقد بدت هذه كمحاولة لإسقاط سبب تردد الرئيس على رئيس الوزراء.
وبينما ضجت سنوات إسرائيل في الليلة إياها بعشرات الطائرات القتالية التي كانت في الجو، قرر ترامب إعادة احتساب المسار وأرسلنا إلى فترة انتظار. في هذه الأثناء، تم قمع الاحتجاجات في إيران وخبت، وفتح الزعيم الأعلى لإيران، بغرور، حساباً شخصياً مع ترامب، واتهمه بموت المتظاهرين الذين قتلهم الحرس الثوري والباسيج.
قدر سفير الولايات المتحدة في إسرائيل سابقاً، دان شبيرو، بداية الأسبوع بأن آية الله خامنئي لن يعيش حتى آخر أيامه. في هذه اللحظة، يبدو أن خامنئي سيعيش الأسبوع القادم، لكن المشكوك فيه أن يحتفل بيوم ميلاده الـ 87 في نيسان القادم. فضلاً عن دليل آخر، بعدم الجدوى من إهانة الرئيس الأمريكي، فإن تصفية خامنئي قد تشكل لترامب ضربة قصيرة ومظفرة سيحبها. ضربة يمكن بعدها عقد مؤتمر صحافي وإعلان النصر، وأن ما سيحصل من الآن في إيران هو في أيدي الشعب الإيراني.
يقول خبراء إيران إن تصفية خامنئي لن تكفي لإسقاط النظام، الذي هو قوي وثابت أكثر من أي شخصية. ومن الصعب حقاً تقدير تأثير تصفية زعيم كلي القدرة، الشخص الذي يتخذ كل القرارات الهامة في إيران في الـ 37 سنة الأخيرة.
وقدر مصدر غربي تحدثت معه، كان سكن في إيران سنوات طويلة حتى وقت أخير مضى، بأن تصفية الزعيم الأعلى سيجدد إشعال الاحتجاجات التي تحركها ضائقة حقيقية لمعظم الطبقات في المجتمع الإيراني. وقدر المصدر إياه بأن الحرس الثوري سيحاول تتويج زعيم آخر، يأتمر بأمره وليس بالضرورة ابن مجتبى خامنئي، موضع الخلاف في أوساط الشعب وفي أوساط الحرس الثوري على حد سواء.
في نظر ذاك الأجنبي إياه الذي عاش في إيران سنوات طويلة، فإن الحرس الثوري أكثر اهتماماً بضمان سيطرته على الاقتصاد الإيراني/ وهو أقل تفانياً للإسلام والشيعة. وعلى حد قوله، فإن الحرس براغماتي، وأي تهديد عسكري مصداق عليه ربما يؤدي به إلى تنازلات في المجال الديني على أن يتمكن من الحفاظ على منافعه الاقتصادية.
الدفاع مستعد
نرى أن قرار ترامب تصفية الزعيم قد يفرض أسابيع طويلة من الانتظار. فقد تعلمت إيران في حرب الـ 12 يوماً ثمن البقاء في مقر القيادة في عمق ضحل تحت الأرض. يمكن الافتراض بأن خامنئي ورجاله يعملون اليوم في مجالات أعمق. وعليه، فإن قراراً أمريكياً للمس به كفيل بأن ينتظر أياماً طويلة حتى نشوء الفرصة.
على إسرائيل أن تفترض بأن هجوماً أمريكياً في إيران سيؤدي إلى إطلاق صواريخ علينا، وهي تستعد لذلك أيضاً، لكن ليس هذا هو ما سيحدث بالضرورة. الوعي الإيراني اكتوى بصورة طائرات سلاح الجو الإسرائيلي تحلق بحرية في سماء طهران وتفعل فيها ما تشاء، سواء في أوساط الشعب الإيراني أم في أوساط محافل الحكم.
في إسرائيل من يشبهون حرب الـ 12 يوماً بانفجار مفاعل تشرنوبيل. لم يتوقع أحد أن تؤدي الكارثة الرهيبة في المفاعل في أوكرانيا في غضون ثلاث سنوات إلى تفكك الاتحاد السوفياتي. في نظرهم، طلعات سلاح الجو في سماء طهران كشفت ضعف النظام الإيراني، وشجعت الاحتجاج الذي نشب في الأسابيع الأخيرة.
لقد جددت إيران قدراتها على إيلام إسرائيل. صحيح أنها لم تقرر بعد استئناف تخصيب اليورانيوم، لكنها في المجال التقليدي عادت لإنتاج صواريخ باليستية بوتيرة مقلقة. تمتلك إيران اليوم أكثر من 2000 صاروخ باليستي تهدد إسرائيل كالحال عشية حرب حزيران.
في أثناء الحرب، تضررت عشرات المنصات الإيرانية، وهذه عنق الزجاجة لديها اليوم. لا قدرة لها على إطلاق رشقة من 300 صاروخ مثلما فعلت في أكتوبر 2024. لكنها تمتلك قدرة إطلاق رشقات من عشرات الصواريخ مثلما شهدنا في أيام الحرب.
في أثناء حرب “الأسد الصاعد” رأينا إيران تغير التكتيك – من نار على أهداف استراتيجية إلى نار بلا تمييز على مراكز سكانية. يبدو أن الإيرانيين فهموا بأن الدقة التي نسبوها لصواريخهم لم تنجح، وانتقلوا إلى سفك دم إسرائيلي بصفته هذه. وعليه، علينا في المعركة التالية أن نتوقع رشقات ثقيلة على مراكز سكانية.
تفادت وسائل الإعلام الأمريكية نشر تحذير نتنياهو الذي يفيد بأن قدرات الدفاع الإسرائيلية لم تترمم بعد للوقوف في وجه معركة تجاه إيران. ولهذا لم يرسل ترامب منظومات دفاعية أخرى، وفضل إرسالها إلى قطر والسعودية. لا توجد في هذه اللحظة بطاريات “ثاد” أمريكية تحمي إسرائيل، ولا سفن “ايجس”. في الأيام الأخيرة من حرب “الأسد الصاعد” رأينا أيضاً قبة حديدية تشارك في اعتراض شظايا الصواريخ من إيران رغم أنها لم تبن للتصدي لشظايا صواريخ كهذه. يمكن الافتراض بأن إسرائيل تواصل تحسين قدرات القبة الحديدية وجمع المزيد من صواريخ الاعتراض “حيتس”.
في طريقه للسيطرة على غرينلاند، قرر ترامب أن يضم لنفسه أيضاً تطوير قبة حديدية، وبالتالي درءاً للشك: لقد تم تطوير القبة الحديدية على أساس تكنولوجيا إسرائيلية ومال إسرائيلي. انضم الأمريكيون في وقت لاحق لتمويل التطوير والتزود بالمنظومة. في السنوات التي طورت فيها إسرائيل القبة الحديدة، كان ترامب مشغولاً في إدارة برنامج تلفزيوني أكثر تواضعاً من ذاك الذي يديره اليوم باسم “المتخصص”.
في الهجوم، بالمقابل، تحسنت قدرات إسرائيل أكثر بكثير. ولم تنجح إيران في ترميم منظومة دفاعها الجوي بكاملها، وربما تضرب إسرائيل منظومات الصواريخ الباليستية بسرعة، أو أي هدف آخر تختاره.
هذه المواجهة ليست مواجهتنا، وترامب أيضاً لا يقوم بها نيابة عنها. ثمة رغبة للرئيس الأمريكي في إخضاع حليف للصين وإطلاق رسالة تهديد للقيادة في بكين. وأضيف لهذا اليوم بهار من الإهانة الشخصية. وعليه، لا ينبغي لإسرائيل أن تتطوع وتقفز بالرأس إلى هذه المواجهة. ربما نجر إليها بخلاف إرادتنا ومثلما سبق أن تعلمنا، لن يكون هذا لطيفاً، لكنه سيكون أكثر ألماً لإيران.
------------------------------------------
هآرتس 23/1/2026
تقديرات إسرائيلية: ترامب سيأمر بهجوم “سريع” وواسع يشل إيران
بقلم: عاموس هرئيل
أكمل الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة معظم استعداده لهجوم أمريكي محتمل في إيران في المستقبل القريب. القوات الجوية وقيادة الجبهة الداخلية ووحدات الاستخبارات ومنظومات أخرى في حالة تأهب قصوى، ولكن ما زال هناك الكثير من الغموض. تشير التقديرات في إسرائيل إلى أن ترامب يهدف إلى توجيه ضربة جوية واسعة النطاق في إيران، على أمل أن تؤدي إلى سلسلة أحداث تنتهي بسقوط النظام.
هذا هو السياق الذي يفسر استمرار الجهود الأمريكية لتركيز القوات في منطقة الخليج الفارسي، لكن على المستوى المهني على الأقل، ما زال هناك غموض حول طبيعة قراره النهائي (ربما كشف ترامب عن مزيد من التفاصيل في محادثاته مع نتنياهو). ومن غير الواضح ما سيكون دور إسرائيل في هذه المواجهة، وكيف يعتقد ترامب بأنه سينجح في إحداث تغيير في النظام في طهران – هدف صعب جداً تحقيقه في عملية جوية قصيرة.
يجب أن تكون نقطة البداية المفترضة في كل ما يتعلق بترامب هي أن تحركاته يصعب التنبؤ بها، وتتميز بالاندفاع، وقد تشمل مثلما حدث قبل ساعات من الهجوم الإسرائيلي ضد إيران في حزيران 2025، خطوات متعمدة من الخداع والتضليل. أمس في مؤتمر دافوس، قال ترامب إن “إيران تريد الحوار، وسنتحاور”. مع ذلك، يتولد الانطباع بأن نظام طهران قد تحدى الرئيس الأمريكي، سواء من خلال المذابح واسعة النطاق التي نفذها ضد المتظاهرين أو من خلال تهديدات صريحة على حياته، وأن ترامب سيجد صعوبة في كبح جماحه لفترة طويلة.
في وسائل الإعلام الأمريكية نشر في الأيام الأخيرة عن نقل قوات بحرية مهمة، من بينها حاملة الطائرات “لينكولن”، إلى منطقة الخليج، وعن وصول طائرات قتالية إلى قواعد في الشرق الأوسط، وعن إرسال طائرات تزويد بالوقود من أمريكا إلى أوروبا، أكثر قرباً إلى الخليج. ترامب، كما نشر، طلب من المخططين العسكريين لديه “خيارات حاسمة” أمام إيران، في حين أنه يتبادل التهديدات مع شخصيات إيرانية رفيعة المستوى. تم رفع الجاهزية في إسرائيل في هذه الأثناء، في حين زار رئيس الأركان إيال زامير، أول أمس، قاعدة سلاح الجو “نفاتيم” في النقب، التي استوعبت هذا الأسبوع ثلاث طائرات إف35 (أدير) جديدة. وأعلن زامير بأن الجيش الإسرائيلي مستعد لكل السيناريوهات، ولتطبيق التجربة العملياتية التي راكمها في المعركة السابقة مع إيران.
حسب تصريحات ترامب العلنية وتعليقات الصحافة الأمريكية، فإنه إذا ما تقرر شن الهجوم فسيكون قصيراً نسبياً وسينفذ من الجو في معظمه، إلى جانب هجمات إلكترونية محتملة و”عمليات تأثير” تهدف إلى تقويض معنويات النظام. وقد يشمل ذلك سلسلة اغتيالات (ترامب يهدد بصراحة بالمس بالمرشد الروحي علي خامنئي)، وهجمات على قواعد وقيادات القوات التي يستخدمها النظام لقمع المظاهرات: الباسيج وحرس الثورة الإيراني. وربما تساعد إسرائيل في التغطية على هذه الهجمات، ولا تخفي رغبتها في إلحاق الضرر مجدداً بخطوط إنتاج الصواريخ البالستية الإيرانية، التي استأنفت نشاطها الكثيف في الأشهر الأخيرة.
شخصيات إسرائيلية رفيعة، بما في ذلك نتنياهو، تقلل من التصريحات العلنية بشأن التوتر، وذلك بناء على أوامر مباشرة من رئيس الحكومة. في الوقت الحالي، لا تشكل إسرائيل أي تهديد يذكر على إيران، خلافاً لما كانت عليه الحال في الأشهر التي سبقت الهجوم السابق. في المقابل، هدد متحدثون إيرانيون بمهاجمة إسرائيل وحلفاء آخرين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بغض النظر عن التورط المباشر في الخطوات الأمريكية.
تبرز ثلاثة أسئلة رئيسية من المنظار الإسرائيلي، على فرض أن ترامب حقاً مصمم على الهجوم، وهي: هل ستشارك إسرائيل من خلال تقديم معلومات استخبارية أو حتى شن هجوم مباشر خلال الضربة الأولى الأمريكية؟ كيف سيكون رد فعل إيران على إسرائيل إذا كانت هذه الخطوة أمريكية بحتة؟ والسؤال الأكثر غموضاً هو: ما الذي تستطيع أمريكا فعله لإسقاط النظام بالفعل، وهو الهدف الظاهر لتهديدات ترامب؟ من المرجح أن مخططي البنتاغون قد أشاروا بالفعل إلى هذه الصعوبة لترامب، لكن المشكوك فيه أن الرئيس يستمع إليهم.
لقد اندلعت أحدث الاحتجاجات في إيران في نهاية كانون الأول الماضي، وتحولت بسرعة من مظاهرات ضد غلاء المعيشة إلى حركة واسعة النطاق تطالب بتغيير فوري للنظام. ولكن النظام باستخدام أشد أنواع العنف في تاريخه، قمع الاحتجاجات خلال أسبوعين فقط، ولا تعتبر تقديرات عدد الضحايا دقيقة تماماً، لكن التقدير الأقل الذي تم نشره يتحدث عن 5 آلاف قتيل وأكثر.
لا أحد يعرف على وجه الدقة مدى فعالية التحركات الهجومية، خاصة أن ترامب يفضل الحلول السريعة والنهائية على معارك طويلة. في حزيران، عندما هاجمت الولايات المتحدة منشأة فوردو النووية عقب الهجوم الإسرائيلي، قال ترامب إنه دمر المشروع النووي الإيراني كلياً. كان هذا كذباً، لكن كان يصعب دحض أقواله تماماً. أما إسقاط أي نظام فهو شيء مختلف، كما يعرف نتنياهو، الذي فشل فشلاً ذريعاً في إسقاط حكومة حماس في قطاع غزة. هنا يصعب خلق واقع بديل.
يقود ترامب في الوقت نفسه، تحركات معقدة وأحياناً متناقضة في ساحات مختلفة (إيران، غزة، غرينلاند، أوكرانيا، الصين وتايوان). ويخوض في الخفاء صراعاً على مكانة الولايات المتحدة في تنافس قوي على النفوذ ومصادر الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة. أمس، ظهر أنه كبح جماح تهديداته بشأن غرينلاند، وهو مستعد لتسوية تعطيه فقط جزءاً مما يريد. هل سيدفعه تنازله هناك إلى اتخاذ موقف حازم ومهدد أكثر تجاه النظام في إيران، الذي يدعو ترامب علناً إلى إسقاطه؟ أم أن قناة المحادثات بين المبعوث ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ستفضي إلى اتفاق نووي جديد توافق فيه إيران على كبح طموحاتها على المدى البعيد؟
حسابات نتنياهو تجمع إضافة إلى الذرائع الأمنية، بين الاعتبارات السياسية وسعيه الشخصي للبقاء في الحكم ولأشهر كثيرة. لقد ظهرت تحركات نتنياهو في المنطقة وكأنها لعبة بوكر تنطوي على أموال طائلة ومحفوفة بأخطار عالية. وقد يؤثر تجدد الحملة في إيران على المزاج العام وتوقيت الانتخابات القادمة والقضايا التي ستكون في مركزها.
ما يجب أن يأخذه رئيس الحكومة في الحسبان، إذا قرر التدخل، هو تهديد الجبهة الداخلية. في حزيران الماضي، دافعت منظومة اعتراض متعددة الطبقات عن إسرائيل، شملت عدداً متنوعاً من البطاريات الإسرائيلية والأمريكية. ولكن يجدر أن نذكر أن نهاية الحرب الأخيرة كانت بائسة جداً. الإيرانيون، من خلال اليأس، أوقفوا توجيه ضرباتهم لمواقع عسكرية أو استراتيجية بعد فشل معظم هذه الهجمات. وبدلاً من ذلك، أطلقوا الصواريخ على مراكز المدن الكبرى على أمل إسقاط أكبر عدد من الضحايا.
عدد القتلى الإسرائيليين، 30 إسرائيلياً، كان أقل بكثير من أكثر التوقعات تفاؤلاً للمؤسسة الأمنية، ولكن الأضرار كانت جسيمة وواضحة. وقد برزت التداعيات النفسية لتلك التجربة في الأسابيع الأخيرة، مع ازدياد القلق الشعبي من تجدد إطلاق النار. هذا هو السياق الذي ادعى فيه النظام، بدون أي أساس، بأنه انتصر بالفعل في الجولة الأخيرة ضد إسرائيل وأنها هي التي طلبت وقف إطلاق النار في حزيران.
------------------------------------------
يديعوت 23/1/2026
خطة كوشنير تفترض موافقة حماس على تسليم سلاحها طوعا أم قسرا
بقلم: ايتمار آيخنر
“يوجد سلام في الشرق الأوسط، لم يعتقد أحد ان هذا ممكن”. هكذا ادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مستهل حديثه امس في الاحتفال في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في سويسرا حيث أعلن رسميا عن إقامة “مجلس السلام” برئاسته. الى المنصة صعد زعماء من ارجاء العالم ممن وافقوا على المشاركة في هذا الجسم ووقعوا على ميثاق المجلس. ولم يكن مندوب إسرائيلي هناك.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دعي لكنه لم يصل الى سويسرا. رئيس الدولة اسحق هرتسوغ حضر المؤتمر لكنه لم يطلب منه التوقيع على الميثاق كمندوب عن إسرائيل. كما أن مصر لم تبعث مندوبا، رغم أنها أكدت انضمامها الى المجلس. بين الدول التي وقعت على الميثاق: السعودية، اتحاد الامارات، تركيا، الأردن، اندونيسيا، الباكستان، قطر، البحرين، المغرب، الارجنتين، أرمينيا، أذربيجان، بلغاريا، هنغاريا، كوسوفوا، برغواي، اوزباكستان ومنغوليا. القوى العظمى الأوروبية – فرنسا، بريطانيا وألمانيا – لن تكون جزءاً من المجلس في هذه المرحلة على الأقل.
في أقواله امس هدد ترامب حماس وقال ان منظمة الإرهاب “ولدت مع سلاح في يديها. اذا لم يسلموه فستكون نهايتهم”. كما ذكر المخطوف الأخير في غزة، ران غوئيلي وقال انه طلب من حماس ان تحرره. على خلفية إمكانية أن يهاجم ايران وادعائه بان طهران اقترحت على واشنطن العودة الى محادثات على اتفاق نووي، قال ترامب: “دمرنا المحتوى النووي الذي كان لإيران ودمرنا تماما ما كان هناك. لقد كانوا على مسافة شهرين من قنبلة نووية. هم يريدون الان ان يتحدثوا ونحن سنتحدث”.
في سياق الاحتفال عرض جارد كوشنير، صهر ومستشار الرئيس الأمريكي الرؤيا لنزع سلاح حماس – في اطارها سيكون السلاح تحت سيطرة “مرجعية واحدة”: حكومة التكنوقراطيين الفلسطينية التي اعلن عنها الأسبوع الماضي. حماس لم تذكر في عرض كوشنير لكن في خطابه قال ان “الحكومة الجديدة في غزة ستعمل مع حماس على التجريد كي تحمل المباديء التي اتفق عليها في الوثيقة الى المرحلة التالية”.
ومثلما سبق أن علم في الماضي، فان كوشنير والمستشارين الاخرين لترامب يدفعون قدما بخطة عظمى تسعى ليس فقط لاعمار غزة بل لجعلها منطقة مزدهرة اقتصاديا وسياحيا، لكنه اعترف في خطابه بان الامر لن يتاح الا اذا نزع سلاح حماس، ولم يعرف خطة حقيقية للشكل الذي سيكون ممكنا فيه فرض هذا – اذا واصلت منظمة حماس رفضها لذلك.
إذن ما الذي تتضمنه الخطة بالضبط؟ حسب العرض المرحلة الأولى ستكون اعمار رفح وجعلها “رفح الجديدة”، مسيرة قدرها كوشنير بسنتين او بثلاث سنوات. المراحل التالية في الاعمار – ليس واضحا متى ستنفذ – هي خانيونس، مخيمات الوسط وعندها فقط سيأتي دور مدينة غزة في شمال القطاع (هي توجد في معظمها تحت سيطرة حماس). عرض الرؤيا الطوباوية بالشكل الذي ستظهر فيه غزة اذا ما نفذت خطة الاعمار بكاملها: في العرض الذي بث في المؤتمر يتضمن القطاع مطار وميناء وكتب فيه على طول شواطيء القطاع ستفتح مناطق سياحية مع 180 برج لاستخدام مختلط”. كما كشف كوشنير عمليا النقاب عن أن من وضع خطة الاعمار ليس سوى رجل الاعمال الإسرائيلي – القبرصي يكير غباي الذي قاد العمل بالتعاون مع جهات دولية – بمن فيهم فلسطينيون، رجال اعمال مصريون وامريكيون وكذا رئيس وزراء بريطانيا الأسبق طوني بلير. كان لغباي وزنا زائدا في كل ما يتعلق بالعقارات وتطوير البنى التحتية في غزة.
مصدر كبير مشارك في مجلس السلام قال امس لـ “يديعوت احرونوت” ان “هذه المجموعة ليست مجموعة سذج تغرق في اضغاث أحلام. فتنمية واعمار غزة لن يتم دون نزع سلاح حماس وتجريد قطاع غزة. تفضيل ترامب ان يكون هذا بإرادة طيبة وبموافقة مع الكثير جدا من ضغط الوسطاء، لكن واضح للجميع بان هذا اذا لم ينجح بالطريقة السهلة – سينجح بالطريقة السيئة وإسرائيل هي من ستنزع سلاح حماس. هذه نقطة البداية للخطة”.
وأضاف “من الصعب المراهنة على جسم مثل حماس. لكن توجد فرصة معقولة بالتأكيد لان ينجح هذا. وقعت الكثير من المعجزات”. وكيف ستكون مسيرة نزع السلاح؟ “بداية سيتعين على حماس تسليم سلاحها الثقيل، الصواريخ، الرشاشات والاشارة الى الانفاق التي ستفكك كله. لاحقا سيتعين عليها أن تسلم بنادق الكلاشينكوف. نبدأ بالتهديدات الثقيلة التي هي الصواريخ أيضا، مختبرات الإنتاج والانفاق. هذا موضوع استراتيجي حرج وبعد ذلك نواصل الى السلاح الخفيف. كل شيء الان في سلم أولويات لنرى بان التجريد يبدأ. كل شيء يرتبط بهذا”.
------------------------------------------
في دافوس.. ترامب يحيي وهم “ريفييرا الشرق الأوسط”
باريس- “القدس العربي”:
توقفت صحيفة “لوموند” الفرنسية عند عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجلسه للسلام، محاطًا بـ18 قائدًا دوليًا، حيث استأثرت خطط البيت الأبيض لإعادة إعمار قطاع غزة بالجزء الأكبر من الاجتماع.
فعلى مدى أكثر من ساعة ونصف، احتكر الرئيس الأمريكي ومقرّبوه الكلمة، باستثناء مداخلات وجيزة لكل من الممثل الأعلى لغزة، المكلّف بتمثيل المجلس ميدانيًا، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، ثم عبر الاتصال عن بُعد، رئيس فريق التكنوقراط الفلسطينيين، علي شعث، الذين تم تعيينهم لإدارة هذا الإقليم المدمّر بعد عامين من الحرب بين إسرائيل وحماس.
ومن بين القادة الثمانية عشر المجتمعين في القاعة الرئيسية لمنتدى دافوس الاقتصادي، برز حلفاء ترامب الأوائل، مثل الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد الأوروبيين القلائل الحاضرين إلى جانب نظيره البلغاري ورئيسة كوسوفو.
كما حضرت معظم الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية ومصر وقطر والأردن والمغرب، بمستويات تمثيل مختلفة، إضافة إلى تركيا. وكان رئيس وزراء باكستان حاضرًا أيضًا، وكذلك الرئيس الإندونيسي، الذي سبق أن عرض مساهمة بلاده في تعزيز القوة الدولية المفترض نشرها في القطاع الفلسطيني، وفق جدول زمني بالغ الغموض.
تهميش الأمم المتحدة
“أنا أعرفهم جميعًا، إنهم أصدقائي”، قال دونالد ترامب بنبرة مازحة في افتتاح الجلسة، وقد منح نفسه رئاسة المجلس. ضحكات تعالت في القاعة. وفي دور سيّد الاحتفالات، دعا ترامب الحضور إلى التصفيق لتوني بلير، ثم لنظيره البولندي كارول ناوروكي، الجالس في الصف الأول، رغم أن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك كان قد نأى بنفسه عن هذه المبادرة.
ولم يكن بطل المقاومة الأوكرانية في مواجهة موسكو، فولوديمير زيلينسكي، حاضرًا، رغم وصوله للتو إلى هذه المنطقة من جبال الألب لإجراء محادثات جديدة مع الرئيس الأمريكي. أما الديكتاتور البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، الذي قبل الدعوة، فلم يسافر. كما غاب حليفه فلاديمير بوتين، المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا، والذي يماطل قبل الرد.
ويحرص دونالد ترامب على التأكيد أن مجلس السلام “سيعمل مكملًا لدور الأمم المتحدة”، في محاولة لطمأنة القادة المدعوين للانضمام إلى هذه الهيئة الجديدة، رغم الشكوك الواسعة بأن الهدف الحقيقي هو تهميش المنظمة الأممية التي يكنّ لها ترامب عداءً صريحًا.
وقد عبّر قادة، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن تحفظاتهم حيال الميثاق الذي وُقّع الخميس. وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، عقب اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل ليل الجمعة: “لدينا شكوك جدية بشأن عدد من بنود ميثاق مجلس السلام، ولا سيما ما يتعلق بنطاق عمله وحوكمته ومدى توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة”.
ومن دون التوقف عند الغائبين، دافع الرئيس الأمريكي، بشعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، عن حصيلته في السياسة الخارجية، مشيدًا بقوة الولايات المتحدة، قبل أن يجلس بين رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، وهما خصمان أقنعهما البيت الأبيض في أغسطس/ آب الماضي 2025 بتوقيع بروتوكول سلام.
تمويل غامض أو معدوم
تولى جاريد كوشنر عرض المشروع الوحيد المطروح حاليًا ضمن هذا المجلس: الإشراف على استقرار قطاع غزة. وبعد ما يزيد قليلًا على مئة يوم من إبرام وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، قدّم صهر الرئيس، للمرة الأولى، رؤيته لمصير القطاع.
وبعقلية رجل الأعمال، ومن دون توضيح مصادر تمويل المشروع الغامضة، إن لم تكن معدومة، تعامل كوشنر مع غزة باعتبارها مجرد مشروع للبناء والأشغال العامة. ويهدف مجلس السلام، وفق طرحه، إلى خلق بيئة “آمنة” قادرة على جذب الاستثمارات الدولية.
تم تجريد أي بُعد سياسي من الخطة، فغزة تُعالج ككيان معزول، من دون أي ذكر لفلسطين ككل أو لحل الدولتين. ويقول كوشنر إن سكان غزة عانوا “على مدى عشرين عامًا تحت نير حماس”، مشددًا على ضرورة تغيير “عقليتهم”.
أما الجانب الإسرائيلي، الذي يُفترض أن يشمل انسحابًا تدريجيًا وفق الخطة الأمريكية التي وافقت عليها الأمم المتحدة، فقد تم تجاهله تقريبًا، باستثناء الحديث عن متطلبات “الأمن”. ورغم تردد الحكومة الإسرائيلية في البداية في الانضمام إلى المجلس، فإنها رضخت تحت الضغط الأمريكي. ومع ذلك، غاب ممثلها في دافوس، الرئيس إسحاق هرتسوغ، عن المنصة.
ولا تتطرق الإدارة الأمريكية إلى تفاصيل كثيرة للحفاظ على هدنة هشة مهددة بالانهيار. فلا حديث عن جولة جديدة من المفاوضات بين إسرائيل وحماس، ولا مع السلطة الفلسطينية. ويرى كوشنر أن إسرائيل “قامت بما عليها” عبر إقرار “خفض التصعيد” في غزة، وأن الكرة الآن في ملعب حماس لتسليم سلاحها، وترك الحكم لهيئة من 15 تكنوقراطيًا من أبناء القطاع، توافق عليهم الفصائل الفلسطينية، على أن تُسلَّم السلطة لاحقًا إلى سلطة فلسطينية “مُصلحة”.
وتتحدث الخطة عن تخلي حماس عن أسلحتها الثقيلة وتدمير مصانع السلاح والأنفاق، من دون شرح آليات التنفيذ. كما لم يُذكر شيء عن قوة دولية للفصل، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي إطلاق النار وتنفيذ غارات داخل القطاع، أسفرت عن نحو 400 قتيل منذ تشرين الأول/ أكتوبر.
سكان غزة تحت الفرز الإسرائيلي
متجاهلًا كل ذلك، عرض جاريد كوشنر تصوّرًا فنيًا لـ“ريفييرا غزة” التي حلم بها دونالد ترامب، وجرى عرضها هذا الخميس عبر “باوربوينت”.
ومن دون أي تمويل حكومي مُعلن، يقترح المشروع مباني مستقبلية، وفنادق، و“فرص استثمار” على الواجهة البحرية. وقال ترامب: “أنا مطوّر عقاري في الأساس.. انظروا إلى هذا الموقع على البحر، هذا العقار الرائع، وما يمكن أن يصبح عليه لفائدة عدد كبير من الناس”. وناشد كوشنر رجال الأعمال في دافوس: “تعالوا وآمنوا بالمشروع”.
لكن محيط ترامب لم يعد يتحدث كما في عام 2023، عن تطهير عرقي للقطاع. فـ“المخطط الرئيسي” الذي كُشف عنه الخميس ينص على بناء مجمّعات سكنية مغلقة لسكان غزة، على مراحل، بدءًا من جنوب القطاع الذي ما يزال خاليًا من السكان وتحت الاحتلال الإسرائيلي.
وكشفت “لوموند” وفق مصادرها، أن دولة الإمارات عبّرت عن استعدادها لتمويل بناء قرية نموذجية أولى لنحو 20 ألف نسمة، يُفترض أن تستقطب سكانًا من غزة بعد “فرزهم” من قبل الجيش الإسرائيلي.
ومن القاهرة، قال علي شعث، رئيس الإدارة الفلسطينية المستقبلية لغزة، عبر الفيديو، بشكل أكثر تواضعًا، إن معبر رفح “يفترض أن يُفتح الأسبوع المقبل في الاتجاهين”. وما يزال المعبر مغلقًا حاليًا من قبل إسرائيل، التي تمنع مرور المسؤول الإداري الجديد.
وخلال أول اجتماع لهم في القاهرة الأسبوع الماضي، تعهّد التكنوقراط الخمسة عشر المحيطون بشعث بإعادة إعمار القطاع وفق خطة مصرية تدعمها منذ عام 2025 دول عربية وأوروبية، وقد وُضعت أساسًا ردًا على الحلم الأمريكي ببناء “ريفييرا الشرق الأوسط” في غزة بعد إفراغها من سكانها الفلسطينيين.
------------------------------------------
في عرض كوشنر.. النص العربي كان معكوسا وحديثه عن بداية لغزة يتناقض مع الواقع على الأرض
لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته كلير باركر وآبي تشيزمان ولويزا لوفلوك وليور سوروكا وحازم بعلوشة وكارين دي يونغ قالوا فيه إن إدارة ترامب عرضت، يوم الخميس، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ما وصفته بـ”خطة رئيسية” لمستقبل قطاع غزة، حافلة بمدن مخططة ومراكز بيانات وشاطئ سياحي، لكنها كانت بعيدة كل البعد عن الدمار واليأس والواقع السياسي على الأرض.
وصعد جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره الرئيسي، إلى المنصة لعرض مجموعة من الشرائح التي تضمنت صورا مولدة بالذكاء الاصطناعي لناطحات سحاب لامعة ومجمعات سكنية مرتبة في دوائر متحدة المركز.
ووفقا لخريطة عرضت في عرض كوشنر التقديمي، سيخصص كامل ساحل غزة على البحر الأبيض المتوسط “للسياحة الساحلية”، مع 180 برجا شاهقا تصطف على الشاطئ. وفي أجزاء أخرى من القطاع، ستقام حدائق ومرافق رياضية لتقسيم المجمعات الصناعية ومراكز البيانات ومرافق التصنيع المتقدمة. ويبدو أن المناطق السكنية تشغل نصف الخريطة تقريبا، بينما تقع بعض المناطق المخصصة للزراعة في أماكن ذات تربة رملية فقيرة غير صالحة للزراعة.
وفقا لصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لمنطقة تسمى “رفح الجديدة”، ستقتصر المناطق السكنية على مدن مخططة مسبقا تضم مباني سكنية متعددة الطوابق
ووفقا لصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لمنطقة تسمى “رفح الجديدة”، ستقتصر المناطق السكنية على مدن مخططة مسبقا تضم مباني سكنية متعددة الطوابق. كما أن المناطق السكنية مفصولة عن أي جزء من حدود غزة بشريط المنتجعات في الغرب، والمناطق الصناعية في الشرق، ومطار جديد ومنطقة لوجستية على طول الحدود الجنوبية مع مصر، و”مدينة صناعية” على طول الحدود الإسرائيلية في الشمال.
وتتناقض هذه الرؤية تناقضا صارخا مع الواقع الحالي في غزة، حيث لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من نصف القطاع، بينما يتكدس نحو مليوني فلسطيني في النصف الآخر، ويعيش الكثير منهم في خيام متداعية أو مبانٍ مدمرة لا توفر سوى القليل من الحماية من عواصف الشتاء.
وقالت الصحيفة إنه خلال زيارة إلى الجانب الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من غزة يوم الأربعاء، بتنظيم ومرافقة عسكرية، بدت منطقة زراعية في وسط غزة، كانت تضم سابقا مبادرات إغاثة أمريكية وأممية، مهجورة ومتهالكة. وبينما كانت الآليات الثقيلة تعزز الساتر الرملي حول قاعدة إسرائيلية صغيرة، دوى صوت إطلاق نار في الأفق.
وفصلت كتل خرسانية صفراء، تهدف إلى ترسيم “الخط الأصفر” بين الجانبين، المنطقة القاحلة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية عن شوارع وأحياء دير البلح السكنية المكتظة، وهي مدينة ازداد عدد سكانها بشكل كبير نتيجة النزوح خلال الحرب.
ورغم تضاعف المساعدات الإنسانية ثلاث مرات تقريبا منذ دخول وقف إطلاق النار المدعوم من الولايات المتحدة حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر إلا أن استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية وسوء التغذية يجهد الفئات الأكثر ضعفا، بحسب منظمات غير ربحية تعمل في غزة.
قال كوشنر إن الأولويات خلال المئة يوم القادمة ستكون المساعدات الإنسانية والمأوى. وجاء في عرض تقديمي: “سيتم إرسال المساعدات كاملة فورا إلى قطاع غزة”، إلا أن كوشنر لم يوضح ما إذا كانت إسرائيل قد وافقت على ذلك، أو ما إذا كان سيتم فتح المزيد من المعابر الحدودية للسماح بدخول كميات أكبر من مساعدات الأمم المتحدة والمساعدات الثنائية المخزنة خارج غزة.
وقد روج كوشنر لفكرة البدء في إعادة إعمار أجزاء من غزة تسيطر عليها إسرائيل، مما أثار قلق الدول العربية التي تخشى أن يُمكّن ذلك إسرائيل من السيطرة الدائمة على نصف غزة.
ومن المرجح أن يؤجج الإعلان الذي صدر يوم الخميس عن نية إعادة إعمار غزة على أربع مراحل، بدءا من رفح في جنوب غزة – والتي يقع معظمها حاليا خلف خطوط القوات الإسرائيلية – هذه المخاوف. وقال كوشنر إنه سيتم بناء “مساكن للعمال” هناك في غضون سنتين إلى ثلاث سنوات، و”لقد بدأنا بالفعل في إزالة الأنقاض والقيام ببعض أعمال الهدم”. وكان يشير على ما يبدو إلى حملات الهدم الواسعة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة.
ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت هناك إرادة سياسية وأموال كافية للمضي قدما في إعادة إعمار غزة.
وشكل الإعلان الأسبوع الماضي عن تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة غزة علامة فارقة، حيث التفت الفصائل الفلسطينية المتباينة والمنقسمة عادة حول هذه اللجنة. وقد بدأت اللجنة، برئاسة علي شعث، وهو مهندس مدني من غزة شغل مناصب رفيعة في السلطة الفلسطينية في رام الله، اجتماعاتها في القاهرة لوضع خطة عملها. وأعلنت حماس استعدادها لتسليم زمام الحكم إلى اللجنة.
وفي مقطع فيديو بث خلال اجتماع دافوس، أعلن شعث أن معبر رفح مع مصر – وهو شريان حياة رئيسي لحركة الأفراد والبضائع من وإلى غزة – سيعاد فتحه الأسبوع المقبل “في كلا الاتجاهين”. وكانت خطة ترامب المكونة من 20 بندا لغزة تدعو إلى استئناف حركة المرور عبر المعبر، الذي توقف عن العمل في أيار/ مايو 2024 عندما شنت إسرائيل هجوما على الجانب الفلسطيني. أرجأت إسرائيل إعادة فتح معبر رفح حتى تعيد حماس أو فصائل مسلحة متحالفة معها رفات ران غفيلي، آخر جندي إسرائيلي محتجز في غزة.
لطالما كان سؤال من سيدفع تكاليف إعادة إعمار غزة محوريا منذ البداية، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أي حكومات أو شركاء من القطاع الخاص قد وافقوا على المساهمة أو الاستثمار
وكتب نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي الجديد لغزة، والذي سيتواصل مع مجلس السلام، على موقع “إكس” يوم الخميس أنه “تم التوصل إلى اتفاق بشأن التحضير لإعادة فتح معبر رفح”.
لكن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يوضح ما إذا كانت إسرائيل قد وافقت على فتح المعبر.
في غضون ذلك، أثار النطاق الواسع لميثاق مجلس السلام مخاوف بعض الدول الأوروبية، التي امتنعت حتى الآن عن التوقيع عليه. وأعلنت مجموعة من ثماني دول عربية ومسلمة مؤثرة، في بيان مشترك يوم الأربعاء، مشاركتها، لكنها شددت على أن يكون المجلس “انتقاليا” ويركز على غزة.
قال عوفر غوترمان، المحلل البارز السابق في مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إن إعلان ترامب “تعبير آخر عن التحول في قواعد اللعبة التي كانت سائدة لسنوات في قطاع غزة، وهي لعبة كانت ثنائية بين إسرائيل والفلسطينيين. كانت تدار بيننا وبينهم، لكننا نشهد حاليا تدويلا للصراع في غزة”.
وفي مقابلة يوم الخميس، قال خالد عكاشة، المستشار المصري الذي قدم المشورة للوفود الفلسطينية والمصرية في مفاوضات وقف إطلاق النار، إن صلاحيات اللجنة الإدارية الفلسطينية لا تزال “غامضة للغاية”، وهو ما يثير القلق.
لم تذكر سوى شريحة واحدة من شرائح كوشنر العشر التي تناولت مستقبل غزة القيادة الفلسطينية. كما احتوت الشريحة على النص العربي الوحيد في العرض، والذي كان منسقا بشكل معكوس، ما جعله غير مقروء.
مع هذا القدر الكبير من الغموض المحيط بكيفية عمل هياكل الحكم الجديدة، لم تلتزم أي دولة علنا بتقديم تمويل لإعادة إعمار غزة. ولم يقدم كوشنر أي تقدير لتكلفة تنفيذ خطته. قدّرت خطة إعادة إعمار غزة، المدعومة من دول عربية ودول ذات أغلبية مسلمة، العام الماضي، تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 53 مليار دولار، بينما قدّر خبراء الأمم المتحدة مؤخرا أن التكلفة ستبلغ حوالي 70 مليار دولار.
ولطالما كان سؤال من سيدفع تكاليف إعادة إعمار غزة محوريا منذ البداية، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أي حكومات أو شركاء من القطاع الخاص قد وافقوا على المساهمة أو الاستثمار. وقال مصدر مطلع على بعض جوانب الخطة، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بشأن محادثات خاصة: “لا أحد يريد تقديم أموال لمجلس السلام”.
وأضاف المصدر نفسه: “يبدو أن ترامب يريد مكاسب مجانية” في غزة، وأن العديد من الدول “غير مهتمة بتقديم أموال ما لم تقدم الولايات المتحدة أموالا”. ورغم أن مشروع غزة هو مشروع أمريكي ولا يزال تحت السيطرة الأمريكية، إلا أن الإدارة الأمريكية لم توضح ما إذا كانت مستعدة لإنفاق أي شيء.
كما اقترحت الخطة منح قادة حماس “عفوا وإعادة دمج” مقابل نزع سلاح الحركة، ووعدت بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية. لكن عكاشة قال إن إسرائيل لم تبد أي مؤشرات جدية على استعدادها للانسحاب والالتزام بإنهاء الحرب، وأن حماس لن تلقي سلاحها حتى تتخذ إسرائيل خطوات في هذا الاتجاه.
وقال إسرائيل زئيف، اللواء المتقاعد والرئيس السابق لشعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي: “ليس لدى نتنياهو أي رغبة في الانسحاب من غزة”.
-----------------انتهت النشرة-----------------