من النظرية إلى الميدان: كيف صنعت الجبهة الديمقراطية معادلة الفكر والمقاومة
■ تشكل تجربة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إحدى التجارب الأكثر عمقاً وتركيباً في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر، لأنها لم تتشكل كتنظيم مقاوم فقط، بل كمحاولة واعية لإنتاج مشروع تحرري شامل يعيد تعريف معنى النضال الوطني الفلسطيني في سياق تاريخي شديد التعقيد.
فقد نشأت الجبهة في لحظة تحولات كبرى أعقبت هزيمة عام 1967، حين برزت الحاجة إلى مراجعة شاملة لمسار الحركة الوطنية، ليس فقط على مستوى الأدوات العسكرية، بل على مستوى الرؤية الفكرية وبنية المشروع الوطني ذاته. من هنا، حاولت الجبهة أن تقدم نموذجاً يدمج بين النظرية والممارسة، بين الفعل العسكري والإنتاج الفكري، وبين التنظيم الشعبي وبناء الوعي السياسي طويل المدى، وهو ما جعلها لاحقاً أحد أبرز الحوامل الفكرية لفكرة الوحدة الوطنية الفلسطينية.
انطلقت الجبهة من قراءة تعتبر أن الصراع مع المشروع الصهيوني ليس مجرد صراع حدود أو سيادة سياسية، بل صراع تحرر تاريخي متعدد الأبعاد، يشمل مواجهة الاستعمار الاستيطاني من جهة، وبناء مجتمع فلسطيني قادر على الصمود التاريخي من جهة أخرى. لذلك لم تفصل بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، بل رأت أن المجتمع الذي يعاني من التهميش الطبقي أو الإقصاء الاجتماعي لن يكون قادراً على خوض معركة تحرر طويلة النفس. ومن هنا جاء تركيزها على بناء تحالف اجتماعي واسع يستند إلى العمال والفلاحين والطبقات الوسطى المثقفة، باعتبارهم الحاضنة الحقيقية لأي مشروع مقاومة مستدام.
ومن أهم الإسهامات الفكرية للجبهة تطوير مفهوم الواقعية الثورية، أي القدرة على قراءة موازين القوى الدولية والإقليمية دون التخلي عن الهدف الاستراتيجي للتحرير الشامل. وقد تجسد ذلك في طرح فكرة البرنامج المرحلي، التي قامت على مبدأ التراكم النضالي والسياسي، وهو الطرح الذي تبنته لاحقاً منظمة التحرير الفلسطينية ضمن برنامجها السياسي، ما يعكس حجم التأثير الفكري الذي مارسته الجبهة داخل الإطار الوطني الجامع. لم يكن الهدف من البرنامج المرحلي استبدال مشروع التحرير، بل بناء مراحل نضالية متراكمة تفتح المجال أمام تحقيق إنجازات وطنية ملموسة دون إغلاق الأفق الاستراتيجي.
في المقابل، لم تنظر الجبهة إلى العمل العسكري باعتباره بديلاً عن السياسة أو الفكر، بل كأداة ضمن استراتيجية وطنية شاملة. فقد انخرطت في العمل الفدائي ضمن سياق رؤية سياسية واضحة، لكنها ركزت أيضاً على بناء مقاومة مجتمعية داخل الأرض المحتلة. وقد تجسد ذلك بوضوح خلال الانتفاضة الشعبية الأولى، حيث ساهمت في تطوير نموذج المقاومة الشعبية المنظمة عبر اللجان الشعبية وأطر العمل الجماهيري، ما نقل المقاومة من كونها فعلاً عسكرياً معزولاً إلى حالة مجتمعية شاملة تشارك فيها قطاعات واسعة من الشعب.
تميزت الجبهة كذلك بقدرتها على الحفاظ على موقع سياسي تفاعلي داخل الحركة الوطنية الفلسطينية دون الذوبان داخل التيارات الكبرى أو التحول إلى قوة هامشية. فقد حافظت على علاقات سياسية مع التيار الوطني التقليدي ممثلاً بـ حركة فتح، ومع التيار الإسلامي ممثلاً بـ حركة حماس، مع استمرارها في الدفاع عن مشروعها اليساري الديمقراطي المستقل. هذا الموقع لم يكن تعبيراً عن حياد سياسي، بل عن رؤية استراتيجية تعتبر أن التناقض الرئيسي هو مع الاحتلال، وأن إدارة التعدد داخل الحركة الوطنية شرط أساسي لاستمرار المشروع الوطني.
ومن هنا يمكن فهم توصيف الجبهة بأنها لعبت دور "عرّابة الوحدة الوطنية". فهذا الدور لم ينبع من موقع تنظيمي أو حجمي فقط، بل من رؤية فكرية متكاملة تربط بين الوحدة الوطنية والديمقراطية السياسية. فقد اعتبرت الجبهة أن الوحدة الحقيقية لا تقوم على الإلحاق أو الهيمنة، بل على الشراكة السياسية والتعدد داخل إطار وطني جامع. كما دافعت باستمرار عن إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وعن تفعيل المؤسسات التمثيلية، وعن توسيع قاعدة المشاركة السياسية، معتبرة أن أي مشروع تحرري لا يمكن أن ينجح دون نظام سياسي ديمقراطي قادر على استيعاب التنوع داخل المجتمع الفلسطيني.
كما رأت أن الانقسام الفلسطيني ليس مجرد خلاف سياسي أو صراع سلطة، بل تعبير عن أزمة بنيوية في النظام السياسي والاجتماعي، وأن معالجته لا يمكن أن تتم عبر تسويات ظرفية، بل عبر إعادة بناء المشروع الوطني على أسس ديمقراطية وتمثيلية شاملة. هذا الفهم منحها قدرة على لعب أدوار سياسية توفيقية في محطات متعددة من تاريخ الانقسام الفلسطيني، وحافظ على موقعها كجسر سياسي بين التيارات المختلفة داخل الحركة الوطنية.
خصوصية تجربة الجبهة تكمن في محاولتها بناء معادلة مترابطة تقوم على ثلاثة عناصر متلازمة: مشروع تحرير وطني شامل، وبناء نظام سياسي ديمقراطي تمثيلي، وتحقيق قدر أعلى من العدالة الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني. هذا الترابط جعلها أقرب إلى مدرسة فكرية – نضالية، وليس مجرد تنظيم سياسي تقليدي، لأن حضورها لم يقتصر على الميدان العسكري أو السياسي، بل امتد إلى إنتاج خطاب فكري أثّر في مسار النقاش الوطني الفلسطيني لعقود.
في ظل التحديات الوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية اليوم، تبدو تجربة الجبهة محاولة مبكرة لبناء مشروع تحرري متكامل يقوم على التوازن بين الواقعية السياسية والثبات المبدئي، وبين المقاومة والعمل السياسي، وبين الوحدة الوطنية والتعدد الديمقراطي. لقد حاولت صياغة نموذج يقول إن التحرر لا يتحقق بالبندقية وحدها، ولا بالمفاوضات وحدها، بل ببناء مشروع وطني شامل قادر على الصمود التاريخي، وقادر على توحيد المجتمع الفلسطيني حول رؤية استراتيجية جامعة تجمع بين النضال التحرري والمشروع الديمقراطي في آن واحد■