حين تخرج النساء من الظل... حكايات العمل بعد الحروب

البيوت التي فقدت دفأها

 
منذ عقود، لم تسلم المخيمات الفلسطينية في لبنان من الحروب والاعتداءات: من الاجتياح، إلى حرب المخيمات في الثمانينات، وصولًا إلى العدوان الأخير على الجنوب.
 
وفي كل مرة كانت الحرب تطرق الأبواب، كانت النساء أول من يدفع الثمن: بيت يُهدم، زوج يُفقد، أو خبز يُقتطع من المائدة.
 
قبل كل حرب، كانت أيام كثير من نساء المخيم تبدأ برائحة الخبز الطازج وصوت الغلاية وهي تغلي الشاي.
كانت الجدران تحفظ أسرارهن وضحكات أطفالهن.
لكن الحرب لم تترك حتى تلك الجدران في سلام…
البيوت انهارت، أو ضاقت، أو بقيت واقفة لكنها بلا أمان.
وفجأة، وجدت نساء كثيرات أنفسهن أمام باب واحد مفتوح: باب العمل.
لا حلم… لا اختيار… فقط ضرورة تحمي أولادهن من الجوع.
خطوة أولى على أرض غريبة
سمر (35 عامًا) تروي وهي تمسح يديها المتشققتين:
أول يوم طلعت فيه على الشغل حسيت الأرض تهتز تحت رجلي.
أنا يلي كنت طول عمري بالبيت، فجأة صرت أقف ساعات بالمحل.
ما بكيت من التعب، بكيت لأني حسيت حياتي القديمة راحت… وأنا مش جاهزة أودّعها.
نساء في مهن لم يتخيلنها
بعضهن وجدن في الخياطة ملاذًا، وبعضهن وقفن خلف أفران الخبز منذ الفجر.
هناك من تنظّف مكاتب، ومن تحمل أكياسًا ثقيلة في سوق الخضار.
حتى أعمال البناء لم تعد حكرًا على الرجال.
الحرب غيّرت شكل الأدوار، لكنها لم تغيّر قسوة العمل على الأجساد التي لم تعتده من قبل.
الحرب لم تكسر الجدران فقط… كسرت النظرة
الخروج للعمل لم يحمِ النساء من كلام الناس:
مضطرة. لكن لازم ما تتجاوز حدودها
قوية؟ تناست البيت.
ضعفت؟ مش قادرة تتحمل
بين نظرة الشفقة ونظرة الانتقاد، تمشي المرأة وكأنها تحمل فوق كتفيها وزن العالم.
أصوات من قلب التعب
أم أحمد (42 عامًا) تقول وهي تضع القدر على النار:
قبل، كنت أعمل الملوخية وأستنى ولادي يرجعوا.
اليوم، برجع من الشغل 10 ساعات واقفة، وبطبخ وأنا عم غمّض من التعب.
ما كنت أتخيل أطلع من البيت… بس لما الحرب تطرق بابك، بتطلع حتى لو كنت حافية.
من ربات بيوت إلى أعمدة بيوت
اليوم، كثير من النساء أصبحن المعيل الوحيد.
يحملن هم الفواتير، الإيجار، المدارس، والطعام… وفي الوقت نفسه يحاولن الحفاظ على بقايا دفء البيت.
تحت كل وشاح، هناك قلب يخاف أن يسقط، لكنه يقف كل صباح وكأنه الجدار الأخير الذي يمنع الانهيار.
كيف ندعمهن؟
مشاريع صغيرة داخل المخيمات تحفظ للنساء كرامتهن وتوفر لهن دخلاً.
تدريب مهني حقيقي يفتح أمامهن أبواب عمل أفضل.
قوانين تحمي العاملات من الاستغلال.
مساحات آمنة للحوار والدعم النفسي.
وجوه لم تنكسر
هؤلاء النساء لم يخرجن من بيوتهن ليكسرن النمط الاجتماعي، بل خرجن لأن الحرب كسرت كل شيء آخر.
تركن خلفهن دفء الجدران، وحملن على أكتافهن أثقال الحياة.
اليوم، يقفن كأعمدة بيوت متعبة، لكنهن ثابتات، يواجهن الريح بوجوه لم تنكسر
لم يخترن الحرب لكنهن اخترن أن يحفظن الحياة، ولو من فتات خبز ودمعة صابرة
disqus comments here