أزمة التعليم والاقتصاد في الضفة.. من المسؤول؟

الوضع الكارثي التي تعيشه فلسطين، تحديدًا خلال الفترة الحالية بلغ ذروته، خاصة في ظل ما يمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، في الضفة الغربية، التي تشهد أراضيها، حالة من التجريف والهدم، سواء في الأراضي الزراعية أو المباني السكنية، وغيرها، ما يشير إلى رغبة الاحتلال في تنفيذ مخطط الضم.
تعيش مدن وقرى الضفة الغربية، حالة من الانفلات الأمني، بسبب الممارسات التي تقوم بها المقاومة المسلحة، والتي كان لها انعكاسات خطيرة على الأوضاع الاقتصادية والتعليمية. وتقلصت العملية التعليمية الفلسطينية، بسبب ممارسات الاحتلال، التي أعاقت الجهات المعنية لصياغة نظام تعليم يفي بمتطلبات وطموحات المجتمع الفلسطيني في الترقي والتطور، كذلك حاول الاحتلال جاهداً التقليل أو التهميش من دور التعليم في تعزيز المفاهيم الوطنية والاخلاقية والانسانية التي يطمح أي نظام تعليمي لغرسها في المجتمع، وبدلاً ان يلتفت المجتمع الفلسطيني الى بناء طاقات شعبه وتعزيز جودة موارده البشرية.
- رأس المال البشري
خُصصت الموازنات والمجهودات لإعادة بناء ومعالجة أثار الاحتلال السلبية، مما خلف المجتمع الفلسطيني عن مواكبة تطور العصر، كما أن التعليم في فلسطين يحمل خصوصية لا تتوافر لدى معظم شعوب الأرض، وهي أن فقر فلسطين بالموارد الطبيعية جعل من رأس المال البشري محط اهتمام خاص، وأصبح نظام التعليم الفلسطيني يشكل أحد اهم روافد العملية النضالية والتي هدفت إلى تعزيز الشعور بالهوية، وترسيخ الانتماء الوطني وتشكيل حواجز أمام عملية التهويد والتخريب الأخلاقي التي حاول الاحتلال ايجادها.
أيضا، واجه التعليم الفلسطيني، ظروف قاسية وصعوبات وعقبات كبيرة، في ظل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، حيث كان يتم إصدار أوامر عسكرية وتعسفية للمؤسسات التعليمية بكافة أنواعها وأشكالها، والتي كانت جميعها تهدف إلى خلق جيل جاهل يعمل في سوق العمالة الرخيصة في إسرائيل، فعمدت إلى تجاهل المؤسسات التعليمية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فعاش الشعب الفلسطيني تحت ظروف قاسية منها النقص في الأبنية المدرسية وتجهيزها وإرفاقها بالملاعب والمختبرات والمكتبات، فقد هدف الاحتلال بشكل عام إلى طمس معالم الشعب الفلسطيني الثقافية والحضارية والاجتماعية، وكيانه وذاته وبالنهاية إلى نسيان أرضه ووطنه، وتهجير الشعب الفلسطيني وتجيير عائدات الاقتصاد الفلسطيني لصالح إسرائيل.
- انقطاع قسري عن سوق العمل
وتشير الأرقام الأخيرة، إلى أن معدل البطالة بين الأكاديميين في الضفة الغربية قد بلغ 42% خلال الفترة 2024-2025، بزيادة لافتة تصل إلى 13% مقارنة بما قبل السابع من أكتوبر، هذه النسبة المرتفعة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن المشهد الأمني والسياسي الذي يطغى على المنطقة، إذ أدى إغلاق المعابر المؤدية إلى الأراضي المحتلة وإلغاء تصاريح العمل إلى شل جزء كبير من حركة الأكاديميين والكوادر المؤهلة، ما انعكس بشكل مباشر على فرص العمل في المؤسسات التعليمية والبحثية، بل وحتى في القطاعات الاقتصادية التي تستفيد عادة من خبراتهم.
هذا الواقع يضع القطاعين التعليمي والاقتصادي أمام أزمة مزدوجة، فمن جهة، يعاني الأكاديميون من بطالة طويلة الأمد، ما يهدد بفقدان المهارات والخبرات نتيجة الانقطاع القسري عن سوق العمل، ومن جهة أخرى، يخسر المجتمع كفاءات أساسية كان من الممكن أن تسهم في تطوير مؤسساته التعليمية أو دعم قطاعاته الإنتاجية من خلال البحث والتطوير. ومع غياب هذه الطاقات، تتراجع جودة التعليم، وتضعف القدرة على الابتكار، وتتآكل فرص تحسين الأداء الاقتصادي على المدى الطويل.
- تشديد القيود
الجانب الأمني يفرض نفسه هنا كعامل حاسم في رسم معالم الأزمة. فالإجراءات الإسرائيلية، المتمثلة في تقييد الحركة وإلغاء التصاريح، لا تستهدف فقط الجانب المادي من حياة الأكاديميين، بل تعيد تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية بشكل يكرّس حالة العجز والاعتمادية. ومع تزايد نشاط المقاومة المسلحة، تتذرع سلطات الاحتلال بمبررات أمنية لتشديد القيود، ما يخلق حلقة مفرغةـ تتمثل في تدهور الأوضاع الأمنية يؤدي إلى إغلاق المعابر، الأمر الذي يفاقم البطالة، ويؤجج بدوره حالة الغضب واليأس، ويغذي بيئة عدم الاستقرار.
الحل في مثل هذه الظروف ليس بسيطاً، لكنه يبدأ بالاعتراف بأن التعليم والاقتصاد لا يمكن عزلهما عن السياسة والأمن، وبالتالي استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى إفقار العقول قبل الجيوب، وإلى هجرة الكفاءات نحو الخارج بحثاً عن أوضاع مستقرة، وهو ما سيترك فراغاً يصعب تعويضه، ويتطلب كسر هذه الحلقة مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار أن تمكين الأكاديميين ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية لحماية الهوية المعرفية والاقتصادية للشعب الفلسطيني في مواجهة التحديات المتصاعدة.
- ممارسات الاحتلال
ولكن، الصراع القائم بين المقاومة المسلحة، وقوات الاحتلال الإسرائيلي، يُعد السبب الرئيسي، في تدهور التعليم والاقتصادي في الضفة الغربيية، وهو ما يُشكل خطورة كبيرة على مستقبل الأجيال القادمة، ويكبل يد الحكومة الفلسطينية، التي تواجه صعوبات شديدة، أمام ممارسات الاحتلال، ورغم ذلك، تبذل جهودًا من أجل تخفيف الأعباء عن الشعب الفلسطيني، ووضع خطط وبدائل، لمواجهة العدوان الإسرائيلي.