الشباب الفلسطيني في لبنان: بين واقع الأزمات والتحديات وحلم بناء المستقبل

يعيش الشباب الفلسطيني في لبنان تحت وطأة ظروف معقدة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية لتفرض واقعًا بالغ القسوة. حيث يجد هؤلاء الشباب أنفسهم في مواجهة دائمة مع الإقصاء والتهميش، ساعين رغم كل شيء إلى تأمين مستقبل أفضل.
ورغم صعوبة الطريق، فإن روح الصمود لم تغب عنهم؛ بل تحولت إلى دافع للبحث عن بدائل ومسارات تعيد إليهم الأمل.
تُترجم هذه التحديات بشكل مباشر في حياتهم اليومية، إذ يُحرم الفلسطينيون في لبنان من حقوق أساسية يتمتع بها غيرهم، فالقوانين اللبنانية تفرض قيودًا صارمة تمنعهم من العمل في أكثر من ثلاثين مهنة، من بينها الطب والهندسة والصيدلة والقانون، ما يُضيّق خياراتهم المهنية بشكل كبير. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يُحرمون أيضًا من حق التملك، فلا يستطيعون شراء العقارات أو تسجيل ممتلكاتهم بأسمائهم، لتظل حياتهم محكومة بعدم الاستقرار.
وحتى أولئك الذين يحققون إنجازات أكاديمية ويواصلون تعليمهم العالي، يصطدمون بعقبات إضافية تتمثل في عدم الاعتراف بشهاداتهم في بعض القطاعات، ليواجهوا بذلك معادلة قاسية: التفوق الأكاديمي بلا جدوى مهنية حقيقية.
وفي ظل هذه القيود، يظل التعليم بالنسبة للشباب الفلسطيني في لبنان بمثابة السلاح الأهم لمحاولة كسر دائرة الحرمان. فرغم ان وكالة الأونروا توفر التعليم الأساسي والثانوي، يزداد المشهد تعقيدًا على مستوى التعليم العالي، في ظل انعدام المنح الدراسية وارتفاع تكاليف الدراسة الجامعية، ما يجعل من متابعة التعليم حلمًا صعب المنال لكثيرين.
هذه الأوضاع تدفع بعض الشباب إلى خيارات محدودة، فتنتشر البطالة والافات الجماعية، ويفكر البعض منهم في الهجرة الغير شرعية بحثًا عن فرصة أفضل في الخارج. حيث ان سوق العمل المحلي يغلق أبوابه أمام معظمهم، لتصل معدلات البطالة بينهم إلى مستويات مرتفعة جدًا. ومع انسداد الأفق، يلجأ البعض إلى الهجرة، سواء نحو دول عربية أو أوروبا، رغم المخاطر الجسيمة المرافقة لهذه الخطوة. بينما يضطر آخرون للبقاء، محاولين التأقلم مع واقع يفرض عليهم العمل في مهن هامشية وبأجور متدنية، في ظل قوانين تحكم عليهم بالبقاء خارج دائرة المشاركة الفاعلة في الاقتصاد والمجتمع.
ورغم هذه التحديات الهائلة، لا يتوقف الشباب الفلسطيني في لبنان عن الابتكار والإبداع. ففي المجال الفني، يستخدم كثيرون الموسيقى والمسرح والرسم كوسيلة للتعبير عن هويتهم الجماعية وأحلامهم. وفي المجال الرياضي، يحقق بعضهم إنجازات لافتة رغم الإمكانيات المحدودة. وعلى المستوى الاجتماعي، ظهرت مبادرات شبابية مهمة، تسعى لتحسين حياة اللاجئين من خلال التعليم أو تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، لتعكس بذلك إرادة قوية في مواجهة واقع صعب.
إن تحسين أوضاع هؤلاء الشباب يتطلب تحركًا جديًا يبدأ بتعديل القوانين المجحفة التي تُقيّد عملهم، ما من شأنه فتح آفاق اقتصادية جديدة أمامهم. كما أن إعادة تفعيل برامج المنح التعليمية والتعاون مع الجامعات الدولية يمكن أن يخفف من أزمة التعليم العالي.
ولا يقل أهمية عن ذلك إطلاق مشاريع تنموية واستثمارية داخل المخيمات، بما يساهم في خلق فرص عمل ويحدّ من نسب البطالة والتهميش.
ورغم أن الطريق ما زال طويلًا، فإن الشباب الفلسطيني في لبنان لم يستسلم. فما زالوا يناضلون، كلٌّ بطريقته، من أجل مستقبل أكثر عدلاً وإنصافًا.
ويبقى في الختام، دعم هؤلاء الشباب وتمكينهم ليس مجرد واجب إنساني وأخلاقي، بل هو استثمار حقيقي في طاقات وكفاءات قادرة على المساهمة في بناء مجتمع أفضل.