الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الثلاثاء 20/1/2026 العدد 1516

الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

 

 

 

معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 20/1/2026

 

 

سيناريوهات التدخل الأمريكي في أعمال الشغب بإيران وردود الفعل الإيرانية المحتملة

 

 

بقلم: أفيشاي بن ساسون-غوردس، جيسي واينبرغ، سيما شين وداني سيترينوفيتش

 

 أدت الاضطرابات في إيران إلى تفاقم ضعف النظام، وشكّلت أخطر تحدٍّ داخلي يواجهه منذ قيام الجمهورية الإسلامية. ويُعدّ الوضع الاقتصادي من أصعب الأوضاع التي يمرّ بها النظام؛ إذ يشهد تراجعًا حادًا في قيمة العملة الإيرانية، الريال، وارتفاعًا في التضخم، وتراجعًا كبيرًا في القدرة الشرائية للمواطنين، وتزايدًا في البطالة، وارتفاعًا في تكاليف المعيشة. يُضاف إلى ذلك صعوبة النظام في توفير الخدمات الأساسية بسبب نقص الطاقة والمياه. وقد امتدّت الاحتجاجات، التي بدأت بين تجار الأسواق في طهران أواخر كانون الأول، لتشمل جميع محافظات إيران البالغ عددها 31 محافظة. وتتفاقم الصعوبات الداخلية التي يواجهها النظام بسبب الانقسام الاستراتيجي الذي يعانيه في ضوء تفكك “محور المقاومة” في حرب السيوف الحديدية، والخسائر الفادحة التي تكبّدها في حرب “الأسد الصاعد”.

… علاوة على ذلك، يجد النظام نفسه في صراع مباشر مع الرئيس ترامب، الذي سبق أن أبدى استعداده لاتخاذ إجراء عسكري ضد إيران باغتيال سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، خلال ولايته الأولى، ومؤخراً بمهاجمة منشآت نووية في حزيران 2025. وفي سياق أوسع، أظهر ترامب أنه لا يتقيد بالمعايير المتعارف عليها لاستخدام القوة في الساحة الدولية ضد قادة الدول، وذلك باختطافه الرئيس الفنزويلي مادورو مطلع عام 2026.

ويُروج الرئيس ترامب نفسه، في المقام الأول، لاحتمالية تدخل الولايات المتحدة المباشر في الأحداث الجارية داخل إيران. ففي المراحل الأولى للاحتجاجات، وتحديداً في 2 كانون الثاني، غرد ترامب قائلاً: “إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم بعنف – كما تفعل – فإن الولايات المتحدة ستتدخل لنجدتهم. نحن على أهبة الاستعداد للتحرك”. عزز نجاح العملية الأمريكية لاختطاف ومحاكمة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في اليوم التالي لتصريحه بشأن القضية الإيرانية، احتمالية لجوء الولايات المتحدة إلى التدخل في إيران. وتعزز هذا الانطباع في الأيام اللاحقة مع تكرار ترامب لتصريحاته بأنه سيتخذ إجراءً ضد النظام الإيراني إذا لم يخفف من حدة العنف ضد المتظاهرين، وذلك في ظل تشجيع من أعضاء الحزب الجمهوري، بقيادة السيناتور ليندسي غراهام، الذين دعوا إلى تحرك مباشر ضد قادة النظام المسؤولين عن القمع. وعلى الصعيد العملي، أعلن الرئيس ترامب أنه سيفرض تعريفة جمركية بنسبة 25 في المئة على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران بسبب القمع، بل وأعلن تعليق المفاوضات المزمعة بين الولايات المتحدة وإيران. كما ورد أن الرئيس يدرس خيارات عسكرية لإلحاق الضرر بالنظام الإيراني.

وأمام التهديد الوشيك بالتدخل الأمريكي، يجد النظام الإيراني نفسه أمام خيارات محدودة للغاية، وما يملكه منها قليل ومهدد لبقائه. في حال تعرضها لهجوم، تهدد إيران بسلسلة من الإجراءات، تشمل الرد على القواعد الأمريكية في المنطقة، وشن هجوم على إسرائيل، وإغلاق مضيق هرمز، وكلها إجراءات من شأنها أن تُشكل هجومًا عنيفًا على إيران، يُشكل خطرًا أكبر على النظام من الخطر الذي يُشكله المتظاهرون. ولذلك، سعى النظام إلى قمع الاحتجاجات بأسرع وقت ممكن، قبل أن يتحقق التهديد الأمريكي. وقد أدى هذا القرار إلى مستوى غير مسبوق من العنف، ومقتل الآلاف، واعتقال عشرات الآلاف (أعداد يصعب تقديرها بدقة نظرًا لقطع النظام للإنترنت، والذي كان يهدف إلى منع التواصل الداخلي والدولي).

وإلى جانب هذه الردود، حاول النظام تعزيز المسار السياسي. ففي الأيام الأخيرة، نقل وزير الخارجية الإيراني عراقجي إلى المبعوث الأمريكي ويتكوف اقتراحًا لاستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي، والتي عُلقت مع اندلاع الحرب في حزيران 2003، والتي رفض الإيرانيون حتى الآن استئنافها بالشروط التي وضعتها واشنطن بشأن وقف تخصيب اليورانيوم في إيران.

يُقلل إعلان ترامب تجميد الاتصالات المباشرة، وإن لم يستبعد تمامًا، احتمالية فتحه مفاوضات قبل أي هجوم أمريكي. في الوقت نفسه، قد يُنظر إلى الهجوم في واشنطن على أنه خطوة قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات كانت ترفضها سابقًا، ليس فقط في مجال تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، بل أيضًا في مجال تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

عمليًا، فإن الخط الأحمر الذي وضعه ترامب للنظام، والذي تجاوزته القيادة الإيرانية، سيجعل من الصعب على الرئيس إنهاء الأزمة دون استخدام القوة العسكرية ضد إيران. ويتجلى ذلك بوضوح في رغبته في تمييز نفسه عن الرئيس السابق أوباما، الذي امتنع عن أي عمل عسكري خلال مظاهرات “الاحتجاج الأخضر” في إيران عام 2009. من جهة أخرى، تتمحور المعضلة الأمريكية، ومعضلة الرئيس الشخصية، حول ضرورة اختيار خطوة تُفضي إلى قرار واضح وتمنع الانجرار إلى حرب طويلة الأمد تتعارض مع رؤيته الأساسية للعالم. إضافةً إلى ذلك، وعلى الصعيد العملياتي، ومنذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، قلّصت الولايات المتحدة قواتها في الشرق الأوسط بشكلٍ يحدّ من قدرتها على الاستعداد لحملة طويلة الأمد. ويتعلق هذا التقييد بقدرات الدفاع الجوي والصاروخي، وبدرجة أقل بقدراتها الهجومية.

 

 سيناريوهات للتحرك الأمريكي

 

مع استمرار الاحتجاجات والقمع العنيف للنظام الإيراني، تواجه الولايات المتحدة عدة خيارات للتحرك:

هجوم رمزي – استهداف عدد من المواقع أو الأفراد، ولكن ليس على نطاق واسع يهدف إلى شلّ المؤسسات الإيرانية بأكملها. يهدف هذا إلى إيصال رسالة للنظام مفادها جدية التهديدات الأمريكية، وضمان عدم ظهور ترامب بمظهر المتردد في استخدام القوة، ودفع الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات بشأن السياسة الخارجية والملف النووي الإيراني بشروط أفضل. قد يلبي هجومٌ كهذا ضرورة تنفيذ التهديد الأمريكي، ولكنه لن يُنظر إليه على أنه تنفيذ لرسالة ترامب إلى الشعب الإيراني المحتج بأنه سيتحرك دفاعًا عنهم.

ضربة لتقويض النظام – هذا النوع من الهجمات موجه ضد الحرس الثوري الإيراني، وقوات الباسيج، وربما حتى شخصيات بارزة في أجهزة قمع النظام. يتناقض هذا الهجوم بوضوح مع تهديدات ترامب ورد الفعل العنيف الذي يسعى إلى توجيهه للمحتجين. قد يُصعّب ذلك أيضًا على القوات المسؤولة فعليًا عن قمع المتظاهرين القيام بدورها بفعالية. إضافةً إلى ذلك، قد تحاول الولايات المتحدة استهداف مسؤولين رفيعي المستوى في النظام بشكل مباشر، كما فعلت في فنزويلا مطلع هذا الشهر.

هجوم قوي، لكن ليس ضد آليات القمع – إلى جانب هجوم يستهدف آليات القمع، أو حتى بدلاً منه، يمكن للإدارة الأمريكية التركيز على أهداف عسكرية يصبّ إلحاق الضرر بها في المصلحة الأمريكية، بمعزل عن مسألة استقرار النظام. قد تشمل هذه الأهداف، على سبيل المثال، منظومة الصواريخ الإيرانية المضادة للطائرات وغيرها من الأصول العسكرية. من شأن هذه الضربة أن تُصعّب على إيران الرد على التحركات الأمريكية، وتزيد من تكلفة مقاومة إيران للضغوط الأمريكية.

كلما طال أمد تأخير العمل الأمريكي، وبافتراض فشل النظام في قمع الاحتجاجات مع مرور الوقت، ستتمكن الولايات المتحدة من إعادة بعض الأصول العسكرية التي حوّلتها من المنطقة إلى الشرق الأوسط مع انخفاض حدة حرب “السيوف الحديدية”. سيُقلل هذا من المخاطر التي تواجه القوات الأمريكية وحلفاءها في المنطقة، ويُتيح لها القيام بعمل عسكري أوسع نطاقًا. في الواقع، بدأ بالفعل حشدٌ للقوات.

إذا هدأت الاحتجاجات، فقد تُعلن إيران امتثالها لمطالب ترامب، وتوقفها عن قمع الاحتجاجات ومعاقبة المتظاهرين، ما يسمح للرئيس بالإعلان عن تحقيقه مبتغاه دون إطلاق رصاصة واحدة. قد تُفضي هذه الخطوة إلى التراجع عن الهجوم أو اختيار البديل الرمزي “لفعل ما هو ضروري”. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن ترامب قد يميل إلى هذا التوجه. وسيعتمد مدى وعمق العمل الأمريكي، من بين أمور أخرى، على استعداد النظام الإيراني لتقديم تنازلات في مجالات تُعتبر حيوية بالنسبة للولايات المتحدة، ولا سيما برنامجه النووي.

لا نستطيع تحديد احتمالية أنواع العمليات المختلفة، إلا أننا نرى أن احتمالية شنّ الولايات المتحدة هجومًا عسكريًا قد ازدادت في الأيام الأخيرة، وأن احتمالية انتهاء الأحداث دون أي رد فعل أمريكي قد تضاءلت.

 

 سيناريوهات الرد الإيراني على هجوم أمريكي

 

يُحدّ الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه إيران حاليًا، إلى جانب التدهور الكبير في شبكة وكلائها، المصممة، من بين أمور أخرى، لحمايتها من أي هجوم إسرائيلي أو أمريكي، من هامش مناورتها بشكل كبير. وهذا يترك أمام الجمهورية الإسلامية أربعة خيارات عملياتية للنظر فيها ضمن حساباتها الاستراتيجية:

مهاجمة القواعد والبنية التحتية العسكرية الأمريكية في الخليج العربي – لا تزال إيران تحتفظ بمخزونات كبيرة من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى والطائرات المسيّرة الانتحارية، مما يجعل الهجوم المحتمل على أهداف أمريكية خيارًا سهلًا نسبيًا. مع ذلك، قد تخشى إيران من أن يؤدي الضرر الكبير والخسائر في الأرواح – وخاصة الأمريكية – إلى رد أمريكي أشدّ قسوة، وعزم الرئيس ترامب على فرض ثمن باهظ، بما في ذلك السعي للإطاحة بالنظام. من جهة أخرى، وكما ذُكر سابقًا، تعاني الولايات المتحدة من نقص نسبي في القوات في المنطقة، ولا سيما افتقارها إلى مجموعة حاملات طائرات ضاربة. وقد يُسهّل الوقت اللازم لنشر قوات دفاع جوي إضافية للتصدي لهجوم صاروخي إيراني على إيران اختيار خيار الرد القاسي نسبيًا.

الرد القاسي نسبيًا. من جهة أخرى، إذا رغبت إيران في العودة إلى طاولة المفاوضات، فمن الممكن أن يكون ردها رمزياً ومحدوداً، على غرار هجومها في 23 حزيران 2025 على قاعدة العديد الجوية في قطر (أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط)، والذي أعقب قصفاً أمريكياً للمنشآت النووية الإيرانية في اليوم السابق.

الهجوم الإيراني على إسرائيل: يبقى الهجوم الصاروخي الباليستي والطائرات المسيّرة على إسرائيل احتمالاً وارداً بالنسبة للجمهورية الإسلامية، لا سيما إذا كانت ترغب في تجنب تصعيد الأعمال العدائية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تسعى إلى ردّ ثمن أي هجوم أمريكي محتمل. من جهة أخرى، من المرجح أن يُثير الهجوم الإيراني رداً إسرائيلياً وتصعيداً قد يجرّ فلول حزب الله في لبنان إلى التورط؛ وذلك بعد أن أنفق المسؤولون الإيرانيون مئات الملايين من الدولارات خلال العام الماضي في محاولة لإعادة تأهيل الحزب وتوجيهه ضد إسرائيل. كما يُرجّح أن يُثير الهجوم الإيراني رداً إسرائيلياً قد يندمج مع الجهود الأمريكية من خلال مهاجمة منشآت النظام والبنية التحتية الحيوية.

إغلاق مضيق هرمز – قد تؤدي الجهود الإيرانية لإغلاق هذا المعبر الاستراتيجي، الذي يمر عبره أكثر من 20 في المئة من الغاز الطبيعي المسال في العالم و25 في المئة من تجارة النفط البحرية، إلى تدويل الصراع وإحداث صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي، مما يُلحق الضرر بسلاسل التوريد والإنتاج الصناعي ويرفع أسعار الطاقة. ومن المرجح أن يكون لجوء إيران إلى هذه الخطوة ملاذًا أخيرًا في مواجهة الجهود الحثيثة لإسقاط النظام، وسيكون بمثابة خيار أخير ذي فرص نجاح ضئيلة، ومن المحتمل أن يترافق مع مزيد من التدخل الأمريكي والدولي.

المبادرة الدبلوماسية – في حال تعرض إيران لهجوم أمريكي، فقد تختار المسار الدبلوماسي كوسيلة للحفاظ على كرامتها وحماية نظامها، مع الموافقة على اتفاق مع الولايات المتحدة يتضمن التخلي عن تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية وفرض قيود على إنتاج الصواريخ الباليستية. إلا أن هذا السيناريو سيكون له تأثير طويل الأمد على بنية النظام وتصوراته الأيديولوجية، وسيؤدي فعليًا إلى تقويض صورة الجمهورية الإسلامية كدولة ثورية وأيديولوجية.

من المشكوك فيه أن يوافق خامنئي على مثل هذه التنازلات واسعة النطاق. لذا، من المرجح أن يعتمد المخرج السياسي للأزمة الراهنة على تغيير الحكومة. وقد يحدث هذا أيضًا بانقلاب داخل النظام، حيث يُقنع الحرس الثوري القائد بالتنحي عن منصبه، مما يسمح بالتوصل إلى اتفاق من جهة، ويُمكّن ترامب من إعلان أنه قاد تغيير النظام في إيران من جهة أخرى. ويمكن استلهام هذا من “النموذج الفنزويلي” الحالي، حيث استُبدل الرئيس نيكولاس مادورو بنائبه، لكن واشنطن تُملي مسار الأمور في البلاد. من شأن هذا السيناريو أن يُقمع المعارضة الإيرانية فعليًا.

 

 الاستنتاجات والتداعيات

 

يُظهر تسلسل أحداث الأسابيع الأخيرة ضعف النظام الإيراني الشديد، ما يضعه أمام خيارات سيئة للغاية. فعلى الصعيد الداخلي، يواجه النظام خيارين: إما القمع العنيف الذي لن يؤدي إلا إلى زيادة الاستياء الشعبي، أو تخفيف الضغط بطريقة تُعرّضه لتهديد مباشر. أما على الصعيد الدولي، فيواجه النظام خيارين: إما الاستسلام للضغوط الخارجية، أو التمسك بموقفه الذي قد يُلحق ضرراً مباشراً وشديداً بمصالحه.

ومع ذلك، حتى في ظل ضعفه، لا يزال النظام يمتلك قدرات تدميرية كبيرة قد تُمكّنه من تجاوز الأزمة الحالية، وإن كان ضعيفاً وغير مستقر، ولكنه لا يزال على حاله.

وتُبيّن تهديدات ترامب وتأخير تنفيذها استعداد الرئيس الفريد لاستخدام القوة خدمةً لما يعتبره مصالح أمريكية ونفوذه الشخصي. وفي الوقت نفسه، يُقيّد هذا الاستعداد القدرات العسكرية الحالية للولايات المتحدة ورغبتها في منع اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط. إن تحويل القوات من المنطقة في الأشهر الأخيرة، والذي ساهم في تنفيذ العملية العسكرية في فنزويلا، يُفاقم المعضلة المتعلقة بمسار العمل ضد إيران.

يجب على إسرائيل أن تواصل سعيها لتجنب التدخل المباشر والعلني في الأزمة الراهنة، حتى وإن لم يتضح بعد كيف سيساهم أي عمل عسكري من جانبها في تقويض النظام.

إذا ما أدت الأزمة الراهنة إلى مفاوضات دبلوماسية، فيجب على إسرائيل أن تُصرّ على أن يكون أي تخفيف للضغط على النظام الإيراني مشروطًا بتفكيك قدرات تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية والحد من برنامجه الصاروخي.

------------------------------------------

 

هآرتس 20/1/2026

 

 

استسلام الاكراد في سوريا هو انجاز عظيم لتركيا وضربة لإسرائيل

 

 

بقلم: تسفي برئيل

 

البنود الـ 14 المذكورة في اتفاق وقف اطلاق النار الذي وقع في يوم الاحد بين الرئيس السوري احمد الشرع والقوات الكردية، تضاف الى سلسلة الانجازات السياسية والدبلوماسية التي حققها الشرع منذ توليه الحكم في كانون الاول 2024 بعد اسقاط نظام الاسد. بحسب هذا الاتفاق سيتم دمج “القوات الكردية الديمقراطية”، وهي المنظمة العسكرية الكردية التي اقامتها الولايات المتحدة في 2015 وتعتبر القوة الاكثر فعالية في الحرب ضد داعش، في الجيش السوري. وستنتقل معظم المناطق التي يسيطر عليها الاكراد في شمال شرق سوريا وعلى الفور مدينة الرقة ومدينة دير الزور، بما فيها من آبار نفط ومعابر حدودية وبنية تحتية ومرافق ادارية، الى الحكومة السورية. وستتم ادارة السجون التي تضم عشرات آلاف من اعضاء داعش وعائلاتهم من قبل سوريا، وسيغادر كل مقاتلي حزب العمال الكردستاني، الشريك للقوات الكردية السورية، المصنف كمنظمة ارهابية، البلاد.

في المقابل، سيحصل الاكراد على الاعتراف بحقوقهم، بما في ذلك الجنسية لمن لم يحصلوا عليها في عهد نظام الاسد، عندما اصدر الرئيس السوري الشرع في يوم الجمعة الماضي مرسوم رئاسي يعترف باللغة الكردية والثقافة الكردية. اضافة الى ذلك سيتم تعيين ضباط اكراد رفيعي المستوى في مناصب رفيعة في الجيش السوري، وستتولى قوة شرطة كردية المسؤولية عن حفظ النظام العام في مناطق الاكراد. “على الورق يعتبر ذلك بالتاكيد انعطافة تاريخية، حيث اختار الطرفان اللذان كانا خصمان في السابق الشراكة بدلا من الانقسام”، حسب وصف توم باراك، المبعوث الامريكي الخاص في سوريا الذي قام بصياغة مباديء الاتفاق. هكذا، بعد اسبوعين على توصل سوريا واسرائيل الى تفاهمات حول اقامة الية لتنسيق ومراقبة النشاطات العسكرية فيما بينهما، يستكمل النظام السوري بالتدريج السيطرة السيادية على المنطقة التي تشكل ثلث مساحة الدولة، والتي تهدد بتقسيم سوريا الى كانتونات.

بالنسبة للاكراد هذا الاتفاق يعتبر هزيمة صارخة، وقد كان هناك من اعتبروه خيانة – القصد خيانة الولايات المتحدة للتحالف القوي الذي تم تاسيسه بين الاكراد والادارة الامريكية واعتبر تحالف راسخ لا يتضعضع. مظلوم عابدي، قائد القوات الكردية، اعترف بان الامر يتعلق باتفاق تم فرضه عليه وانه لم يكن أي مناص له من تبنيه لمنع سفك دماء الابرياء. في الاسابيع الاخيرة ادارت قوات النظام حرب ضروس ضد القوات الكردية، في البداية في حلب وبعد ذلك في الاقاليم الكردية للسيطرة عليها بالقوة. ولكن الى جانب الضغط العسكري السوري فان عدد من حلفاء الاكراد – القبائل والعشائر العربية التي شاركت في نضالهم – تخلوا عنهم في الفترة الاخيرة وانضموا لقوات النظام. في نفس الوقت تركيا هددت بان تفعل ضدهم جيشها، والولايات المتحدة اوضحت لقيادة الاكراد بانها ستتوقف عن دعمهم اذا لم يلتزموا بتعهدهم بالانضمام للجيش السوري، كما نص على ذلك اتفاق المباديء الذي وقع في شهر آذار الماضي.

عمليا، منذ اللحظة التي عانق فيها الرئيس ترامب الشرع في ايار الماضي ومنحه “الابوة السياسية” كهدية لـ “صديقه العزيز” محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، بدأ العد التنازلي للاكراد. ان رفع العقوبات عن سوريا وانضمامها في كانون الاول للتحالف الدولي في محاربة داعش، ولا سيما ترسيخ المبدأ الامريكي الداعم لسوريا الموحدة وذات السيادة مع حكومة مركزية، لم يترك للاتراك الا هامش ضيق للعمل على تحقيق مكاسب تكتيكية، وهو هامش تحطم كليا بحسب بنود الاتفاق الجديد. وقد تم رفض طلبهم الاندماج في الجيش السوري ككيان كردي متكامل، وليس كافراد، بشكل قاطع. ان طموحهم لتاسيس في سوريا نظام غير مركزي، أي فيدرالي حسب نموذج العراق، تم رفضه ايضا. والان من غير الواضح اذا كانوا سيستطيعون الحصول على حصص مفضلة من مداخيل الدولة، بالاساس من النفط والغاز والرسوم الجمركية في المعابر، التي مولت نشاطاتهم العسكرية وادارة الحكم الذاتي الكردية المستقلة. ايضا مكانتهم كحراس العتبة ورأس الحربة في الحرب ضد داعش، وهي المكانة التي رسخت التحالف بينهم وبين امريكا، يمكن أن تتقوض، لان الاتفاق ينص على ان النظام السوري هو الذي سيدير الحرب، وكما قيل، ايضا السجون ومراكز الاعتقال لاعضاء داعش.

في اللعبة التي نتيجتها صفر التي تجري في سوريا تعتبر هزيمة الاكراد انجاز لتركيا، التي عملت مؤخرا بالسر بالتنسيق مع الولايات المتحدة على التوصل الى وقف اطلاق النار والاتفاق. على الصعيد العسكري قد لا يقتصر تنفيذ الاتفاق على ازالة تهديد حزب العمال الكردستاني لحدودها، اذا تم اخراجه بالفعل من الاراضي السورية، بل قد يعزز ايضا اتفاق المصالحة بينها وبين المنظمة التي تجري ضدها حرب دموية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتوفير لاردوغان انجاز سياسي آخر. لقد اعلن حزب العمال وزعيمه عبد الله اوجلان في السنة الماضي الاستعداد لتسليم السلاح، وقاموا بتنفيذ ذلك في احتفال رسمي تم فيه احراق عشرات قطع السلاح. وقد وجه اوجلان دعوة مشابهة للقوات الكردية في سوريا، ولكنها ردت بان دعوته لا تعنيها، وانها بحاجة للسلاح لاسباب خاصة. الان يمكن، الى جانب نزع سلاح القوات الكردية في سوريا وانضمامها للجيش السوري، أن لا تعود “الحلقة الارهابية الكردية”، كما تعرفها تركيا والتي تشمل السكان الاكراد الذين يتركزون في جنوب شرق البلاد وفي سوريا، تشكل أي تهديد بعد الان. هذا الامر يعتبر مهم جدا في سياق مفهوم الامن القومي لتركيا، الذي يحدد التهديدات ويعرف اعداء البلاد. ولكن المكاسب السياسية لتركيا لا تقل اهمية عن ذلك، بل ربما تفوقه. فالاتفاق يصور اردوغان كشخص يمكنه الوفاء بالوعود والالتزام تجاه الرئيس ترامب بتحويل سوريا الى دولة موحدة وذات سيادة، وتحويل الشرع الى حليف ناجع يستحق الدعم الامريكي الكامل.

هكذا فان الاتفاق يعطي تركيا ميزة حقيقية في معادلة القوة بينها وبين اسرائيل، في سوريا وفي كل المنطقة. قبل عشرة ايام تقريبا، بعد المواجهات بين قوات النظام والاكراد في حلب، اصدر وزير خارجية اسرائيل جدعون ساعر بيان استثنائي حذر فيه من ان “هجمات قوات النظام السوري على الاقلية الكردية في حلب خطيرة ومقلقة. المجتمع الدولي بشكل عام والغرب بشكل خاص مدين للاكراد الذين قاتلوا بنجاح وشراسة ضد داعش. والقمع المنهجي والدموي للاقليات المختلفة في سوريا مناقض لوعود “سوريا الجديدة”، وصمت المجتمع الدولي سيؤدي الى تفاقم العنف من قبل النظام السوري”. عندما يتحدث ساعر عن سوريا فهو يقصد ايضا تركيا، والسياسة الامريكية التي تقيد تحت تاثير تركيا والسعودية، مجال عمل اسرائيل في سوريا، وفي نفس الوقت تعزيز نفوذ اردوغان على حساب نتنياهو في موقع رجل الدولة الذي يشكل الواقع في الشرق الاوسط.

يجب اضافة الى الاتفاق السوري – الكردي بعض التحفظات. فهو ما زال اتفاق اطار، حتى لو كان مفصل اكثر من الاتفاق السابق الذي لم ينفذ، ولكنه ينطوي على عدد من نقاط الخلاف التي يمكن أن تنفجر. على سبيل المثال، ما زال من غير الواضح كيف سيتم دمج القوات الكردية بالفعل، واذا كان المقاتلون سيوافقون على الخدمة تحت القيادة السورية، وما هو وضع القائد مظلوم عابدي، وكيف ستعمل المؤسسات المدنية الكردية، وما هو مستوى استقلاليتها الثقافية، وما هو وضع الشركات الاجنبية التي تشغل آبار النفط في المناطق الكردية، والاكثر اهمية هو اذا كان سيتم تبني الاتفاق من قبل السكان والمنظمات الكردية، أو انه يتوقع ظهور حركات انفصالية جديدة تعمل على تقويض الاتفاق.

هناك قضية اخرى مقلقة يتوقع ان تشتعل وهي مستقبل العلاقة بين الاقلية الدرزية والنظام السوري. حتى الان يبدو ان الاكراد والدروز يتفقون في تطلعهم لاقامة كيان مستقل مسلح يحصل على الدعم من الخارج. الاكراد اعتمدوا على دعم الولايات المتحدة والدروز اعتمدوا على دعم اسرائيل. وعند سقوط الجدار الدفاعي الامريكي الذي كان سيعزز النزعة الانفصالية للاكراد، ومع بقاء الدروز الاقلية الوحيدة التي تشكل تحد حقيقي لعقيدة الوحدة الوطنية السورية، فانه يتوقع ان يزداد الضغط الامريكي على الدروز واسرائيل، وقد يتحول التفهم الذي تظهره واشنطن لـ “تحالف الاخوة” بين اسرائيل والدروز، الى جهد، بل وربما استخدام القوة، من اجل اخضاع الدروز للنظام السوري المركزي.

-------------------------------------------

 

هآرتس 20/1/2026

 

 

الاونروا تتعرض للهجوم منذ سنة ورؤساؤها يصرون: نحن الحل وليس المشكلة

 

 

بقلم: نير حسون

 

الاسبوع الماضي كان عاصف بشكل خاص بالنسبة لوكالة الاونروا التابعة للامم المتحدة، وحتى نسبيا مقارنة مع الفوضى التي تمر فيها منذ 7 اكتوبر. في يوم الثلاثاء الماضي جاء رجال شرطة الى عيادة الاونروا في البلدة القديمة في القدس وأمروا باغلاقها. العيادة عملت بشكل متواصل تقريبا منذ اقامة الاونروا في خمسينيات القرن الماضي، وقدمت خدمات لالاف المرضى في كل سنة، ومن المرجح جدا انه لن يعاد فتحها.

في ذلك اليوم اعلنت شركات البنى التحتية في القدس بانه ابتداء من الاسبوع القادم سيتم قطع الكهرباء والمياه عن مباني الوكالة التي ما زالت تعمل في المدينة. والاهم من بينها هو مركز التاهيل المهني الذي يعمل في شمال القدس والذي كما يبدو سيغلق. 350 شاب، ابناء عائلات فقيرة من مخيمات اللاجئين، الذين يحصلون على تاهيل في ميكانيكا السيارات واللحام والنجارة والبناء ومهن اخرى، سيتم لفظهم الى الشارع.

في تلك الساعات حقا اندلعت عاصفة جماهيرية في لبنان، بعد ان عرف الاباء بان اسم فلسطين تم شطبه من الخرائط في الكتب التعليمية لاولادهم في مدارس الاونروا في مخيمات اللاجئين، وتحته كتبت اسماء “قطاع غزة” و”الضفة الغربية”. واذا لم يكن هذا كاف ففي هذا الاسبوع عرف عشرات الاف موظفي الاونروا عن تقليص 18 في المئة في رواتبهم بسبب الوضع الاقتصادي الصعب.

رغم الهجوم متعدد الجبهات فان الاونروا ما زالت الجسم الانساني الاكثر اهمية الذي يعمل في قطاع غزة، والمشغل الاكبر في الضفة الغربية بعد السلطة الفلسطينية. في مقابلة شاملة اجرتها “هآرتس”، رؤساء المنظمة رونالد فريدريك وهو مدير النشاطات في الضفة، وسام روز وهو مدير النشاطات في غزة، رغبا بشرح الواقع حسب رأيهما. “يتهموننا باننا نخلد مكانة اللاجئين الفلسطينيين، لكن الامر خلاف ذلك، نحن هنا لان المشكلة الفلسطينية لم يتم حلها”، قال فريدريك.

منذ سنة تقريبا، بعد ان بدأ في الكنيست وفي التشريعات ضد الاونروان، فريدريك وروز لا يسمح لهما بدخول اسرائيل، الضفة وقطاع غزة. في اعقاب ذلك، مثل كل اعضاء الادارة الدولية في الاونروا قاما بنقل نشاطهما الى عمان عاصمة الاردن. هناك التقينا معهما. روز، وهو دبلوماسي بريطانيا عمره 51 سنة ومن مواليد مانشستر، وفريدريك وهو دبلوماسي وباحث الماني عمره 49 سنة وهو خبير في النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، يريدان من الجمهور الاسرائيلي الاصغاء، على الاقل لما يوجد لديهما لقوله.

 

 

مخربان ملثمان

في الخطاب الاسرائيلي منذ بداية الحرب اصبح اسم الاونروا مرادف للاشمئزاز. ويتنافس اعضاء الكنيست على وصفها باكثر الاوصاف تشهيرا مثل “ذراع لحماس”، “ارهابيون مقنعون”، “منظمة ارهابية”، هذه ليست الا بعض الالقاب التي يستخدمونها. اضافةالى ذلك سنت الكنيست مؤخرا قوانين مهمة ضد الاونروا باغلبية ساحقة. الاول، منعها من العمل في اسرائيل. الثاني، منع السلطات الاسرائيلية من التواصل معها. وصدر تعديل آخر في الاسبوع الماضي يحظر على شركات البنى التحتية تزويد منشآت الاونروا بالكهرباء والمياه.

معظم اتهامات اسرائيل ضد الاونروا تتعلق بموظفي الوكالة الذين تعاونوا مع حماس، وحتى شاركوا في مذبحة 7 اكتوبر، ايضا هي تقول بان منشآت الاونروا في القطاع، لا سيما المدارس، خدمت حماس  لسنين. وقد رفض فريدريك وروز هذه الادعاءات، وعرضا بيانات وتقارير للامم المتحدة ترسم صورة معقدة اكثر مما هو معروض في وسائل الاعلام الاسرائيلية وفي الكنيست.

فيما يتعلق بالموظفين يزعمون ان اسرائيل قدمت ادلة على وجود صلة بين حماس وبين 12 موظف فقط من اصل 12 ألف موظف في القطاع. كانت الادلة ضد 8 منهم كافية وقد تم فصلهم جميعا أو قتلوا اثناء الحرب. “احدهم هو الارهابي الذي اختطف جثة يونتان سمارنو”، قال فريدريك. “هذا امر فظيع وغير مقبول، لا احد يريد اشخاص كهؤلاء في الاونروا، لكن من هنا الى الادعاء بان 12 الف شخص ينتمون لحماس فان المسافة كبيرة”.

روز يتابع اقوال زميله ويقول: “يجب علينا فصل سلوك الفرد عن سلوك الوكالة. الامر يشبه انني لم اقم بالدعوة الى الغاء النظام الملكي في بريطانيا بسبب سلوك فرد واحد فاسد (روز يشير هنا الى تورط الامير اندرو في قضية ابستين). كان بامكان الاونروا بذل المزيد، ولكن نحن لا نملك مخابرات أو آلية امنية خاصة بنا. نحن نجري فحوص وتدريب للموظفين ونشارك قائمة الموظفين لدينا مع اسرائيل كل ستة اشهر. وانا اعتقد أن اسرائيل لم ترد علينا الا في مرة واحدة حول سؤالها عن احد الموظفين. اذا كنا منظمة ارهابية فلماذا نشارك القائمة مع اسرائيل؟ أي منظمة اخرى في غزة لم تقم بفعل ذلك”.

روز قال ايضا بانه في الفترة الاخيرة على سبيل المثال الغت اسرائيل تصاريح العمل لـ 37 منظمة انسانية تعمل في غزة، في معظم الحالات بسبب رفض هذه المنظمات مشاركة قائمة موظفيها الفلسطينيين. “لا اعتقد ان أي احد يريد تشغيل عاملين شاركوا في 7 اكتوبر”، قال فريدريك. “اسرائيل اعطت اسماء، لكن لم تكن هناك دلائل حقيقية. اعطونا الادلة والاسماء. وقد اقترحنا على اسرائيل ان يقوم طرف ثالث بفحص الامر ولكنها لم ترغب في ذلك”.

“الاونروا هي هدف سهل للسياسيين الشعبويين”، قال روز. “هم يقولون بان كل المخربين الذين نفذوا مذبحة 7 اكتوبر تعلموا في مدارس الوكالة. لذلك فان الوكالة هي مصنع للارهاب، ولذلك فأنا ارهابي ايضا. ولكني ايضا نتاج مدرسة تعلمت فيها في مانشستر. بالصدفة فان المدرسة اليهودية الاكبر في مانشستر (والد روز يهودي – الكاتب)، هذا يعني اذا بان هذه المدرسة هي مصنع للارهاب، بسبب انها انبتت ارهابي”.

روز قال انه قبل الحرب تعودة الاونروا على ابلاغ اسرائيل عن ما يسمى في الاونروا “خروقات محايدة”، أي ان حماس استخدمت منشآتها. وهو يعترف ان الانفاق حفرت ايضا تحت المدارس في غزة، لكنه قال انه لم تكن للاونروا سيطرة على ذلك. “في الحرب في 2021 (عملية حارس الاسوار) سقطت قنبلة لسلاح الجو في ملعب مدرسة للاونروا في القطاع. كان يجب اخذها وبعد ذلك شاهدنا انه يوجد نفق تحت الملعب، لكن على بعد نصف ميل كان يوجد مركز للشرطة. اذا ربما يكون الامر متعلق بهذا المركز. غزة مليئة بالانفاق. نحن لا نسيطر على ما هو تحت الارض. في لندن يوجد قطار تحت الارض يسافر تحت كل بيت، هذا لا يعني ان اصحاب البيوت هم المسؤولون عن النفق الموجود تحتهم”.

“الاونروا هي تذكير دائم على انه ليس كل شيء جيد، وان هناك احتلال”، قال روز. “الاونروا اصبحت هدفا للانتقاد الشديد، لكنها في الحقيقة اداة اقامها المجتمع الدولي لادارة الوضع الانساني وتوفير الخدمات الى ان يتم التوصل الى حل”. وواصل روز حديثه بعرض صورة لمنظمة حاولت التصدي لحماس في قطاع غزة اثناء سنوات الحصار الاسرائيلي وقال: “كنا نقوم بتنظيم سباق ماراثون، بعد ذلك حماس طلبت فصل الرجال عن النساء. فكان الرجال يركضون في اتجاه والنساء في اتجاه آخر، لكن حماس ادركت فيما بعد ان الرجال والنساء يلتقون في الوسط فقامت بالغاء السباق”. ووصف ايضا كيف اصدرت الاونروا، خلافا لرغبة حماس، مواد اعلامية حول المساواة بين الجنسين وحقوق المثليين. “اسرائيل تتهمنا بتاجيج التطرف في اوساط الفلسطينيين، لكن الامر الذي يؤجج التطرف هو ظروف الحياة”، قال.

 

42 ألف شخص يائس

 

عدد العاملين الذين يعملون الان في الاونروا اعلى من عدد كل العاملين الذين يعملون في كل مؤسسات الامم المتحدة والمنظمات الانسانية في قطاع غزة معا. بالاجمال، يعمل فيها 1347 طبيب ورجال الطواقم الطبية، 10 آلاف معلم وعاملين اجتماعيين وغيرهم. حسب اقوال روز فان 80 في المئة من التطعيمات في القطاع تقدمها الاونروا. اضافة الى ذلك فانه في المدارس التي تديرها الوكالة يعيش اكثر من 100 ألف نازح، واكثر من هذا العدد يعيشون قرب المدارس ويحصلون على خدمات الوكالة. منذ وقف القتال استانفت الوكالة جزء من نشاطاتها التعليمية، والان يوجد 70 ألف ولد يتعلمون في مراكز تعليم مؤقتة من قبلها. اضافة الى ذلك الاونروا هي المسؤولة ايضا عن جمع القمامة في اماكن كثيرة في قطاع غزة.

الى جانب هذه الانجازات فان هجوم اسرائيل على الاونروا يمنعها منذ سنة من ادخال الغذاء والمساعدات الى القطاع. “كان يجب علينا ان نبذر مئات الاف الدولارات لاستبدال الملصقات واعادة تصنيف الغذاء الذي قمنا بادخاله ونقله بواسطة منظمات اخرى، بدلا من استثمار ما يوجد لدينا في توفير الغذاء للسكان”، قال روز. وشرح بانهم اضطروا الى اخفاء مصدر الغذاء بعد منع الاونروا من توفيره.

في الفترة الاخيرة، بالاساس في اعقاب وقف تمويل الوكالة من قبل الولايات المتحدة واجهت الاونروا صعوبات مالية، الامر الذي جعلها تعلن عن تخفيض كبير لرواتب العاملين فيها. مع ذلك استانفت معظم الدول الداعمة للمنظمة، باستثناء الولايات المتحدة والسويد، تمويلها، بل وزادته ايضا. ولكن هذا التمويل ما زال لا يكفي لسد الفجوة التي خلفتها الولايات المتحدة، الامر الذي اضطر الوكالة الى تسريح بعض العاملين فيها. وفي تشرين الثاني جددت الجمعية العمومية للامم المتحدة ولاية الاونروا باغلبية ساحقة، الامر الذي اثار استياء اسرائيل، وفي كانون الاول اصدرت الجمعية قرار آخر، باغلبية ساحقة، يطلب من اسرائيل انهاء مقاطعة الاونروا.

في بداية الحرب سافر فريدريك وعدد منرجال الطاقم الى مكان المذبحة في بئيري وفي نوفا. “نحن نعرف التاثير الصادم لـ 7 اكتوبر”، قال واضاف. “انا اعرف جيدا اسرائيل وفلسطين، هذا كان امر صادم. ما خطر ببالي هو غابات لاتفيا والكارثة. انا افهم احاسيس الاسرائيليين، الامر الذي يفسر جزء من النظرة للاونروا. ولكن في نهاية المطاف يجب العودة والتحدث عن حل لمشكلة اللاجئين في اطار اتفاق سياسي واسع. ما نقوم بفعله يساهم في الاستقرار، الاونروا تعمل لانه لا يوجد حل سياسي لمشكلة اللاجئين”.

“لو انه لم تكن الاونروا موجودة كان يجب ايجادها، لكنها قائمة. يجب عليكم مواجهة المشكلة وليس مواجهة الاونروا. ها هو قد اصبح لديك عنوان جيد للمقال”، قال روز.

------------------------------------------

 

إسرائيل اليوم 20/1/2026

 

 

اليوم الذي انتخب فيه الشعب الفلسطيني حماس

 

بقلم: د. اوري فيرتمان، باحث في مركز الاستراتيجية الكبرى لإسرائيل ICGS

قبل 20 سنة، في 25 كانون الثاني 2006، فازت حماس بنصر عظيم في الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني. الانتخابات كانت بطريقة متداخلة، حين يكون النصف من بين الـ 132 عضوا في البرلمان ينتخبون بطريقة نسبية يصوت فيها عموم المقترعين لقائمة ما مثلما يحصل في الانتخابات في إسرائيل، والنصف المتبقي ينتخبون بطريقة إقليمية حين ينتخب الناخبون في كل منطقة انتخابية ممثليهم للبرلمان.

كان واضحا للجميع بان حماس توشك على أن تحقق نتيجة هامة في انتخابات 2006. لكن الاستطلاعات توقعت لفتح ان تفوز في الانتخابات وان تشكل الحكومة التالية. استطلاع اجراه البروفيسور خليل الشقاقي اظهر ان فتح ستحظى بـ 42 في المئة من الأصوات (معطى يوازي 28 عضو برلمان) ، مقابل 35 في المئة (23 مقعد) لحماس، وانه في الطريقة الإقليمية مضمون لفتح 18 عضو برلمان مقابل 17 لحماس، بينما المعركة بين الطرفين متلاصقة جدا على نحو الـ 30 مقعدا المتبقية.

في ختام الامر قدر الشقاقي بانه معقول للغاية ان تشكل فتح الحكومة، وشرح بان الأسباب لنجاح حماس هي المقت لفتح، الفساد السائد في السلطة الفلسطينية وحقيقة أن فك الارتباط الإسرائيلي عن قطاع غزة اعتبر في أوساط الجمهور الفلسطيني كنصر لنهج المقاومة لحماس على نهج المسيرة السلمية الفاشلة لفتح. بل ان حماس حظيت بنوع من الشرعية من الرجل الأكثر شعبية في حينه في الشارع الفلسطيني، رجل فتح مروان البرغوثي السجين في إسرائيل الذي صرح بان حماس هي شريك شرعي في الحكومة الفلسطينية وانه ينبغي مواصلة الكفاح المسلح حتى تحقيق دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.

على نحو يشبه الشقاقي، في جهاز الامن الإسرائيلي أيضا الذي تابع جيدا الانتخابات الفلسطينية، قدروا باحتمالية عالية ان تفوز فتح بأغلبية صغيرة. في شعبة الاستخبارات أعطوا حتى احتمالا متدنيا لسيناريو تنتصر فيه حماس بقوة وتشكل فيه الحكومة الفلسطينية الجديدة، السيناريو التي تصبح فيه السلطة الفلسطينية حماستان بحكم الامر الواقع. لكن التوقعات في جهة والواقع في جهة أخرى. في نهاية عد الأصوات في ما كانت نسبة التصويت 77 في المئة تبين أن حماس حظيت بـ 74 مقعدا في البرلمان مقابل 45 فقط لفتح. وبينما بالطريقة النسبية كانت المعركة متلاصقة ونالت فيها حماس 44 في المئة مقابل 41 في المئة لفتح (نتيجة منحت حماس 29 مقعدا مقابل 28 لفتح)، في الطريقة الإقليمية فازت حماس بنصر عظيم حققت فيه حماس 45 مقعدا مقابل 17 فقط لفتح.

مع أن استطلاعا اجري على الفور بعد نصر حماس اظهر ان اغلبية الجمهور الإسرائيلي (48 في المئة مقابل 43 في المئة) أيد الحديث معها اذا قادت السلطة الفلسطينية، قررت حكومة إسرائيل الا تجري أي مفاوضات معها طالما كانت حماس جزء منها، والقائم باعمال رئيس الوزراء اهود أولمرت اعلن بان سلطة فلسطينية توجد فيها حماس ليست شريكا. لكن الرد الذي منحه في حينه واليوم مفعولا لتداعيات نصر حماس كان في حينه رد فعل رئيس الليكود بنيامين نتنياهو الذي عارض الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة ومن محور فيلادلفيا في غير اطار الاتفاق مع الفلسطينيين. في اعقاب نصر حماس قال نتنياهو ان هذا هو اليوم الذي أقيمت فيه دولة حماستان، دولة اسلام متطرف تخط على علمها إبادة إسرائيل. بل ان نتنياهو حذر من أولئك الذين يقولون ان حركة حماس ستتغير وتصبح اكثر اعتدالا: “هذا أيضا ما قالوه عن آيات الله عندما استولوا على الحكم في ايران وعن طالبان الذين سيطروا على أفغانستان. هذا لم يحصل هناك ولن يحصل هنا”.

وختاما خسارة ان في سياق الطريق كرئيس للوزراء اختار نتنياهو الا يطبق فكره في كانون الثاني 2006، حين بقيادته أتيح لحماس أن تبني جيش إرهاب على الحدود الجنوبية لدولة إسرائيل. وبينما قدر جهاز الامن بان وجهة حماس الى التهدئة، كان على نتنياهو أن يتذكر ما قاله بعد انتصار حماس في الانتخابات. الامر الذي بالتأكيد كان سيساعد في احباط وربما في منع مذبحة 7 أكتوبر. نأمل ان يكون الدرس للمستقبل قد استوعب جيدا.

------------------------------------------

 

يديعوت 20/1/2026

 

 

وقف الحرب في مراحل مبكرة كان سيمنع عن إسرائيل الإنجاز الاستراتيجي الاوسع للحرب

 

 

بقلم: د. داني اورباخ

 

بعد اعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هوية أعضاء “مركز السلام” في غزة ادعى بعض المحللين بان نتنياهو قاد إسرائيل الى فشل مطلق. وحسب هذه الادعاءات كان يمكن انهاء الحرب قبل ذلك بكثير، في صيف 2024 مثلا مع الإنجازات إياها بالضبط، لكن مع خسائر اقل. لكن نتنياهو رفض كل الاقتراحات لـ “تسويات إقليمية” وبالتالي قادنا الى هزيمة استراتيجية. بعض من مؤيدي نتنياهو يدعون بالمقابل بـ “نصر مطلق”. لكن الطرفين مخطئان. سواء مؤيدي نتنياهو ام معارضيه ينبغي أن يعترفوا بالحقائق التالية حتى لو لم تكن مريحة لمن يسعى لان يروي قصة بسيطة عن هزيمة ساحقة او نصر مطلق.

أولا، ينبغي أن يقال باستقامة: في اثناء الحرب لم تطرح على الطاولة أي صفقة كانت معقولة من ناحية إسرائيل. فالمطالب التي طرحتها حماس كانت متطرفة تقريبا من المرحلة الأولى: انسحاب شبه كامل من القطاع مقابل قسم من المخطوفين، وانسحاب كامل مقابل الجميع، “احياء او اموات”. والاسوأ من ذلك يكاد لا يتبقى لإسرائيل أوراق مساومة إقليمية لاستخدامها لتحرير باقي المخطوفين. وكان معنى الامر إعادة قوات حماس الى حدود بيري وكفار عزة، فيما ان قيادة المنظمة بقيت على حالها، شبكة الانفاق ومسارات التوريد لها نشطة، وقوتها العسكرية بعيدة عن الانكسار. هذه لم تكن “تسوية أليمة” بل عودة واعية لنقطة بداية 7 أكتوبر، مع اقل شرعية دولية فقط. وحتى لو طرح على إسرائيل مقابل إقليمي في شكل تطبيع مع السعودية ما كانت أي دولة خليجية يمكنها أن تجبر حماس على التنازل عن مطالبها او حل المشكلة الإسرائيلية في غزة.

التسوية الحالية، بكل نواقصها، مختلفة جوهريا. فهي تبقي في يد إسرائيل سيطرة في نحو نصف أراضي القطاع كورقة مساومة – بما في ذلك أراض مشرفة من ناحية طوبغرافية، النطاق الشمالي، رفح ومعبر رفح، الاتصال الوحيد للقطاع بالعالم. وهي تخلق فاصلا ماديا هاما بين حماس وبلدات الغلاف وتخلق مجالا مفتوحا اسهل بكثير السيطرة فيه والرقابة عليه. المنظومة العسكرية لحماس كانت منسوجة بحيث لا يمكن التعرف عليها في المنطقة المبنية، طالما بقيت هذه مدمرة، وسيستغرق سنوات عديدة ترميمها، دولة حماس لن تتمكن من إقامة المنظومة العسكرية التي استخدمتها في 7 أكتوبر. ليس صدفة أن الضربة الأشد لمنظومة حماس كانت في المرحلة المتأخرة من القتال، بعد تصفية المستوى الأعلى، واساسا في حملة “عربات جدعون 2” التي انكسرت فيها قدرات أساسية للمنظمة. كما ان إسرائيل نجحت في ان تدمر على نحو شبه مطلق القدرات الصاروخية لحماس، التي بواسطتها فرضت علينا الرعب على مدى سنين.

فضلا عن ذلك، فان وقف الحرب في مراحل مبكرة، كما اقترح المرة تلو الأخرى محللون مختلفون كان سيمنع عن إسرائيل الإنجاز الاستراتيجي الاوسع للحرب: تفكيك محور المقاومة الإيراني. حماس ليست جزيرة منعزلة بل جزء من منظومة إقليمية. كسرها، الى جانب المس بحزب الله ووكلاء آخرين غير ميزان القوى الإقليمي ما كانت صفقة مبكرة لتتيحها.

ومهم بقدر لا يقل: هدف تجريد حماس، الذي لم يتحقق بعد منصوص عليه بتعهد امريكي وباسناد غير مسبوق من مجلس الامن. إسرائيل يمكنها ان تحتفظ بالمنطقة التي تحت سيطرتها وتمنع الاعمار وإدخال مواد البناء كورقة مساومة للتجريد. لم تكن لها أوراق مساومة كهذه لو كانت انسحبت من كل القطاع، بما فيها ذلك معبر رفح وفقا لما عرض في صفقات سابقة.

مع ذلك، في التسوية الحالية توجد أيضا إخفاقات عديدة. وجود تركيا وقطر في لجنة الاشراف مقلق. وكذا ادخال جهات أوروبية معينة يبعث علامات استفهام كبيرة. لكن الصورة الكاملة اكثر تعقيدا: نصف اللجنة على الأقل تتشكل من جهات ودية لإسرائيل او متعلقة بالولايات المتحدة. وعرض كل الالية كمعادية عديم الدقة على الأقل.

ان منتقدي الاتفاق من المعارضة محقون عندما يدعون بان نتنياهو لم يحقق بعد “نصرا مطلقا” مثلما تباهى في اثناء الحرب. ليس واضحا مثلا كيف ستتصدى اللجنة الحاكمة في قطاع غزة لتهديدات مسلحة من جانب حماس، وكيف سيكون ممكنا فرض التجريد على منظمة الإرهاب. للأسف الشديد يحتمل بالتأكيد ان تحقق حماس في غزة “نموذج حزب الله” أي نفوذ مسلح من خلف الكواليس. سيتعين على إسرائيل أن تجري الكثير جدا من الشقلبات الدبلوماسية، استخدام أوراق المساومة التي في ايديها وتهديدات عسكرية مصداقة كي تقلص نفوذ حماس على الحكم الجديد الى الحد الأدنى الممكن.

والاهم من كل ذلك هو ان الطابع الاشكالي والجزئي للتسوية ينبع من رفض مبدئي، يتجاوز المعسكرات، لفرض حكم عسكري إسرائيلي في القطاع. في هذا الموضوع لا يوجد فرق حقيقي بين رئيس الوزراء وبين معظم المعارضة ومحلليها. اذا كانت إسرائيل غير مستعدة لان تحكم مباشرة السكان المدنيين في غزة – وثمن مثل هذه الخطوة كان سيكون باهظا للغاية – فان أحدا ما آخر كان سيحكمها. وان لم يكن هذا حماس، فسيكون جهة فلسطينية أخرى بالمشاركة مع قوة دولية، مع كل القيود والمخاطر التي تنطوي على ذلك. للسلطة الفلسطينية، في وضعها الحالي، لا توجد قدرة سيطرة فاعلة حتى في الضفة، وبالتأكيد ليس في غزة، على الأقل حتى تجتاز إصلاحات عميقة. وبمراعاة القيود التي فرضتها إسرائيل على نفسها فان الاتفاق الذي تحقق هو الأفضل الممكن.

وأخيرا، توجد حقيقة واحدة محظور دحرها: هوية الحكم في غزة هامة لكن ليست كافية. فبدون نزع تطرف عميق لجهاز التعليم والمجال الثقافي لعله يمكن اضعاف دائرة العنف، لكن ليس قطعها. من يتحدث فقط عن مبان سلطوية ويتجاهل الأيديولوجيا يفوت جذر المشكلة. بدون تغيير للوعي لا يمكن لاي تسوية – مهما كانت ناجحة – ان تصمد على مدى الزمن.

------------------------------------------

 

هآرتس 20/1/2026

 

 

في اسرائيل الديمقراطية ماتت في وضح النهار

 

 

بقلم: افيهو زكاي

 

في العام 2018 صدر كتاب لستيفن لفتسكي ودانييل زفلت بعنوان “كيف ماتت الديمقراطيات”، الذي يظهر كيف ان زعماء انتخبوا بصورة ديمقراطية يضعفون بالتدريج منظومة الديمقراطية ويغيرونها من الداخل بدون تدخل خارجي جذري.

الكاتبان وصفا ديمقراطيات اختفت ليس بانقلاب عسكري، بل على يد زعماء منتخبون، الذين يقوضون مؤسسات ومعايير ديمقراطية، على الاغلب بمصادقة الجمهور أو ازاء لامبالاته. في اعقاب نشر الكتاب فان العنوان الرئيسي في “واشنطن بوست” في ولاية ترامب الاولى، كان “الديمقراطية ماتت في الظلام”. في اسرائيل الديمقراطية لم تمت في الظلام، بل علنا وفي وضح النهار.

في النظام الديمقراطي يمكن صعود زعماء، الذين بعد انتخابهم قاموا بالعمل على تغيير المنظومة السياسية، هكذا يظهر الامر في اسرائيل في عهد بنيامين نتنياهو، ومؤخرا في الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب. هكذا كان الامر في المانيا عندما تولى الحزب النازي الحكم، حتى بدون اغلبية، وتم تعيين ادولف هتلر كمستشار وقام بتصفية الديمقراطية في المانيا من خلال نوع من الانقلاب الذاتي، الى أن اصبح ديكتاتوري كامل. بينيتو موسيليني، زعيم الحزب الفاشي في ايطاليا، تم تعيينه كرئيس للحكومة في 1922، وعلى الفور بعد انتخابه كان هدفه الاول هو اقامة نظام شمولي، الذي فيه اصبح الزعيم الاعلى – الدوتشي.

الاساس لدولة اسرائيل كان حتى الان الديمقراطية الليبرالية (دمج مباديء مثل قرار الاغلبية مع مباديء الحفاظ على حقوق الفرد والمساواة امام القانون والحماية من استبداد الاغلبية). صورة هذا النظام قيدت القوة السياسية للمنتخبين بواسطة سيادة القانون وقوانين الاساس، من اجل الدفاع عن حقوق المواطن.

في السنوات الاخيرة حدث انتقال من الديمقراطية الليبرالية الى الدولة الديكتاتورية، التي فيها السلطة توجد في معظمها في يد شخص واحد، وهو رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. فهو وامثاله يهاجمون مؤسسات ديمقراطية ويحطمون انماط الثقافة القانونية ويعملون ضد المحكمة العليا ويدفعون قدما بانقلاب قانوني، الذي يشمل منح الائتلاف السيطرة على تعيين القضاة وتجاهل قرارات المحكمة العليا عندما يتعلق الامر بالغاء القوانين غير الدستورية.

احد التاثيرات الخطيرة هو الذي ينبع منه تدمير المكانة والدور المهم للفضاء العام الذي يوجد بين الفضاء الخاص  والفضاء السياسي (الذي لا يخضع لنزوات نظام الحكم)، الذي فيه يمكن للمواطنين التعبير عن رأيهم من خلال الصحف الحرة، الثقافة، الفن وما شابه. نتنياهو وجماعته يدعون الى فرض وحدة مزيفة وتوزيع الميزانية بحسب الانتماء الحزبي. وهناك امثلة كثيرة، لكن يمكن التركيز على الاكاديميا والثقافة. فالسيطرة عليهما تعتبر جزء من اسلوب دعم الانقلاب النظامي، الذي يسعى الى سحق أي كيان مستقل: القضاء، الخدمة المدنية، الاعلام والثقافة.

لقد قرر ميكي زوهر، وزير الثقافة، بانه يمكنه الحكم على جودة الفن بحسب معايير الائتلاف الحاكم. فقد قام بالغاء عشرات جوائز الابداع في العام 2025 في كل مجالات الثقافة (بما في ذلك جائزة ادب الاطفال على اسم دبورا عومر، التي تمنح منذ عشرين سنة وقيمتها 100 ألف شيكل). في المقابل، وزع زوهر مليون شيكل في حفل توزيع جوائز سينمائية من ابتكاره، وكانت ذريعته ان الجوائز تمنح منذ سنوات للفنانين والمبدعين في كل المجالات من اموال دافع الضرائب في اسرائيل، وتتجاهل الفنانين الذين يتبنون مواقف تمثل رأي غالبية الشعب.

وزارة الثقافة الغت في هذه السنة كل جوائز الابداع التي منحت خلال عشرات السنين في مجال الادب، الرقص، الفن التشكيلي والموسيقى. وضمن امور اخرى، لم تمنح جائزة ليفي اشكول للكتاب والشعراء، وجائزة اريك اينشتاين للفنانين القدامى، وجائزة انجاز العمر على اسم فرانك بيلغ للعازف الفرد أو قائد اوركسترا، وجائزة رئيس الحكومة للملحن الموسيقي، وجوائز لكتاب وشعراء في بداية طريقهم، وخمس جوائز في مجال الموسيقى الكلاسيكية وجائزة واحدة في مجال الجاز.

في الاكاديميا تم اقتراح اخضاع مؤسسات التعليم العالي للرقابة السياسية وآلية انفاذ قد تحد من نشاطات الاكاديميا وحجب الميزانيات. ان مشروع القانون الذي يهدف الى “تعزيز الشفافية والرقابة الجماهيرية على مجلس التعليم العالي” لا يمت بصلة للشفافية أو رقابة الجمهور، بل له هدف واحد وهو القضاء على استقلالية الاكاديميا في اسرائيل واخضاعها للحكومة. اضافة الى ذلك يتوقع ان توافق اللجنة الوزارية للتشريع على تفويض الحكومة بالتدخل المباشر في نشاطات مجلس التعليم العالي ولجنة التخطيط والميزانيات في أي قضية تراها مناسبة وتصفها بانها ذات “اهمية وطنية”.

كل ذلك وغيره سيتسبب بضرر كبير للثقافة الاكاديمية التي تقدس حرية البحث والتفكير النقدي. وستكون نتيجة قرار الغاء حرية الاكاديميا تراجع البحث العلمي في اسرائيل عن المعايير الدولية، ودفع العلماء الشباب للهجرة الى دول اخرى، حيث لا يعتمد ضمان حرية التفكير هناك على تغيير الحكومة.

هذه ظاهرة مدمرة سادت في بريطانيا في فترة حكم مارغريت تاتشر في ثمانينات القرن الماضي. فقد اعتبرت “المراة الحديدة” كما كانت تلقب، الاكاديميا مؤسسة تخدم السوق والدولة، الامر الذي ادى الى تقليص استقلاليتها وتحويل الجامعات الى هيئات تعمل حسب احتياجات الحكومة والاقتصاد. وكانت النتيجة هجرة الكثير من الباحثين، خاصة الى الولايات المتحدة. كل ذلك له صلة وثيقة بالثقافة السياسية. فبدلا من السياسة التي تقوم على النزاهة والاحترام فان نتنياهو واتباعه يشتمون ويشوهون ويشهرون ويتحدثون ويلصقون العيوب بكل من يعارضهم. هكذا، تتحول المنظومة السياسية الى ساحة حرب فيها كل واحد يفعل ما يشاء. هذا ليس مكان ملائم أو كريم. وينصب اهتمام كل اعضاء الائتلاف على تعزيز مجتمع منغلق لا ينفتح على تاثيرات العالم الحديث، أي مجتمع يناقض المجتمع الديمقراطي الليبرالي المنفتح، الذي يقوم على حرية الصحافة والمؤسسات الديمقراطية. هم يستخدمون النظام الديمقراطي ومبادءه كما يشاؤون، لكن فقط عندما يكون هذا مناسب لهم.

النتيجة هل عالم معكوس. فقد تحول المحققون الى اشخاص يتم التحقيق معهم، والقضاة الى متهمين، ويتم تعيين في المناصب الوزارية وزراء لا يعرفون أبدا معنى اهمية هذه الوزارة التي يتولونها، وينطبق نفس الامر على اعضاء لجان الكنيست، وهكذا فهم يقوضون قواعد ومباديء اللعبة الديمقراطية. في الواقع بالنسبة لاسرائيل فان الديمقراطية تموت في وضح النهار وليس بالسر.

------------------------------------------

هآرتس 20/1/2026

 

الأسرى الفلسطينيون في “روليتا القهر”: “يوميات مرتسيانو” ليست سوى طرف الجبل

 

 

بقلم: أسرة التحرير

 

يوميات رافي مرتسيانو ما كان ينبغي لها أن تكتب. فرجل تعليم مثله، ابن 75، ما كان ينبغي له أن يدخل إلى السجن ويصف واقع حياة السجناء سجون إسرائيل. لكن هذا ما حصل. فعلى صفحات باهتة في دفتر صغير، إلى جانب سجناء لا يعرفون القراءة والكتابة، كتب مرتسيانو باسمه، وباسمهم أيضاً، كتب عن عن البق والحشرات التي تملأ الفراش، وعن الفرشة الرقيقة الرطبة، وعن اليأس والعزلة، عن الصراع اليومي للإبقاء على طابع إنساني في مكان مجند لسحقك.

كل سنة تنشر المحامية العامة تقريراً عن شروط الحبس في مصلحة السجون. المشاكل تكرر نفسها: اكتظاظ كثيف، ونقص كبير للاستجابات التأهيلية، وكله بخلاف تعليمات القانون. وحسب التقرير الأخير، فإن قرابة نصف السجناء يحتجزون “في ظروف معيشية غير إنسانية”. المس بحقوقهم الأكثر أساسية فيما يتعلق بالكرامة والتأهيل كله يصبح أمراً اعتيادياً. “يصعب أن نصف بكلمات إحساس الاكتظاظ، والخنق، وظروف الحر والبرد، والظروف الصحية المتردية التي تتميز بها تجربة السجناء القاسية”، كُتب هناك. بهذا المفهوم، فإن يوميات مرتسيانو هي إكمال واجب للمعطيات المعروفة التي تنشر كل سنة.

ومع ذلك، عندما نقرأ يومياته وتوصيفاته للناس الذين يذوون أمام عينيه، ينبغي أن نتذكر: كتب هذا من القسم الخاص بالشيوخ والمرضى في سجن معسياهو [سجن الرملة]. في روليتا السجون، حيث لا أحد يعرف أين يقع، ثمة أماكن أسوأ بكثير – في الأقسام الجنائية، فما بالك في الأقسام الأمنية! هناك، بإذن الحكومة، شددت شروط الحبس منذ نشوب الحرب، وحالات موت السجناء، التي ظهرت على أجسادهم علائم العنف، إلى جانب شهادات متكررة عن جوع شديد، نشرت غير مرة.

وزير الأمن القومي، بن غفير، بالطبع ليس قلقاً على حقوق السجناء الأمنيين. لكن سياسة تسحق حقوق الإنسان، حيث تنزع عن الناس إنسانيتهم، ليست مقيدة بالقسم الأمني. وهي لا تتجاوز، كما يتبين، وإن كان بقدر أقل، الشيوخ والمرضى الذين التقاهم مرتسيانو. مثلما شهد هو نفسه أيضاً.

السجون ليست منشآت حبس فقط؛ فبعض غايتها هو عرض طريق جديدة للسجناء، والتعهد بالعلاج والتأهيل لعودة سليمة إلى الحياة التي في الخارج. ما لم تتخل السجون فعلياً عن هذه الغاية، فلا تكون إلا أداة عقاب عمياء. يوميات مرتسيانو هي لائحة اتهام، والمتهمون بها ليسوا مصلحة السجون فقط، بل أيضاً وزارة الأمن القومي أو الدولة، بل المجتمع الإسرائيلي كله، الذي سلم بالأمر.

------------------------------------------

 

يديعوت 20/1/2026

 

 

نزع سلاح «حماس» ليس سهلاً ..

 

 

بقلم: سمدار بيري

 

دُعيَ رئيس تركيا، أردوغان، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إلى الانضمام إلى «مجلس السلام» من أجل إنهاء الحرب في غزة.

وحتى الآن، لم يتم التوصل إلى اتفاقات، لكن القائمة التي سيُشكَّل منها المجلس تضم شخصيات دولية بارزة؛ إذ يترأس ترامب المعسكر، ومن المذكورين فيها توني بلير من بريطانيا، ووزير الخارجية الأميركي، وطبعاً - وكيف لا؟ - الصهر الأبدي جاريد كوشنر.

وفي المجلس التنفيذي في الأسفل، يظهر مجدداً المبعوث الخاص، ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية روبيو، وكذلك رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا.

وفي كل واحدة من القوائم سيَرِد 15 اسماً من أولئك الذين يُفترَض بهم أن يُشرفوا - كلٌّ في مجاله - على اللجنة الفلسطينية التي يُفترض بها أن تدير غزة، ولم يتضح بعد كيف سيجري الأمر على الأرض.

وسيقود الفلسطينيين د. علي شعث، من مواليد غزة، وهو قريب وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق، د. نبيل شعث.

سارعت السعودية إلى الترحيب بخطة السلام الجديدة، لكن يجب الانتباه إلى أنه لا يوجد ممثل سعودي في أيٍّ من اللجان، وذلك على الرغم من أنه بات من الواضح أنه من الآن ستتطلَّب إعادة إعمار القطاع أموالاً طائلة، وإذا لم تُدعَ [أي السعودية]، فلن تدفع.

وقد صاغ ولي العهد السعودي بياناً يرحّب فيه بانسحاب الجيش الإسرائيلي، وذكّر بأن الحديث يدور حول «هيئة مؤقتة».

انتبِهوا إلى حقيقة لم تُذكر على الرغم من أهميتها، وهي أن هذه الهيئة أُنشئت لتجاوز النشاط العقيم و»المزعج» للأمم المتحدة في القطاع.

غير أنّ السؤال الذي لم يُذكَر في بيان البيت الأبيض هو: ماذا سنفعل فعلياً بشأن «حماس»؟ هل سيتم نزع سلاح الحركة «الإرهابية» ومنْعها من مواصلة إدارة القطاع؟ مَن يضمن لكل هذه الشخصيات البالغة الأهمية، التي عيّنها البيت الأبيض، أن تقبل «حماس» بالقرار من دون رد؟

لقد أعلن كبار مسؤولي الحركة، أول من أمس: «لدينا عشرة آلاف متطوع جديد. إنهم ينتظرون فقط أن نُجنّدهم».

وقال المتحدث باسم «حماس» في غزة، حازم قاسم، إنه مع دخول الهيئة الفلسطينية الجديدة المكلَّفة إدارة القطاع، سَتُحَلُّ الحكومة القائمة، وذهب إلى أبعد من ذلك حين دعا إلى تسريع إقامة اللجنة التكنوقراطية (المكوَّنة من فلسطينيين غير مقيمين بالقطاع).

لكن - وهذه «لكن» كبيرة جداً - على الرغم من التصريحات المتحمسة، فإنه لا توجد موافقة من جانب «حماس» على نزع السلاح، فمن جهتهم لا يُسمَع حتى أي تلميح يُوحي بأنهم ينوون التخلي عن الحكم. في وضع كهذا، كيف يمكن التقدم؟

لقد تأنَّى رئيس الوزراء نتنياهو في ردّه، أول من أمس، وقرّر أن الحديث يدور أساساً حول خطوة إعلامية لا تغيّر الواقع الأمني، ووضع مطلبين قاطعين: إعادة جثمان ران غويلي، ونزع سلاح «حماس».

وفي إدارة الرئيس ترامب، يشرحون في محادثات مغلقة أنّه يجري الآن فحص إمكانية إعلان نزع سلاح «حماس» وتخزينه، ولا يُعرَف أين.

مَن يضمن أن توافق «حماس» على ذلك؟ في هذه الأثناء، فإن التنظيم «الإرهابي» لا يهدأ لحظة، ويعمل باستمرار على تجنيد متطوعين جدد.

ومع أوضاع الحياة القاسية جداً في القطاع، والبرد والجوع، يمكن تصديق ذلك، فالمتطوعون سيكونون مستعدين لفعل الكثير لإعالة عائلاتهم.

حالياً، وبحسب المعلومات، يوجد في غزة نحو 30,000 مسلح من «حماس» و»الجهاد الإسلامي».

ومن الجهة الأُخرى، يصرّ نتنياهو على أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من مواقع مفتاحية في القطاع (محور فيلادلفيا) ما لم يتحقق نزع السلاح الكامل، ففي نهاية المطاف قد يحدث تحرُّك مفاجئ في أي لحظة.

إن نزع سلاح «حماس» مشكلة معقدة، وليس واضحاً إن كان أحد، مهما يعلو شأنه، قادراً على التعامل مع دهاء الحركة.

وحتى لو وافقوا على نزع جزء من السلاح، والتزام تخزين ما سيُقرَّر، فلا أحد من أعضاء «لجنة السلام» وتفرعاتها ملمٌّ أو قادرٌ على التعامل مع الواقع الميداني.

لقد رأينا كيف تتعامل «حماس» مع مَن تصفهم بالمتعاونين مع إسرائيل.

والافتراض هو أن «حماس»، في نهاية المطاف، لن تسلّم السلاح طوعاً.

فمَن سيضمن أن تفعل ذلك رغماً عنها؟ ليس لأعضاء اللجنة خبرة في القضايا الأمنية.

انظروا إلى الأعضاء في اللجان الثلاث وافحصوهم واحداً واحداً: الكثير من حسن النية والآمال، وصفر في الخبرة القتالية.

يجب ألاَّ ننسى أن «حماس» لم تتخلَ بعد عن مهمتها العليا بصفتها حركة تحرُّر وكفاح ضد إسرائيل، وهذا الشعار محفور عميقاً في ذهن رئيس الوزراء نتنياهو. «حماس» مستعدة لمواصلة القتال، والسؤال الكبير هو: هل سيعلنون الحرب أيضاً على ممثلي السلطة الفلسطينية لطردهم من غزة؟

-----------------انتهت النشرة-----------------

disqus comments here