الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الجمعة 6/2/2026 العدد 1531
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد السياسة والاستراتيجية “IPS” 6/2/2026
هل تسير الولايات المتحدة وإيران على طريق التوصل إلى اتفاق؟ التداعيات على إسرائيل
بقلم: فريق المعهد برئاسة اللواء عاموس جلعاد
اتفقت الولايات المتحدة وإيران على بدء مفاوضات مباشرة في عُمان يوم الجمعة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق جديد كبديل للحرب. يواجه النظام الإيراني معضلة الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي قد يُزعزع استقراره إلى حد تدميره. أو محاولة تأجيل النهاية عبر مفاوضات تُفضي إلى اتفاق جديد مع الولايات المتحدة. في هذا السياق، يُعاني النظام الإيراني من ضعف استراتيجي غير مسبوق منذ الثورة قبل 47 عامًا. ويعود ذلك إلى المصاعب الاجتماعية والاقتصادية الشديدة التي تُعاني منها البلاد، والأضرار الجسيمة التي لحقت بإيران ووكلائها في جميع أنحاء الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين.
ثلاث قضايا محورية على المحك، ستُحدد ما إذا كانت الأزمة الحادة ستنتهي باتفاق أم بمواجهة عسكرية:
هل ستكون إيران مُستعدة لتفكيك قدراتها العسكرية النووية؟
استعداد إيران لتقليص قوة منظومتها الصاروخية الباليستية
إنهاء دعم وكلاء إيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط
في تقديرنا، ستقاوم إيران تقديم أي تنازلات بشأن خططها في مجال الصواريخ وتصدير الثورة. مع ذلك، واستنادًا إلى التجارب السابقة، وبهدف البقاء وانتظار انتهاء ولاية الرئيس ترامب بعد نحو ثلاث سنوات، فإن إيران قادرة، في أوقات الشدة، على اتخاذ قرارات بالغة الصعوبة. وقد تجلى ذلك في قرار الزعيم الإيراني عام 1988 بإنهاء الحرب التي دامت ثماني سنوات مع العراق (كما وصفها الخميني بـ”شرب كأس مسموم”)؛ وتجميد المشروع النووي العسكري العام 2003؛ والاتفاق النووي العام 2015، الذي وصفه خامنئي بأنه “مرونة بطولية”. هذا يعني أن إيران قادرة على إظهار مرونة في كل ما يتعلق بالمشروع النووي العسكري، مما يمهد الطريق لاتفاق جديد.
معضلة الرئيس ترامب
بحسب تقديرنا، قد يوافق الرئيس ترامب على اتفاق من شأنه، من وجهة نظره، تجريد إيران من قدراتها العسكرية النووية. ويشترط في ذلك أن يكون اتفاقًا شاملًا ودقيقًا، يتضمن، من بين أمور أخرى، سحب 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وتخصيب الكمية المتبقية إلى مستوى 3.67 في المئة للأغراض المدنية، وتفكيك البنية التحتية، وفرض رقابة مشددة.
وتعمل دول رئيسية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها تركيا وقطر والسعودية ومصر، سرًا على صياغة اتفاق كبديل للصراع العسكري. ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة، إذ قد يمنح ترامب شرعية لاتخاذ قرار بشأن اتفاق جديد، نظرًا لترددها في الدخول في صراع قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع النطاق. علاوة على ذلك، يبدو أن استعداد ترامب لدراسة اتفاق جديد يتأثر أيضًا بإدراكه أن إيران ليست فنزويلا، وأن هذه ليست خطوة جراحية، بل هي بالأحرى جرٌ محتمل للولايات المتحدة إلى صراع عسكري مباشر، قد يؤدي إلى هجمات إيرانية على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك البنية التحتية النفطية في دول الخليج. إلى جانب ذلك، تحافظ الولايات المتحدة على غموض متعمد فيما يتعلق بالموعد النهائي الذي حددته للمحادثات، وفيما يتعلق بالخطوات التي ستتخذها في حال فشل المفاوضات، وذلك لزيادة الضغط على القيادة الإيرانية.
الآثار والتوصيات لإسرائيل
قد يكون لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، يتمثل في تفكيك قدرة إيران على تطوير سلاح نووي عسكري، أهمية بالغة لإسرائيل، إذ سيقلل من تهديد استراتيجي كبير. من جهة أخرى، ينطوي هذا الاتفاق أيضًا على تحديات كبيرة، أبرزها استمرار النظام في جهوده لاستعادة قدراته التقليدية والهجومية والدفاعية. وهذا ركن أساسي في أيديولوجية التطرف الرامية إلى تدمير دولة إسرائيل.
علاوة على ذلك، قد يوفر اتفاق جديد للنظام ضمانة ضد أي هجمات إسرائيلية مستقبلية. من المرجح أيضًا أن تتخذ التغييرات في النظام شكل تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية، وهو أمر بالغ الأهمية نظرًا للصعوبات الاقتصادية الحادة التي تعاني منها إيران، والتي كانت الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات التي اندلعت الشهر الماضي.
ونتيجة لذلك، تحتاج إسرائيل إلى وضع خطة مرجعية محدّثة للتعامل مع التهديد الإيراني متعدد الأبعاد، بما يتماشى مع تطورات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. ومن الأهمية بمكان تعميق العلاقات الاستراتيجية مع حلفائنا في المنطقة، كثقل موازٍ لمحور الشر الإيراني. على أي حال، ينبغي لإسرائيل أن تولي اهتمامًا خاصًا لتعزيز الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق تطبيع تاريخي مع المملكة العربية السعودية، كجسر لتطوير العلاقات مع دول العالم العربي والإسلامي، برعاية الولايات المتحدة. ويتجلى ذلك بشكل خاص في ضوء ظهور محور تنسيق بين السعودية وتركيا ومصر، والذي يتضمن، من بين أمور أخرى، بيانات مشتركة ذات مضمون مقلق معادٍ لإسرائيل.
------------------------------------------
هآرتس 6/2/2026
على ترامب ان يختار بين هجوم في ايران واتفاق يمكنه أن يقوي النظام
بقلم: عاموس هرئيلِ
لقد وصلت الازمة الحادة بين الولايات المتحدة وايران الى شفا الانهيار في الفترة الأخيرة. ففي مساء يوم الأربعاء اعلن الامريكيون عن الغاء اللقاء المخطط له بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وبين ممثلين عن ايران في سلطنة عمان، وبعد ساعتين فقط تراجعوا عن ذلك. وحتى مساء أمس كان اللقاء ما زال قائما، لكن فرصة التوصل الى اتفاق شامل بين الطرفين تبدو ضئيلة. وهذا يعود الى الاختلاف في المواقف بينهما وتصميم النظام في طهران الذي يبدو انه لا يعطي أي أهمية كافية للحشد العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة.
لقد اختارت الولايات المتحدة في الوقت الحالي تجاهل استفزازات ايران الأخيرة في الخليج الفارسي وبحر العرب، التي شملت مؤخرا اطلاق المسيرات على السفن التي توجد في المنطقة، ومحاولة فرض فحص على ناقلة نفط في مضيق هرمز. أيضا ترامب استجاب لطلب ايران، نقل اللقاء بين الممثلين من تركيا الى سلطنة عمان وتقليص عدد الدول المشاركة في المحادثات. يبدو ان الرئيس ما زال يريد إعطاء وقت للمحادثات مع إبقاء “الاسطول الجميل”، كما يصفه، على مسافة قصيرة نسبيا من شواطيء ايران.
الخطوات الأخيرة لترامب يمكن ان تعكس، كما قلنا في السابق، محاولة تضليل قبل الهجوم الأمريكي، لكن من المرجح ان الرئيس الأمريكي يستنفد الخيارات الأخرى قبل اللجوء الى الهجوم العسكري. ويبدو ان حماسه للخيار العسكري غير كبير، ويتبين ذلك من تصريحاته وتأجيله في اللحظة الأخيرة للهجوم الذي كان من المقرر شنه في 14 كانون الثاني الماضي، والتباطؤ منذ ذلك الحين. مع ذلك، قد يدفع التباين في مواقف الطرفين ترامب في نهاية المطاف الى اتخاذ قرار الهجوم.
الطلبات العلنية في واشنطن من طهران تركز على وقف البرنامج النووي، وتشمل اخراج اليورانيوم المخصب من ايران، وحظر كامل لأي تخصيب في المستقبل في أراضيها (صفر تخصيب). مع ذلك، أرسلت الولايات المتحدة رسائل متضاربة في الفترة الأخيرة حول استعدادها لفرض اتفاقات على الإيرانيين في قضايا أخرى تعتبرها إسرائيل قضايا حاسمة. الأولى، تقييد برنامج انتاج الصواريخ البالستية بعيدة المدى على نطاق واسع. الثانية، تقليص أو وقف الدعم الذي تقدمه ايران للتنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة في ارجاء الشرق الأوسط.
الامريكيون يسعون بوضوح الى التوصل الى اتفاق شامل يهدف بالدرجة الأولى الى علاج الملف النووي. اما ايران فيبدو انها تحاول كسب الوقت، وتامل في تخفيف العقوبات التي أدت الى انهيار اقتصادها بشكل كبير، ودفعت الجمهور الى الخروج الى الشوارع في نهاية كانون الأول للاحتجاجات، التي بدأت بالاشتكاء من ارتفاع تكاليف المعيشة وانتهت بمذبحة شنتها السلطات (مع معرفة ان أجهزة المخابرات الغربية لا تتفق مع التقدير الذي نشرته مصادر في إسرائيل والذي يفيد بان النظام في ايران قتل تقريبا 30 ألف متظاهر. وحسب تقدير الأجهزة فان العدد يتراوح بين 10 – 15 ألف).
هنا تكمن المفارقة، أو على الأقل الفجوة بين موقف أمريكا المتبلور وموقف إسرائيل، وبالتاكيد بين أمل الاحتجاجات في ايران. الاهتمام المتجدد لترامب فيما يحدث في ايران ثار فقط في اعقاب اندلاع الاحتجاجات. فبعد الحرب بين إسرائيل وايران في شهر حزيران الماضي (التي تضمنت مشهد ختامي امريكي، قصف منشأة فوردو تحت الأرض)، فقد ترامب الاهتمام فيما يحدث هناك، واكتفى بإعلان مضلل عن النجاح في تدمير البرنامج النووي. ولم يتطرق الى الموضوع مجددا ألا نادرا. والان يتركز النقاش على مطالبته باتفاق جديد يتضمن تنازلات إيرانية، لا سيما في المجال النووي. ولا يقتصر الامر على ان هذا الحل لا يخدم قضية المحتجين الذين يطالبون بتغيير النظام، بل هو في الواقع يقوي النظام في ايران لانه سيتضمن رفع العقوبات بطريقة ستضخ مليارات الدولارات للخزينة الإيرانية.
ترامب، الذي وعد المتظاهرين قبل اكثر من أسبوعين بأن “المساعدة قادمة”، يشاهد في الوقت الحالي انحسار تام للاحتجاجات تحت وطأة النظام في طهران. بالنسبة لمعارضي النظام فسيذكرون ترامب بأنه تخلى عنهم، وهذه خيانة اخطر من التهمة التي توجه للرئيس السابق براك أوباما، وهي انه تخلى عن المشاركين في “الثورة الخضراء” الفاشلة في ايران في العام 2009.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لا يخفي الرغبة في اسقاط النظام في ايران. هذا ما يدعو اليه منذ عقود، وربما هذا أيضا جزء من الرواية التي يمكن أن يذهب معها الى الانتخابات القادمة: لقد تفاجأنا في 7 أكتوبر (لان احد ما نسي ان يوقظه)، لكن منذ ذلك الحين نحن غيرنا وجه الشرق الأوسط، بما في ذلك اسهامنا في انهيار العدو الأخطر لنا. لكن في هذه الاثناء يبدو أن ترامب لا يسعى الى ذلك، بل هو يسعى الى اتفاق نووي. إضافة الى ذلك خوف نتنياهو يتمثل في انه اذا تم التوقيع على اتفاق مقيد فانه في نهاية المطاف الرئيس سيفقد الاهتمام بتنفيذه، وأن التزام الإدارات الامريكية القادمة سيكون اقل من ذلك.
إسرائيل الرسمية تتحدث على غير العادة علنا عن الازمة في ايران. مع ذلك فانه من الواضح ان التطور الذي تامل به الحكومة – الى درجة كبيرة كبار المسؤولين الأمنيين – ليس اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وايران، بل ضربة عسكرية أمريكية، رغم عجز إسرائيل نفسها عن شرح كيف سيؤدي هذا في نهاية المطاف الى عودة الجمهور الى الشوارع وسقوط النظام. ويتم استغلال الوقت المنقضي في هذه الاثناء لتعزيز استعدادات إسرائيل لحرب محتملة بعد ان تفاجأت من تصاعد الاحتجاجات في ايران في كانون الثاني تماما.
في صياغة أي اتفاق يعتمد الكثير على خبرة واضعيه، وهذا يعتبر نقطة ضعف جوهرية في الإدارة المالية. فترامب يتمتع بنفوذ اكبر بكثير من سلفه في البيت الأبيض، جو بايدن. فعندما يهدد الدول تأخذ في الحسبان بانه يفكر في تنفيذ تهديده. ولكن الإدارة تواجه صعوبة في تزويد صفوفها بالخبراء والدبلوماسيين والجنرالات أصحاب الخبرة، بسبب سلوك الرئيس. ويتضح هذا أيضا في طريقة تعامل الأمريكيين مع الاتفاق في قطاع غزة. خطة ترامب التي تتكون من عشرين نقطة مليئة بالثغرات، وهناك قاسم مشترك آخر بين الساحتين – فيهما حكومة إسرائيل تتمنى بالفعل فشل الجهود الدبلوماسية الامريكية على أمل استئناف القتال.
مراقبة دقيقة
خلال زيارة في هذا الأسبوع الى مقر التنسيق الذي أقامه الامريكيون لقطاع غزة في المنطقة الصناعية في كريات غات، تمت مشاهدة في كل غرفة لقاءات ملصقات عليها خطة ترامب في القطاع. ورغم الاستضافة الإسرائيلية واستجابة 28 دولة من ارجاء العالم لدعوة ترامب، الا أن المقر يظهر ويدار كأنه منطقة أمريكية بامتياز بكل خصائصها. فهو يمتلك كل ما يمتاز فيه الامريكيون، وفرة الأموال والقوة العاملة والتكنولوجيا والبيانات.
الجيش الأمريكي انحاز تماما للرؤية التي يرسمها ترامب ومستشاريه ستيف ويتكوف وجارد كوشنر للقطاع. هي رؤية تتطلع الى قطاع غزة جديد معاد تاهيله، تقام فيه بلدات جديدة بهدف إيواء اكثر من 2 مليون فلسطيني في المستقبل، في عملية قد تستمر لعقود. وتجري الان مناقشة كل جانب من جوانب الخطة بأقصى درجات الجدية، وتتم صياغتها في سلسلة طويلة من النقاشات والاستعدادات، رغم ان لا أحد لديه حتى الان أي فكرة عن كيفية التغلب على العقبات الحالية.
في الخطة الامريكية ينقص مكون مهم وهو كيف يفصلون بين حماس والسكان الفلسطينيين؟. في هذه الاثناء معظم السكان يتركزون في النصف الغربي الخاضع لسيطرة حماس. وفي نفس الوقت توجه الاستعدادات لنشاطات إعادة الاعمار والانتشار المستقبلي لقوة دولية من اجل تحقيق الاستقرار، نحو المناطق التي ما زالت تحت سيطرة إسرائيل.
------------------------------------------
هآرتس 6/2/2026
عندما تحاول إسرائيل ان تحكم الفلسطينيين، تقرب جولة العنف القادمة
بقلم: شاؤول ارئيلي
منذ تشرين الأول 2023، تجري امام انظارنا عملية خطيرة وعميقة تغيب عن انظار الكثيرين: الشعب الفلسطيني يفقد تمثيله السياسي بالفعل. ليس بقرار رسمي حاسم، أو اعلان من الأمم المتحدة، بل نتيجة تضافر حرب مدمرة وانهيار مؤسسي فلسطيني وتفضيل واع من جهات خارجية لادارة الواقع بدلا من البت في تقرير مصير الشعب الفلسطيني. القضية الفلسطينية – التي دارت لعقود حول الحقوق الوطنية والسيادة وصنع القرار السياسي – تتم إعادة صياغتها بشكل متزايد كمشكلة تقنية: من سيوزع المساعدات؟ من سيفرض النظام؟ من سيدير شؤون السكان المدنيين؟ من سيفعل ذلك بدون ان يطلب من السكان الفلسطينيين انفسهم الاختيار أو الموافقة أو تحمل المسؤولية؟.
هذا الحرمان من التمثيل ليس نتيجة الفوضى، بل هو نتيجة توجه متعمد. لقد وجد نتيجة فشل القيادات الفلسطينية، أيضا نتيجة موقف استراتيجي لإسرائيل والميل الدولي لتفضيل الاستقرار الوهمي على حل سياسي حقيقي. النتيجة هي حدوث تحول مخفي، لكنه جوهري، من النظر للفلسطينيين كشعب له حقوق قومية معترف بها في كل ارجاء العالم الى النظر اليهم كمجموعة سكانية لا يوجد لها قيادة واضحة، والتي يجب ادارتها.
حتى تشرين الأول 2023 كانت الساحة الفلسطينية تعاني من ازمة تمثيل شديدة، لكن لم يكن هناك فراغ، فقد استمر الاعتراف الدولي بـ م.ت.ف كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، ومارست السلطة الفلسطينة حكم مدني وامني محدود في الضفة الغربية، بينما سيطرت حماس على قطاع غزة وقدمت نفسها كبديل وطني وايديولوجي، حتى لو كان متطرف وعنيف. النظام السياسي كان منقسم وجامد ويفتقر الى الشرعية بسبب غياب الانتخابات، ولكنه مع ذلك وفر اطار تمثيلي واضح، مع وجود جهات يمكن من خلالها المطالبة بالمساءلة.
الحرب في قطاع غزة دمرت هذا الاطار. فحماس، التي اختارت مسار متطرف انطلاقا من الافتراض ان هجوم استثنائي سيعيد القضية الفلسطينية الى صدارة المشهد السياسي ويفرض تغيير سياسي في صالحها، فقدت القدرة على ان تكون العنوان التمثيلي للحكم. فمؤسساتها انهارت وأجهزتها تدمرت وتم القضاء على قيادتها العليا أو أجبرت على العمل بالسر. ورغم احتفاظها في الوقت الحالي بقدرة عسكرية ما والسعي الى إعادة بناء مؤسساتها بمساعدة تركيا وقطر، الا أنها لم تعد تمثل أي سلطة مدنية أو سياسية، ولا يمكن محاسبتها امام الشعب الذي تدعي تمثيله.
من جهة أخرى، انكشفت السلطة الفلسطينية بكل ضعفها. فهي لم تؤثر في مسار الحرب، ولم تقدم أي افق سياسي. وقد اشارت الاستطلاعات التي أجريت في كانون الأول 2023 الى انهيار حاد في ثقة الشعب الفلسطيني بمحمود عباس والسلطة الفلسطينية، إضافة الى مطالبة واسعة النطاق باجراء الانتخابات الشاملة وتغيير القيادة. في الواقع تستمر السلطة الفلسطينية بالوجود بفضل التنسيق الأمني مع إسرائيل واموال الضرائب من إسرائيل والتبرعات والضغط الدولي – وليس بفضل تفويض من الشعب.
هنا يدخل الى الصورة لاعبين من الخارج وتبدأ المشكلة الحقيقية. فلم تعد الولايات المتحدة والدول العربية والمجتمع الدولي يسألون من الذي يمثل الفلسطينيين، بل كيف يحكمونهم. لقد تحول النقاش من الحقوق الى التنظيم، ومن السيادة الى إعادة الاعمار، ومن الحل السياسي الى آلية مؤقتة. تتم مناقشة مستقبل قطاع غزة من منظار “الإدارة المدنية” وقوة الاستقرار، وليس من منظار الانتخاب والتمثيل والمسؤولية.
تجمعت سلسلة من الخطوات التي اتخذتها إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية منذ تشرين الأول 2023 وشكلت عملية جردت الفلسطينيين بالفعل من القدرة على تمثيل انفسهم بشكل مستقل: القضاء على سلطة حكم حماس واضعاف السلطة الفلسطينية وم.ت.ف ومحاولات دولية لتشكيل قيادة فلسطينية “ملائمة اكثر”. ان الخطط المتعلقة بمستقبل قطاع غزة – حكومة تكنوقراط وقوة دولية – لا تقدم أي حل سياسي حقيقي، بل بديل افتراضي. والقاسم المشترك بينها كلها هو غياب آلية تمثيل فلسطينية منتخبة أو متفق عليها. الفلسطينيون ليسوا شركاء. وليس لديهم أي خيار أو تفويض أو التزام من قبلهم بالحلول المقترحة.
إسرائيل ليست متفرجة. فالحكومة اليمينية الحالية ترفض بشكل علني عودة السلطة الفلسطينية الى قطاع غزة، وتعارض أي افق لسيادة فلسطينية. وفي ظل غياب قيادة فلسطينية شرعية فان ادعاء “عدم وجود شريك” يتحول من وصف (مشوه) للواقع الى سياسة ترسخ هذا الواقع. ان الفراغ التمثيلي لا يعتبر خلل عابر، بل هو مكسب سياسي في نظر الحكومة.
التاريخ في هذه الحالة ليس مجرد تشبيه ادبي، بل هو بمثابة جرس انذار. فكما حدث في احداث 7 أكتوبر، أيضا نكبة 1948 (التي بدأت برفض الفلسطينيين لقرار التقسيم وشن الحرب لالغائه) أدت الى فقدان الشعب الفلسطيني لتمثيله السياسي. لقد تفكك المجتمع الفلسطيني وتم القضاء على قيادته أو نفيها وانتقلت مسؤولية “القضية الفلسطينية” من الفلسطينيين الى الدول العربية، سواء بتوقيع اتفاق الهدنة في 1949 أو في نقاشات مؤتمر لوزان للمصالحة في نفس السنة حول قضية اللاجئين الفلسطينيين. وقد ترتب على ذلك فقدان الصوت السياسي وفقدان المسؤولية أيضا.
في ظل غياب جسم فلسطيني معترف به وملتزم، لم تكن هناك جهة مخولة لاتخاذ قرارات والطلب منها العمل حسب معايير المجتمع الدولي. وبدلا من ذلك أصبحت القضية الفلسطينية أداة في يد الأنظمة العربية التي تصرفت بحسب مصالحها الخاصة وليس وفق مصالح الفلسطينيين. كان الفلسطينيون حاضرين بالفعل، لكنهم غائبون ككيان سياسي مستقل، الامر الذي انعكس في قرار الأمم المتحدة 194 من العام 1948 وقرار 242 من العام 1967.
كان غياب الفلسطينيين ككيان مستقل، إضافة الى رفضهم الاعتراف بإسرائيل، نتيجة لموجة عنف. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مع محاولة اللاجئين للعودة، ظهر الفدائيون أيضا: عمليات تسلل وهجمات ضد إسرائيل. في ذلك الحين لم تكن هناك قيادة فلسطينية مسؤولة يمكن مطالبتها بضبط النفس، أو قيادة ترغب أو تقدر على الالتزام بترتيبات سياسية. وقد عانت الدول العربية من اعمال الجيش الإسرائيلي الانتقامية ردا على ذلك.
لم يحدث أي تغيير في تمثيلهم الا عندما اعترف المجتمع الدولي بـ م.ت.ف في تشرين الثاني 1974، كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني (قرار مجلس الامن رقم 3236). الاعتراف لم يحل الصراع، لكنه رسخ اطار للمسؤولية. فمنذ اللحظة التي أصبحت فيها م.ت.ف كيان سياسي، اصبح لزاما عليها تحمل تبعات قراراتها والتعامل مع متطلبات النظام الدولي. وقد بلغت هذه العملية الذروة في 1988 عندما وافقت م.ت.ف رسميا على قرار مجلس الامن 242 و338، واعتمدت مبدأ التسوية السياسية في اعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر. وبعد ذلك في اتفاقات أوسلو في 1993، واعترفت بدولة إسرائيل في حدود 1967. هذا لم يحدث لان الفلسطينيين تنازلوا عن كل تطلعاتهم، بل لان لهم قيادة معترف بها ويطلب منها تحمل مسؤولية دولية، التي بالضرورة أدت الى حل وسط. النتيجة التاريخية واضحة: شعب بدون قيادة معترف بها لا يمكن ان يكون شريك في أي اتفاق، أيضا هو غير ملزم بالقواعد. في مثل هذه الحالة لا يعتبر العنف خلل، بل نتاج بنيوي.
من هنا فان مصادرة تمثيل الفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023 ليست فقط مشكلة أخلاقية أو فشل سياسي، بل هي خطر استراتيجي. فعلى الصعيد السياسي ينتج عن ذلك فراغ خطير واحتمال لزيادة الفوضى والتطرف. وعلى الصعيد القانوني ينتج عن ذلك ترسيخ وضع إسرائيل كقوة احتلال ووضع الفلسطينيين كضحايا بحاجة الى الحماية الدولية. ان محاولة حكم الفلسطينيين بدون الاعتراف بتمثيلهم لا تؤدي الى الاعتدال، بل تعيد خلق الظروف التي أدت الى العنف في السابق.
الفراغ يدفع المجتمع الفلسطيني نحو التطرف، تشتت السلطة، صعود المليشيات المحلية واضعاف أي اطار وطني موحد. وتظهر بوادر ذلك بالفعل في الضفة الغربية، مع تفكك صلاحيات السلطة الفلسطينية في مخيمات اللاجئين والمدن الشمالية. قانونيا يرسخ نزع التمثيل مكانة إسرائيل كقوة احتلال مسؤولة. وبقدر غياب سلطة فلسطينية فاعلة وعدم وجود حكومة محلية معترف بها في قطاع غزة، يزداد الادعاء بان مسؤولية السكان تقع على عاتق إسرائيل، حسب القانون الدولي. ومحاولة إسرائيل إدارة قطاع غزة “من بعيد” أو بواسطة جهات خارجية، لا تعفيها من هذه المسؤولية.
أيضا في الساحة الدولية يزداد القلق حول مكانة م.ت.ف كممثل للشعب الفلسطيني. فقد اكدت قمة الرياض العربية في تشرين الثاني 2023 على ان م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ودعت الى وحدة حدود بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكن في الواقع يتم اتخاذ القرارات بدون استشارة الفلسطينيين، وينظر اليهم كمشكلة إنسانية وليس كشعب له حقوق سياسية. ويزيد هذا الوضع من شعور الفلسطينيين في الشتات بالاغتراب عن الحلول المطروحة. فملايين اللاجئين الذين كانوا ينظرون لـ م.ت.ف كرمز، يجدون انفسهم الان مستبعدين من النقاش حول مستقبلهم. الاحتجاجات الجماهيرية في ارجاء العالم منذ تشرين الأول 2023 تعكس ليس فقط التماهي مع قطاع غزة، بل تعبر أيضا عن المطالبة بالتمثيل الذي تم سحبه منهم.
يجب على إسرائيل، الولايات المتحدة، الدول العربية والدول الأوروبية، الادراك بان استمرار السيطرة على شعب ليس له تمثيل، لا يعفي من المسؤولية، بل يعمل على تعميقها. فهو لا يحقق الامن، بل يؤجل القرار ويمهد الطريق لجولة عنف أخرى. ان حرمان الفلسطينيين من التمثيل لا يحيد التطرف، بل التنازل المسبق عن احتمالية مطالبتهم بتحمل المسؤولية. ان تجاهل دروس التاريخ اليوم ليس نتيجة سذاجة أو ضرورة، بل هو خيار متعمد. وهذا الخيار يؤدي الى الخلف وليس الى الامام، ليس الى حل، بل الى تكرار فشل مؤكد. فبدون تمثيل لا توجد مسؤولية، وبدون مسؤولية لا يوجد التزام.
هذا الوضع يستدعي حلول إبداعية. ان تجديد شرعية التمثيل للفلسطينيين يحتاج الى اجراء اصلاح شامل في م.ت.ف واجراء انتخابات عامة بمشاركة كل الفصائل واللاجئين في الشتات، وإعطاء اهتمام خاص للجيل الشاب المثقف والذي يسعى الى التغيير. ان الفشل في تحقيق الوحدة الفلسطينية قد يؤدي الى استمرار “إدارة الصراع” من قبل جهات خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، وتاجيل حله الى اجل غير مسمى.
من الواضح ان الشعب الفلسطيني لم يتنازل عن تطلعاته المشروعة والعميقة للتمثيل والتحرر، ولكن الأدوات لتحقيق ذلك تم سلبها منه، الامر الذي حول مبدأ م.ت.ف الفلسطينية الأساسي – استقلالية القرار – الى حبر على ورق. فهل سينجح الفلسطينيون في تشكيل قيادة موحدة جديدة تستعيد الشرعية الدولية بعد الدمار في قطاع غزة والازمة في الضفة الغربية؟. هذا سيتضح في السنوات القادمة.
------------------------------------------
يديعوت أحرونوت 6/2/2026
تفاقم ظاهرة ارهاب المستوطنين وتسريع ضم الضفة الغربية
بقلم: نداف ايال
عشتُ اللحظات الأخيرة من الانسحاب عام 2005 في كنيس السفارديم في نيفي ديكاليم، أحد آخر معاقل المستوطنين في غوش قطيف. يتذكر الناس عادةً من ذلك اليوم صلاة الفتيات في الكنيس المجاور (لحن “تفيلا لياني كي ياتوف”). لكن ما رأيته أمام عيني لم يكن مجرد احتجاج أو مقاومة جسدية، بل كان أيضًا انقسامًا داخليًا في حركة الاستيطان. كانت هناك لحظة لا تُنسى: عندما خاطب زفيكي بار حاي، أحد قادة مجلس “يشع”، الشباب المتحصنين وأعلن أنهم “سيظلون متمسكين بالكنيس”، لكن لا ينبغي رفع أي يد، ولا “رفع” أي قدم بأوامر من الحاخامات. انطلقت صافرات الاستيطان، وبدأ يصرخ في مكبر الصوت على الطلاب بأنه سيُخرج الجميع من المكان بنفسه، لأن “هذا ليس ملعب كرة قدم”.
راقبتُ قادة المستوطنات المخضرمين، من حنان بورات إلى زامبيش، ورأيتُهم يحاولون إدارة الحدث بمسؤولية. لكن الشباب حاولوا جاهدين إيقافه. كان الانسحاب، والتهجير القسري، لحظةً فارقةً في تحوّل الأجيال: جيلٌ بأكمله أقسم ألا يتكرر هذا الأمر. لن يمرّ مرور الكرام. لقد ولّى زمن القوميين.
تذكّرتُ هذه اللحظة وأنا أطّلع على بيانات باحثين، البروفيسور سيفان هيرش هيبلر والبروفيسور جلعاد هيرشبيرغر من جامعة رايخمان. أجرى الباحثان مسحًا معمقًا وشاملًا بين المستوطنين في الضفة الغربية كجزء من عمل مجموعة “تمرور”، وهي مجموعة بحثية أكاديمية تُعنى بالصراع الإسرائيلي العربي، وتدرس، من بين أمور أخرى، مواقف المستوطنين في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة. يُعد هذا المسح دقيقًا للغاية، إذ شمل أكثر من ألف مستجيب، وهي عينة تمثيلية ضخمة قياسًا بحجم السكان، حيث أُجريت مقابلات شخصية مع 700 منهم. لا يُمثل هذا المسح مواقف “المستوطنين خارج الخط الأخضر”، بل يُركز على فئة محددة منهم. لم تُجرَ عملية أخذ العينات في المجتمعات الحريدية خارج الخط الأخضر، أو في مستوطنات غور الأردن، أو في معاليه أدوميم، أو في المناطق الاستيطانية التي يُتوقع ضمها إلى إسرائيل في أي ترتيب دائم (مثل: ألفيه منشه). بمعنى آخر، لم يُجرَ المسح بين جميع المستوطنين، بل بين المستوطنين في مجتمعات أصغر حجمًا وأكثر توجهًا أيديولوجيًا (وبالتالي أكثر ميلًا إلى اليمين، في الأساس). قام الباحثان بتقسيم هذه المجتمعات إلى مجموعتين: الأولى تُعرّف سكانها – وفقًا للمستجيبين أنفسهم – بـ”جودة الحياة”، والثانية تُعرّفهم بـ”الأيديولوجية”. ولكن كما ذُكر، فإن هذا التقسيم يقع ضمن فئة سكانية تميل في الأصل إلى اليمين والأيديولوجيا. وتُعدّ مدينة أريئيل، التي شملتها الدراسة، استثناءً هامًا.
منذ 7 أكتوبر، ازداد تطرف الرأي العام اليهودي تجاه الصراع. وقد ازداد تطرف المستوطنين – الذين لا يستخدم الباحثان مصطلح “المستوطنين” تحديدًا – بشكل ملحوظ. قبل هجوم حماس، كان نصف المستوطنين ذوي التوجهات الأيديولوجية يعارضون الإخلاء، حتى لو تم اتخاذ القرار في استفتاء شعبي (!) وبدعم من قرار حكومي. أما اليوم، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 65 في المئة. ويعتقد ربع المستوطنين من هذه المجموعة (بحسب الباحثين) أن “الحاخامات” وحدهم من يملكون صلاحية تحديد حدود الدولة. ويقول 90 في المئة من المستوطنين الذين شملهم الاستطلاع إنهم لن يشاركوا في أي أعمال عنف ضد أي عملية إخلاء محتملة. لكن ربع المستطلَعين يقولون إنهم سيؤيدون من يعارضون بعنف إخلاء المستوطنات اليهودية؛ وهذا يُمثل ضعف عدد المتظاهرين العنيفين منذ 7 أكتوبر. يقول البروفيسور هيرش هيبلر: “مع أن معظم المستوطنين يعارضون العنف في حال الإخلاء، إلا أن هناك زيادة ملحوظة في تأييد العنف مع مرور الوقت”.
ويقول الباحثان: “بينما يميل الخطاب العام إلى تصوير العنف اليهودي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية على أنه “أفعال غير مشروعة”، تُظهر البيانات أن نصف المستوطنين الذين شملتهم العينة يُضفون الشرعية على الأعمال غير القانونية والعنيفة”.
هل تُفضّل حكومةً منتخبةً ديمقراطياً حتى لو كانت سياساتها غير مقبولة لديك؟ يُوافق على ذلك ما يزيد قليلاً عن نصف المستوطنين في هذه المجتمعات – وهم، كما ذكرنا، المجتمعات الأصغر حجماً والأكثر تمسكاً بأيديولوجياتها – مقارنةً بثلاثة أرباع الشعب اليهودي الإسرائيلي ككل. هذه فجوة كبيرة، تتجلى بوضوح مجدداً حول قضية الحرم القدسي. ففي المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك المجتمع اليهودي، تُعتبر المطالب بتغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي حكراً على أقلية. إذ يعتقد 25 في المئة منهم بضرورة بناء كنيس يهودي على الحرم القدسي، وهو أحد المطالب الأساسية لمختلف حركات المطالبة بالهيكل.
ويعارض ستة من كل عشرة يهود إسرائيليين مشروع الكنيس، وهي فكرة تُعتبر خروجاً عن السياسة الإسرائيلية منذ عام 1967، وتتعارض مع معظم الأحكام الحاخامية، وبالتأكيد مع أحكام الحاخامية الكبرى، وقد تُشعل فتيل الصراع في الشرق الأوسط. أما خارج الخط الأخضر، فالوضع معكوس تماماً. فبين المستوطنين ذوي التوجهات الأيديولوجية، يُؤيده 54 في المئة.
لقد أصبحت قضية المسجد الأقصى قضيةً بالغة الأهمية خارج الخط الأخضر، في المستوطنات الأكثر عزلة. وأفاد المستطلعون بأن تغيير الوضع الراهن لا بد أن يكون على حساب الإضرار بالسلام مع الأردن (80 في المئة من المستوطنين ذوي التوجهات الأيديولوجية و52 في المئة من المستوطنين الذين يسعون لتحسين مستوى معيشتهم)، أو بالعلاقات مع دول الخليج (79 في المئة من المستوطنين ذوي التوجهات الأيديولوجية و51 في المئة من المستوطنين الذين يسعون لتحسين مستوى معيشتهم). ويرى هيرش هيبلر أن هذا التوجه هو توجه نحو التطرف الحقيقي.
وفي سياق الحديث عن التطرف، ووفقًا للمؤسسة الأمنية، فقد سُجّلت 845 حادثة من جرائم القومية والإرهاب اليهودي في الضفة الغربية عام 2025. وقُتل عمدا او لسبب ما أربعة فلسطينيين (بحسب إحصاءات الجيش الإسرائيلي)، وأُصيب نحو 200 آخرين. وتُعدّ هذه الحوادث يومية ومنظمة، بل ويتم تضخيمها أحيانًا أمام الرأي العام. تبدأ هذه الهجمات بالكتابة على الجدران وتخريب الممتلكات، ثم تتطور إلى حرق متعمد، ومضايقات، وأعمال عنف في منازل الفلسطينيين، وصولاً إلى هجمات إرهابية فعلية ومحاولات تبدو منظمة للغاية لتدمير حياتهم ودفع مجتمعات فلسطينية بأكملها إلى النزوح. وفي كثير من الحالات، يقف الجيش مكتوف الأيدي، بل يُشاهد أحيانًا أفراد يرتدون زي الجيش الإسرائيلي وهم يساعدون المهاجمين أو يرافقونهم. هذا الأسبوع، اضطر رئيس الأركان إيال زمير إلى التصريح صراحةً خلال حفل تنصيب منسق أنشطة الحكومة في المناطق، بأن “على قادة وجنود الجيش الإسرائيلي وباقي الأجهزة الأمنية واجب أخلاقي ومهمة التحرك الفوري وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي عند رصد أعمال غير قانونية من قبل جماعات عنيفة، وحماية السكان المدنيين الأبرياء”. في عام 2025، وقع هجوم متعمد ضد قوات الأمن بمعدل مرة أو مرتين أسبوعيًا.
تتمثل الحجة الأساسية لحركة الاستيطان ضد هذه الموجة المتنامية في أن عددًا محدودًا من الشباب المشاغبين، ربما بضع عشرات، هم من يسيئون إلى سمعة جميع المستوطنين. إلا أن استطلاع رأي أجراه الأستاذان يدحض هذه الادعاءات. يوافق نحو نصف المستوطنين ذوي التوجهات الأيديولوجية، أو يوافقون بشدة، على القول بأن “الصراع العنيف الذي يشنه اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية قد يكون مبرراً في الوقت الراهن”. ويعتقد ما يزيد قليلاً عن ثلثهم فقط بضرورة معاقبة عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. أما البقية فلا يرون ذلك. في الواقع، لا يوافق ما يقرب من نصف المستوطنين الذين يصنفهم الباحثون ضمن فئة ذوي التوجهات الأيديولوجية على معاقبة هذا العنف إطلاقاً.
وهكذا خلص الباحثان إلى ما يلي: “بينما يميل الخطاب العام أحيانًا إلى تصوير ظاهرة العنف الذي يمارسه اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية على أنها ظاهرة “أعشاب ضارة” أو “أقلية داخل أقلية”، فإن هذا لا يعكس عقلية المستوطنين في الضفة الغربية. تُظهر البيانات صورة مختلفة، حيث تُضفي نسبة كبيرة، حوالي نصف المستوطنين في العينة، شرعية على الأعمال غير القانونية والعنيفة، وفي الوقت نفسه هناك نقص في الدعم القوي لآليات العقاب والردع. وهذا يُهيئ الظروف لاستمرار الظاهرة وتفاقمها – بحيث أن ما يبدو أنه قمة جبل الجليد يستند إلى طبقة خفية أعمق وأكثر إثارة للقلق”.
------------------------------------------
هآرتس 6/2/2026
المداولات في قانون عقوبة الإعدام تصل حتى طول الحبل وسمكه
بقلم: نوعا شبيغل
على الرغم من المظهر الرسمي الرصين والجدية الظاهرية التي تكتنف الكنيست، الا ان ما يجري في قاعة لجنة الامن القومي في الكنيست يدفع الشخص الى الاعتقاد بان إسرائيل قد تحولت الى دولة من دول العالم الثالث، التي تقدس الحيونة والموت. بدءا من تثبيت حبل المشنقة على طية صدر الثوب وانتهاء بتطبيع خطاب يسمع وكانه اخذ من جلسة مؤيدي النظام في أصفهان. كل شيء اصبح مقبولا تحت قيادة رئيس اللجنة تسفيكا فوغل (قوة يهودية)، الذي يقود النقاشات حول عقوبة الإعدام للمخربين.
“حتى اليوم يتضمن القانون الإسرائيلي تفاصيل دقيقة عن كيفية تنفيذ عقوبة الإعدام، لان هذه هي الطريقة التي تم اعدام آيخمان بها، والوصف مثير جدا للاهتمام”، هذا ما أوصى به رئيس اللجنة المشاركين في احدى الجلسات التي عقدها في نهاية كانون الأول الماضي. “طول الحبل وسمكه ووزنه وعدد مرات فحصه، كل شيء مكتوب”. فوغل يسعى بجهد الى تمرير مشروع القانون الذي اقترحته زميلته في الحزب ليمور سون هار – ميلخ، وادراج بند فيه من شانه ان يلغي سلطة القضاة التقديرية في اصدار الحكم – رغم انه غير قابل للتراجع.
كان يمكن فهم كيف تحولت القضية من قصة جدية حول مكافحة الإرهاب الى مهزلة شعبوية – عندما نشر عضو الكنيست اسحق كروزر من حزبهم مقطع فيديو قصير قبل عيد الشجرة، ظهر فيه وهو يغرس الشجرة التي “سيشنق عليها ارهابيو النخبة”. وقد جسد المزاج السائد بين أعضاء حزب قوة يهودية حول هذا الموضوع قبل نحو أسبوعين، أب ثاكل منح حق الكلام من فوغل في اللجنة. لقد طالب الاب بتاييد القانون وقال انه لا توجد مشكلة في قتل فلسطيني لم يشارك في القتل. “لا اعتقد انه ينبغي حذف بنود في القانون بسبب ذلك، بل ربما ينبغي التفكير في كيفية إضافة بنود لحماية مثل هذه الحالات”، قال.
لكن رغم انه يعمل ضد عدد غير قليل من الآراء، الا ان الرئيس فوغل لا يتاثر بأي تبرير. لقد صرح في نقاش عقد في نهاية كانون الأول وقال: “هذا القانون يمثل مزيج نادر من العدالة الأخلاقية، الردع الأمني والحاجة الوطنية للدفاع عن انفسنا. هذا مزيج مدهش. أي شخص يقرأ هذا القانون ويتعمق فيه بعد اجراء بعض التعديلات عليه سيعرف مدى صحته. هناك عدالة أخلاقية يهودية هنا، وهناك ردع امني، وهناك حق لكل مقيم في دولة إسرائيل في الدفاع عن النفس. هذا ما يفعله هذا القانون. ليس انتقام أو عقاب، رغم ان هذا مشروع تماما. لا، هذا القانون جاء لاغراض أخرى”.
في الشهر الماضي استعرض فوغل الخيارات المختلفة لتنفيذ الإعدام، قبل ان يشترط في مشروع القانون ان يكون الإعدام شنقا. وأوضح بصبر: “لم اتفاجأ من ان الأولوية هي ما اوصيت به في النقاشات – وهو الأكثر إنسانية اذا صح التعبير – وهو حقن السم. عرفت امس ان هناك طريقة أخرى يتم تجريبها في الولايات المتحدة الان وهي قناع النيتروجين. هذه الخيارات لا تنطوي على فترة طويلة من الاحتضار، وليست اجراء كارثي. ولكني تفاجات عندما عرفت ان الخيار الثالث هو الإعدام بالرصاص، لان الموت فيه فوري. اما الخيار الرابع فهو الشنق. بالمناسبة، لم يتم ذكر الكرسي الكهربائي في أي مكان”.
افتتح فوغل الجلسة بتعليقات من الحضور، حيث اتيحت الفرصة الأولى لاستر افيرام، وهي ممثلة منظمة يمينية وشقيقة عضو الكنيست افيحاي بوارو. بعد ان انهت استعراض مجموعة من المواضيع غير ذات الصلة – بما في ذلك مخاوف الأطفال منذ 7 أكتوبر، وبعض الامور التوراتية، وحول “التقدم” واحمد الطيبي والمحكمة العليا، قالت انه “اذا كانت التوراة تقول العين بالعين والسن بالسن، ومن جاء لقتلك يجب ان تسبقه بالقتل، اذا فان التوراة تعرف ما تقوله”.
الشباك قدم فقط في نهاية كانون الأول رأيه العلني لأول مرة في هذه المسالة، وكان رأيه متحفظا. لقد ايد الجهاز عقوبة الإعدام ولكنه فضل أيضا ترك القرار النهائي للقضاة، وهو الامر الذي لم يرغب فيه حزب قوة يهودية. أما الموساد فقد قدم رأيه في جلسات سرية فقط. وبالتالي، لم يصل رأيه للجمهور الا من خلال تسريبات في احاطات للمراسلين، التي خضعت لتلاعب طفيف من قبل جهات ذات مصالح.
في الفراغ الذي اوجدته الأجهزة الأمنية لدى الرأي العام ازدهرت كل أنواع “الضباط السابقين” ومن بينهم عميت آسا، ضابط سابق في الشباك والذي شارك في عدة نقاشات وسجل عضويته في لجنة تابعة لمنظمة “منتدى المعاقين في جيش الدفاع الإسرائيلي”. في احدى الجلسات دعا الى التوصية بالاعدام شنقا وأوضح قائلا: “عندما نشاهد ما يحدث في الشوارع امامنا، من ثقافة عربية لا تقدس الحياة بل تقدس الموت، نرى ان الشخص المشنوق في الشارع هو رمز ثقافي للعقاب. انا اعتقد انه اذا استخدمنا هذا الرمز في النظام الأمني وفي العقوبات التي نفرضها أو ننفذها فستكون له قيمة ثقافية أيضا في الحرب ضد التنظيمات الإرهابية”.
“هل تقترح، سيدي، ان يتم الشنق في الشارع؟”، سأل عضو الكنيست جلعاد كريب (الديمقراطيون) في محاولة لفهم حتى النهاية اذا كان رجل الشباك السابق هذا يقترح مشاهد ترفيه من نوع جديد لمواطني دولة إسرائيل. آسا أجاب: “لو انني لم اكن اتحدث من وجهة نظري وبقيمي كيهودي، ونظرت من وجهة نظر العدو، لكنت انت على حق – الشنق في الشارع سيكون اكثر نجاعة من الشنق في السجن”.
بغض النظر عن الحقائق
لقد تم عقد جلسات كثيرة في لجنة الامن القومي حول هذا القانون. في معظم الأحيان لم يات أي من أعضاء الكنيست المعارضين من اجل الاعتراض على الاقتراح، باستثناء كريب وعايدة توما سليمان (حداش – تاعل). رئيس حزب يوجد مستقبل اعلن من فترة طويلة عن عدم تعاونه مع تحركات وزير الامن الوطني ايتمار بن غفير، لذلك لا يشارك أعضاء كتلته في لقاءات اللجنة على الاطلاق. مع ذلك، جاء عضو الكنيست عوديد فورا (إسرائيل بيتنا) للنقاشات أيضا، الذي هو من نفس الجانب تقريبا، لانه كان يسعى الى تمرير مشروع قانون عقوبة الإعدام في عدة دورات سابقة للكنيست.
أيضا في الائتلاف لم يظهروا أي اهتمام زائد بالموضوع. باستثناء رئيس اللجنة تسفيكا فوغل (قوة يهودية) ومن اقترحت القانون ليمور سون هار – ميلخ، كان الوزير بن غفير نفسه هو الشخص الوحيد الذي تكبد عناء المجيء للنقاشات، واحيانا بعض أعضاء الكنيست الآخرين. وقد انضم عضو الكنيست نسيم باتوري (الليكود)، الذي قدم أيضا مسودة مشروع القانون في هذه الجلسات بين حين وآخر. وفي جلسة نهاية كانون الأول طرح وجهة نظره وقال: “لا اعتقد انه ينبغي لأي احد ان يعارض هذا القانون بكل الذرائع والحجج أو تفويض شخص آخر في نهاية المطاف ليقرر بناء على تقديره القانوني. نحن لا نثق بأي أحد، نحن نثق بانفسنا فقط في هذه المسالة. واي شخص يتردد أو يعارض هذا القانون مع كل هذه المبررات التي اسمعها هنا فهو يخون شعبه”.
ليس الامر ان النقاشات العميقة لم يتم اجراءها في القاعة، أو على الأقل كانت محاولة لذلك، الى ان حرص أعضاء حزب قوة يهودية على إعادة فتح النقاش والتركيز بشكل رئيسي على الشعبوية. على سبيل المثال، في النقاش الذي اجري في نهاية كانون الثاني الماضي حول اثر الردع، ذكرنا رئيس اللجنة فوغل والمستشار القانوني في اللجنة عيدو بن اسحق من جديد بان آراء أجهزة الامن لم يتم اخذها الا في سياق النقاشات السرية، الامر الذي يجعل التشريع العام امر صعب جدا. “حسب رأيي، هذا النقاش كله قاصر جدا، بل هو في الحقيقة لا أساس له من الصحة، سواء دستوريا أو اجرائيا، طالما ان أجهزة الامن…”، هكذا حاول ممثل الادعاء العام، المحامي يشاي شارون، ان يقول قبل ان تقاطعه سون هار ميلخ.
قبل عرض رأي الشباك ورأي الموساد تم عرض رأي وزارة الخارجية. فمدير عام الوزارة عيدن بارتال قال في الجلسة التي عقدت في نهاية كانون الأول الماضي بأن الاقتراح يتعارض مع التوجه العالمي. وأكد قائلا: “هناك مبرر أساسي للقانون، لكن يجب ادخال تعديلات عليه ليتلاءم مع المعايير والمباديء المقبولة”. أيضا كشفت النقاشات عن معارضة هيئة الامن القومي للقانون بالصيغة الحالية. وقد قال ممثل الجيش الإسرائيلي بان القانون يتعارض مع القانون الدولي، وقد يلحق الضرر بصلاحيات الجيش في سياق البند المتعلق بالعقوبات في الضفة. أيضا المستشار القانوني في اللجنة قال ان النظام الذي يقر عقوبة الإعدام الإلزامية هو غير دستوري، وقد يثير مشكلات على المستوى الدولي بسبب تدخل الكنيست في الصلاحيات التشريعية للقائد العسكري في الضفة الغربية.
لكن كل تحفظات الجهات المهنية المختلفة لم تقنع وبحق الذين يسارعون الى سن القانون. على سبيل المثال، عندما حاول كريب ان يقول في مناظرة في هذا الأسبوع بان القانون سيعرض جنود الجيش الإسرائيلي والحراس في السجون لخطر أوامر الاعتقال الدولية، اجابه باتوري: “يجب علينا التمسك بديننا. فنحن نقاتل على وجودنا”. وعندما حاول الدكتور امير فوكس، من معهد الديمقراطية الإسرائيلي، التحدث عن كون الاحكام الإلزامية بند غير دستوري، استشاط فوغل غضبا وقال: “يا رجل، نحن نعرف المبدأ، أنت لم تات من اجل القاء محاضرة”.
اثناء النقاش نفسه هاجم بن غفير أيضا المديرة العامة لمعهد القضاء على العنف ضد المرأة، عنات عوفاديا، التي قالت: “هم سيخترعون وظيفة جديدة في إسرائيل، وظيفة الجلاد”. ووصفها بن غفير بـ “المخجلة” وتساءل عن مصدر تمويل المعهد. عوفاديا ردت عليه وقالت: “عار عليك. أنت تروج لخطاب الموت”. وتم اختتام الحدث ببيان صحفي من بن غفير مرفق بفيديو عن الحدث.
في بداية كانون الأول أوضح الوزير بجدية ردا على سؤال صحيفة “هآرتس” الطريقة التي يرى انها الأنسب لتطبيق القانون وقال: “أنا اناقش الامر، هذا نقاش واسع وهناك خيارات كثيرة. لذلك نحن نقوم باجراء هذه النقاشات، واستمع الى آراء الكثير من المختصين. نحن بحاجة الى اتخاذ قرارات، واذا كان الحل هو الحقن فقد سمعت عن أطباء لا يرغبون في مساعدتنا، وهناك الكثير من الأطباء الذين يرغبون في ذلك. كرسي الكهرباء هو خيار مهم أيضا. وبالطبع، بالنسبة لي فان المشنقة هي خيار وارد. وهذا الدبوس هو أيضا خيار آخر”.
------------------------------------------
يديعوت احرونوت 6/2/2026
القوى العظمى لا تخادع
بقلم: تساحي هنغبي
من كل نحو وصوب تسمع تعبيرات قلق بسبب نية الولايات المتحدة خوض مفاوضات مع ايران. لا أشارك في التخوف من أن يدعم الرئيس ترامب اتفاقا يعرض دولة إسرائيل للخطر. فالنقد اللاذع الذي اطلع ترامب ضد الاتفاق الذي وقع عليه الرئيسان أوباما وبايدن قبل نحو عقد مع الإيرانيين تعزز فقط منذئذ. وحتى عندما يستخدم بايدن وترامب في حالة معينة التعبير ذاته فانهما يقصدان نتيجة معاكسة تماما.
“القوى العظمى لا تخادع!” – هكذا بالضبط أوضح لإسرائيل مسؤولون كبار في إدارة بايدن، بمن فيهم الرئيس نفسه، عندما طالبناهم ببلورة تهديد عسكري مصداق ضد ايران، في ضوء تقدم برنامجها لانتاج سلاح نووي. لم يكن هذا جوابا متملصا. كان هذا قول صادق وأصيل. فقد عكس الازمة الحقيقية لقيادة أمريكية منحرجة تشعر بواجب احباط مساعي النظام الإيراني للوصول الى قنبلة ذرية، لكن على الأقل بذات القدر تقسم الا تتورط في حرب لا داعٍ لها. هذا الحرج نبع من الاعتراف بانه على مدى الزمن سيكون شبه متعذر منع الإيرانيين من الوصول الى هدفهم اذا لم يطرح امامهم ثمن أليم، مقنع ورادع.
وهكذا، في اربع سنوات ولاية بايدن، عبرت السياسة الامريكية في موضوع ايران عن رسالة غامضة. من جهة تعهد علني من الرئيس بان لإيران “لن يكون ابدا سلاح نووي”، مثلما في وثيقة “اعلان القدس” الذي وقعه الرئيس بايدن ورئيس الوزراء في حينه لبيد في اثناء زيارة بايدن الى إسرائيل في تموز 2022. ومن جهة أخرى اختيار الدبلوماسية مكبوحة الجماح وضابطة النفس التي فسرتها ايران بشكل واحد فقط: طالما كان تقدمها الى سلاح نووي يتم بطريقة مقنونة وحذرت، مثلما كان طريقها منذ البداية، فان الولايات المتحدة لن تتخذ ضدها خطوات مغامرة اكثر مما ينبغي.
لقد كان كبار مسؤولي إدارة بايدن على قدر كاف من النزاهة لان يعرضوا على إسرائيل نهجهم بالضبط كما هو، دون محاولة تجميله. في محادثات ولقاءات اجريتها كمستشار الامن القومي مع نظرائي في البيت الأبيض في عامي 2023 – 2024، حدد الطرف الأمريكي هدفه بشكل مباشر وبوضوح: ” No Deal, No Crisis – لا صفقة، لا أزمة”. بمعنى أنه وان كانت أمريكا لا تعمل على العودة الى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه في عهد الرئيس ترامب، لكنها لن تبادر الى اعمال من شأنها أن تتصاعد الى أزمة جبهوية مع ايران.
لقد كانت المشكلة ان هذه السياسة التي كانت تحرص على الا تتورط في أي ورطة غير مرغوب فيها، حققت عمليا المصلحتين الايرانيتين المركزيتين في مسألة النووي: الرغبة في عدم تمديد الاتفاق النووي الذي تقترب نهايته، ومع انتهاء مدته تتحرر ايران من كل تعهد بشروطه. ثانيا، الرغبة في الامتناع عن أزمة تعرض للخطر استقرار النظام وبقائه.
لقد استغل الإيرانيون انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق لاجل تجديد جمع اليورانيوم المخصب، نصب الاف أجهزة الطرد المركزي الجديدة في منشآت التخصيب والتقدم أيضا في مجال تطوير السلاح واذا كان ممكنا مواصلة ذلك دون أي عراقيل بدون “ازمة”، فان هذا سيكون الوضع الأفضل للايرانيين. في ضوء هذا الواقع، اقترحت إسرائيل على إدارة بايدن التنسيق معا لبضع خطوات كاشارة مدوية لإيران – دون مستوى الازمة – بحيث تعكس استعدادا لاستخدام القوة لضرب منشآت النووي. مثلا، مرابطة طائرات شحن أمريكية بالوقود في قواعد سلاح الجو في إسرائيل. مثل آخر: الكشف عن تجارب تجريها الولايات المتحدة بفحص أهلية القذائف الخارقة للتحصينات المحملة في طائراتها.
إشارات من هذا القبيل واشباهها كانت تستهدف التجسيد بالملموس لحكام ايران بانهم بقدر ما يرفعون مستوى رهانهم فانهم يخاطرون برد حاد اكثر مما يتوقعوه. لكن جواب واشنطن كما أسلفنا: “القوى العظمى لا تخادع”. وبالترجمة للحياة العملية: “نحن حقا غير معنيين بان نعلق في أي مواجهة عسكرية في ايران، واذا حاولنا أن نخلق مع إسرائيل او بدونها استعراضا معاكسا للقوة، ولم تتراجع ايران فاننا سنكون نحن من سيضطر لان يتراجع وستكون هذه إهانة ينبغي لقوة عظمى عالمية ان تمتنع عنها”. الرئيس ترامب هو الاخر يؤمن بان قوة عظمى كالولايات المتحدة لا يمكنها أن “تخادع”. واضح له أيضا بان مصداقية القوة العظمى العالمية هي الذخر الاغلى لديها. لكن بخلاف بايدن لا يخشى ترامب من ان يضع قيد الاختبار مصداقية سياسته. وهو بالذات استخدمها كرافعة وأداة تأثير على خصومه. وهو يختار عن وعي لان يتعهد علنا بمواقف كفاحية، وابداء ثقة ذاتية باردة بل ومبالغ فيها بدلا من تقليص المخاطر خشية الحرج. ان معضلة كيفية التصدي لخطر المواجهة وثمنها ينقلها الى ملعب أعداء أمريكا. بدلا من أن تعذب القوة العظمى الأكبر في العالم نفسها في مسألة ماذا سيحصل اذا ما رفض خصومها الأصغر والاضعف منها اطاعة املاءاته، يفرض ترامب هذه الترددات على الزعماء الذي يقرر مواجهتهم.
منذ ولاية ترامب الأول، فان من تعلموا بالطريقة الصعبة بانه محظور تحدي أمريكا، كانوا قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني وأبو بكر البغدادي، زعيم داعش. بعد أن عاد ترامب الى البيت الأبيض تبين أنه مع مرور السنين تميل ذاكرة طغاة عنيفين للتشوش. قيادة الحرس الثوري وكبار العلماء الإيرانيين دفعوا الثمن بحياتهم على الاستخفاف الذي أبدوه تجاه الإنذارات التي أصدرها لهم ترامب في السنة الماضية. تجاهل مشابه من تحذيرات صريحة نقلت مؤخرا مقر رئيس فنزويلا مادورو من قصره الفاخر في كاراكاس الى زنزانة نيويوركية.
مزيد فمزيد من الزعماء في العالم يفهمون اليوم ما فهمه الرئيس ترامب منذ زمن بعيد: قوة عظمى تخشى وضع نفسها في وضع تكشف فيها خدعتها للعيان، تكشف عمليا بانها لم تعد جديرة بان تدعى قوة عظمى. واذا كان هناك من يرفضون مرة أخرى استيعاب ذلك، لعله قريبا في طهران، اقدر بان تصميم الرئيس ترامب سيوفر دليلا آخر على أن القوى العظمى بالفعل لا تخادع.
------------------------------------------
هآرتس 6/2/2026
نتنياهو بشأن “طلب إقالة بن غفير”: إنجازاته كثيرة.. أهمها “تزايد الجريمة في الوسط العربي”
بقلم: أسرة التحرير
على شرف قضاة محكمة العليا في ضوء قرارهم إصدار أمر احترازي يأمرني، رئيس الوزراء، بتعليل لماذا لا أنحي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، هاكم ردي المفصل:
الوزير بن غفير يؤدي مهام منصبه بنجاح كبير منذ عين في المنصب. إنجازاته تتحدث من تلقاء ذاتها وغير قابلة للخلاف. في فترة ولايته، سجل رقماً إسرائيلياً أعلى في عدد المقتولين في المجتمع العربي. المعطيات واضحة: منذ بداية السنة الحالية فقط، قتل 31 مواطناً عربياً من إجمالي 36 مقتولاً. بمعنى 86 في المئة من إجمالي المقتولين هم عرب. ورغم أننا لسنا إلا في بداية السنة، ليس هذا معطى مصادفاً؛ ففي السنوات السابقة أيضاً ارتفعت تحت الوزير بن غفير أعداد المقتولين في المجتمع العربي إلى مستويات لم نشهد لها مثيلاً: في 2025 قتل 249 مواطناً عربياً، وفي 2024 قتل 233 وفي 2023 قتل 242.
هذا إضافة إلى أن نسبة حل لغز أعمال القتل في المجتمع العربي بقيت هامشية على مدى سنوات ولاية بن غفير. (في 2025 بلغت مثلاً 15 في المئة فقط)، مما يرفع مستوى الإحباط في المجتمع العربي ويخلق ضغطاً يؤدي إلى مزيد من حالات العنف التي تنتهي بالقتل وباحتمال عال. ليس صدفة أن عشرات آلاف المواطنين العرب تظاهروا في السبت الأخير تل أبيب ضد سياسة الحكومة وتسيب الشرطة. ما كانوا ليفعلوا هذا لو اعتقدوا أننا نعالج الموضوع كما ينبغي. وعليه فقد قررت أمس تسليمه أيضاً السيطرة على قيادة مكافحة الجريمة في المجتمع العربي.
بالمناسبة، في عهد حكومة التغيير، مع التشديد على ولاية يوآف سغلوبيتس كمسؤول عن الجريمة في المجتمع العربي، هبط معدل حالات القتل هبوطاً دراماتيكياً. فلماذا لم تستدعوا رئيس الوزراء في تلك الأيام، نفتالي بينيت، وتسألونه لماذا يبقي على نائب وزير مع سجل بائس بهذا القدر.
لكن إنجازات بن غفير لا تنحصر في تخفيف تركيز المجتمع العربي. فقد وزع وزير الأمن القومي بالجملة رخص سلاح للموالين للقاعدة؛ وحرص على تنكيل ممنهج للسجناء الفلسطينيين؛ وجعل لواء “شاي” في الضفة وحدة حراسة لـ “فتيان التلال” [المستوطنون الإرهابيون]؛ وعني بإغلاق أو عدم معالجة ملفات فتحت ضد سياسيين من اليمين؛ وأصر على تعرية وضرب متظاهرين من اليسار؛ وعرف كيف لا يرقّي محققين تجرأوا على التحقيق مع رئيس الوزراء (انظروا رينات سبان)؛ وحوّل الشرطة إلى ذراع سياسي لـ”عظمة يهودية” وواظب شخصياً على الحج إلى الحرم [المسجد الأقصى] بهدف إشعال المنطقة.
أيها القضاة المحترمون، تقصر اليراعة عن تفصيل كل إنجازات الوزير بن غفير. لكن يخيل لي أنه يكفي ذلك كي تردوا الالتماسات ضده فوراً وتتركوا باقي أعضاء الحكومة لمواصلة عملهم.
-----------------انتهت النشرة-----------------