الخريجات الفلسطينيات… بين دفاتر العلم وآبار الحرمان والتمييز
Thu 28 August 2025

حلم يؤجَّل بلا موعد
في المخيمات الفلسطينية، تكبر الفتاة وهي تحمل دفاترها كأنها جواز سفر إلى حياة أفضل. تحفظ الدروس، تبني الآمال، وتخطط لمستقبل كامل.
لكن الواقع لا يعترف بكل هذه الأحلام. بعضهن يتخرجن بشهادات عليا، ثم يجدن أبواب العمل موصدة في وجوههن بسبب القوانين التمييزية أو القيود الاجتماعية.
وأخريات لم تتح لهن فرصة الدراسة أصلا، بسبب الوضع الاقتصادي الصعب، أو لأن البيت كان أولى، أو لأن المجتمع قال: دورك في المطبخ
وهنا، بين دفاتر العلم وآبار الحرمان، تتشكل حكايات مؤلمة: طموحات متعبة، أحلام معلقة، وقلوب تنتظر فرصة لا تأتي.
صوت الفتيات
رنا (23 عامًا، حاصلة على شهادة جامعية في الإدارة):
تعلمت، درست، جهدت لكن لا أحد ينظر إلي إلا كفتاة ’صالحة للعمل في البيت فقط. شهادتي أمامي، والواقع خلفي. شعورك أنكِ محاصرة بين ما تحلمين به وما يفرضه عليك الواقع صعب جدا
ليلى (19 عامًا، لم تتمكن من متابعة دراستها):
كنت أحب الدراسة، كنت أتخيل نفسي طبيبة. لكن الوضع الاقتصادي حرمني. أخاف من المستقبل أخاف أن أحمل حلمًا لن يتحقق.
التعليم المحروم والخيارات المسلوبة
في لبنان، لا يملك اللاجئون الفلسطينيون الحق في دخول جميع الاختصاصات في الجامعة الرسمية.
الطب، الهندسة، الحقوق، وبعض العلوم التطبيقية كلها أبواب مغلقة بوجه آلاف الطلاب والطالبات.
فتاة تحلم أن تكون طبيبة يقال لها: هذا الاختصاص ليس لكِ. أخرى ترغب بدراسة الهندسة فتحاصر بواقع أن القانون لا يعترف بحقها.
الحرمان من التعليم المجاني في هذه الاختصاصات يقتل الحلم قبل أن يبدأ، ويترك الطالبات بين خيارين أحلاهما مر: إما دفع تكاليف باهظة في الجامعات الخاصة (وهو ما لا تستطيع معظم العائلات تحمله)، أو دفن الحلم تحت أنقاض الواقع.
صوت الآباء: صدمة مضاعفة
أبو فادي (أب لثلاث بنات):
كنتُ أرى بناتي يدرسن ويخططن لمستقبل كبير. اليوم أراهن حزينات، ليس لأنهن لم يحاولن، بل لأن الظروف قتلت أحلامهن. الألم يوجعني مرتين: مرة لأنني عاجز عن مساعدتهن، ومرة لأنني أرى الحلم يشيخ أمام عيني
الآباء في المخيمات يعيشون وجعا مزدوجا: وجع بناتهم ووجع عجزهم.
بين العلم وسوق العمل جدار التمييز
حتى من تنجح في تجاوز عائق التعليم، تجد نفسها أمام جدار آخر: الحرمان من حق مزاولة عشرات المهن في لبنان.
الطب، الصيدلة، الهندسة، المحاماة، الطيران، والمهن النقابية كلها ممنوعة على اللاجئات الفلسطينيات.
وهذا يعني أن الطموح يُقمع قبل أن يولد:
طالبة الطب لا تستطيع أن تصبح طبيبة.
خريجة الحقوق لا تستطيع أن تكون محامية.
المهندسة لا تستطيع أن توقّع على مخطط.
هذه ليست قيودا إدارية فحسب، بل تدمير ممنهج لأحلام جيل كامل من النساء المتعلمات.
وجوه من قلب المخيم
سارة (26 عاما، متخصصة في التمريض):
أحب عملي، لكن كنت أتمنى أن يكون اختياري. درست التمريض لأنه من التخصصات القليلة المسموح لنا بها. كل خطوة كانت صعبة، وكل حلم كان يحتاج سنوات إضافية من الصبر
ندى (22 عامًا، حاصلة على شهادة في الأدب الإنجليزي):
أملك شهادة، ولكن لا أجد مكانًا أعمل فيه. أفكر أحيانا: لماذا تعبتُ سنوات في الدراسة؟ شعورك بالضياع لا يوصف
أرقام تروي الحكاية
بحسب تقارير أممية، تتجاوز نسبة البطالة بين الشباب الفلسطيني في لبنان 50%، بينما تصل بين الشابات إلى أكثر من 65%.
هذه الأرقام ليست إحصاءات باردة؛ بل وجوه وأسماء وأحلام مؤجلة. كل رقم هو حكاية فتاة درست، تعبت، وحلمت ثم اصطدمت بجدار التمييز والحرمان.
ما الذي يمكن فعله؟
إلغاء القوانين التمييزية بحق اللاجئين الفلسطينيين ومنحهم حق العمل في جميع المهن، بما يفتح أبواب الأمل أمام الخريجات.
توفير برامج تدريبية وفرص عمل للشابات المتخرجات وغير المتخرجات.
إطلاق دعم نفسي واجتماعي للبنات اللواتي حُرمن من الدراسة أو لم يستطعن ممارسة مهنهن.
تعزيز حملات توعية مجتمعية تعترف بدور النساء وقدرتهن على الإسهام في نهضة المجتمع.
حلم يشيخ قبل أن يولد
صوت فتاة من المخيم:
كنت أحلم أن أكون طبيبة أو معلمة، أو أي شيء أختاره بنفسي.
لكن بين دفاتر العلم وآبار الحرمان، حلمي شاخ قبل أن يولد.
كل صباح أستيقظ وأحاول أن أبتسم، أحاول أن أحمل الأمل لبنات أخريات.
أنا هنا، بين ما كنت أريد وما فرضه علي الواقع، أصارع من أجل فرصة من أجل صوت من أجل حياة