"الحاجة أمّ الاختراع، يوميات نساء في غزّة"

يلجأ المرء لاختراع أشياء تساعده في يوميات حياته. فكيفَ إن كان تحت حصارٍ شرس، وانقطعت به كلّ الإمكانيات وأبسط سُبُل العيش!
أذهلتني المرأة الغزّية حينما رأيتها تطحن العدس، وتخلطه بقليل من الطحين، وتخبزه أرغفة. لم أكُن أتخيّل بأن العدس سيتحوّل الى أرغفة. الطحين مفقود وإن وُجد فالكيس الذي يزن ٢٥ كيلو يبلغ سعره ما يفوق ١٢٠٠$ دولاراً أميركياً.
كما فقدوا أهمّ مُكوّن "الكافيين" وهو القهوة، التي حُرموا منها بسبب الحصار، فاخترعوا مادة جديدة تشبه القهوة من تحميص الحمّص، ليصبح شبيه القهوة. الطريقة معقّدة قليلاً خاصة في ظل انعدام غاز الطبخ، فكلّ شيء تحوّل إلى الطبخ على الحطب أو أي مواد قابلة للاشتعال. رأيتها على الشاشة تحمّص حبّات الحمّص لتصبح شبه سوداء، ثمّ تطحنها، تغليها لتصبح قهوة أو ما يشبه القهوة.
تكرير مياه البحر عبر التسخين، أو تحليتها عبر التقطير، وهي مهمة شاقة، حيث يتعرض مَن يقترب من البحر إلى القنص والقتل عبر صواريخ من الدرونات. وهنا يعمد العدو إلى تعطيش الناس باستهداف الآبار الارتوازية ومراكز التحلية، كما أعمدة الكهرباء، ويعمد إلى تدمير مؤذٍ ليجعل مياه الصرف الصحي تختلط بمياه الشرب وقد بلغت نسبة تلوث المياه في غزة ٨٤٪؜ غير صالحة للشرب.
تحويل الباراشوت الذي يحمل المساعدات إلى خيَم تحميهم من أشعة الشمس الحارقة، أو المطر خاصة أنّها مصنوعة من الحرير الصناعي. أو تحويل الباراشوت إلى خيم لتغطي البسطات وأماكن تواجدهم.
وبما أنّ العدو الص ه ي وني يمنع دخول الوقود فقد عمد أهل غزة إلى استخدام الزيت النباتي الموجود كوقود للسيارات، ولكن هذا الأمر يُتلف المحركات ويعطّل السيارات على الاستخدام لفترة زمنية محددة. وهذا ما جعل أحدهم يطوّر نوعاً من الوقود من بقايا الدواليب والكاوتشوك والنايلون عبر تقطير معقد. بالمقابل استغنوا عن السيارات ليركبوا الدواب من بغال وحمير تجرّها عربات.
شحن الهواتف بدون كهرباء جعل أهل غزة يحوّلون بطاريات السيارات إلى مصدر شحن بديل الكهرباء، فأصبح هناك نقاط لشحن الهواتف مقابل بدل مادي، يتجمّع الناس ويتركون هواتفهم للشحن. كما تحوّلت شرائط الكهرباء للعبة للأطفال والناشئة للتأرجح عليها لانعدام الكهرباء في خطوط التوتر العالي.
يشتاق أهل غزة لرقائق البطاطا (التشيبس)، فلجأت المرأة الغزّيّة إلى سلق المعكرونة، ثمّ تنشيفها، ثمّ قليها بالزيت، لتخرج رقائق مقرمشة (طعمها ليس سيئاً ولكن تشبه التشيبس إلى حدٍّ ما.)
في فترة الشتاء قامت النساء بلفّ أوراق التوت بديل ورق العنب، أو بعض أوراق الشجر غير السام. كما عملت النساء القريبات من مساحات خضراء إلى قطف الخبيزة والعلت وكلّ ما أنبتت الأرض، حيث باتت الأرض الملاذ الوحيد لهم. وهناك مَن قام بالزرع إلى جانب الخيم بعض الخضروات التي تساعدهم على قوت يومهم.
كما وجدتُ بأن العديد من النساء يحاولنَ فصل العدس والقمح والرز من الحصى والتراب الذي جمعه لهنّ أولادهن. هي مهمة شاقة ولكن على الأقل وجدت ما يسدّ رمق عائلتها وإن كان بكميات ضئيلة. أهل كرام لم يجدوا ما يسدوا به رمقهم سوى بقايا حبوب وقعت على الأرض.
بسبب شحّ ادخال الأحذيةوغلائها، عكف الغزّيّون على صيانة ما بقي من (الشّحطات) وخياطتها، أو إلصاق الأحذية لتُكمل مهمتها الصعبة في قطع مسافات طويلة بعد تهديدات متكررة من العدو بالإخلاء.
حُرمت النساء والفتيات في غزة من الحصول على الفوط الصحية وأصبحت هذه الحاجة حلماً يُراود النساء، حيث استخدمن بديلاً من القماش، والخيش، وبقايا الثياب. هذا الواقع المؤلم جعل النساء يشعرن وكأنّهن يعشنَ كابوساً من الألم الشهري وفقدان أماكن للغسل والنظافة، وبِتنَ عرضة للأمراض والالتهابات النسائية المتفاقمة.
بديل الشامبو لا شيء سوى الماء إن وُجد، وماء البحر لمَن خيمته قريبة من البحر. وجد بعضهم بديلاً للغسيل وغسل الثياب الرماد، وهو مُنظّف قديم كانت تستخدمه النساء قديماً. أتذكّر أمّي حينما كانت تنقع الغسيل الأبيض بالرماد والماء لتغسله لاحقاً بالغسّالة ذات التنشيف اليدوي (المانيفيل).
الوضع المأساوي في غزة جعل الناس يفكرون بطريقة إبداعية وكما هي المقولة "الحاجة أمّ الاختراع"، هو شيء يدعونا للتفكّر، كيف تُركوا لمصيرهم وحدهم! كيف تخلّى عنهم إخوتهم! كيف باتت القضية وجهة نظر!
«سيأتي يومٌ على هذه الأمة وتصبح الخيانة وجهة نظر»،
لقد أتى هذا اليوم يا غسّان وأصبحت الخيانة وجهة نظر.
disqus comments here