العودة إلى الجذور في المطبخ الفلسطيني

عندما تسأل أحدهم عن المطبخ الفلسطيني يتبادر إلى ذهنه عدة أكلاتٍ وطبخاتٍ من التراث الفلسطيني مثل الخبيزة، العكّوب، لبن إمّه، المسخّن، العلت، اللحم المشوي، الفريكة، الملوخية، الزيت والزعتر، المقلوبة، الفرفحينة، المفتول، والعديد من الطبخات التي تحوي أعشاب ونباتات من الأرض. هذا بالإضافة إلى الحلويات من الكنافة، المقروطة، الهيطلية، والرز بحليب، إلى آخره من الأطايب.
هذه الأكلات ليست شيئاً عابراً، بل هي أكلات تحكي تجارب شعب، وفنّ عكفت النساء الفلسطينيات على تطويره ليصل إلينا بهذا الشكل اللذيذ.
طبعاً أكلتي المفضلة لبن إمّه، وهي لبن مغلي ويوضع بعد الغلي اللحم المسلوق، ويقدّم مع الرز. نكهة اللبن المغلي لا تعادلها نكهة، وطراوة اللحم ذو الطعم المميّز شيء لا يُوصف. وأيضاً الخبيزة المطبوخة مع البصل والتي يُعصر فوقها حامض وتؤكل غماساً بالخبز. في الخبيزة تشعر بطعم الأرض، تشعر بنكهة الانتماء للتراب.
حينما كنتُ أعمل على تقديم عرض حول عمل برنامج الصحة النفسية في بيروت بإشراف الدكتور النرويجي سفين ستاف، سألني "هل ما زالت تطبخ والدتك طبخات فلسطينية؟" فأجبتُ بنعم، فأشار عليّ بصنع كتابٍ يحوي طبخ أمّي، ولكنّني أجبته بأنّه لا ينفع لأنّ أمّي لا تستخدم المقادير، فهي تطبخ كما ترى الطبخة فلا مقدار معين للزيت او الملح، ولا مقدار معين للطبخة بشكلٍ عام، وحتى حينما تقوم بطبخ الرز، فالمقدار الذي تستخدمه هو غمرة الماء، غمرة وليس كوب او معيار معيّن، ضحك دكتور زفين وقال لي" هكذا هنّ الأمهات، تطبخنَ بحبٍّ وبعضٍ من روحهن".
كان دكتور زفين على صواب في اقتراحه، وذهبتُ أفتّش عن أشخاصٍ يوثقون الأكلات الفلسطينية، فوجدتُ فداء أبو حمدية وهي مترجمة قانونية من اللغة الإيطالية إلى العربية، وهي "شيف" وقد ألّفت كتاباً حول الأكل الفلسطيني بالشراكة مع الكاتبة الإيطالية سيلفيا كيارانتيني. الكتاب هو حكايا شعبية متنوعة من جنوب إلى شمال فلسطين، يحكي عن الطبخات في مدُن فلسطين ووصفات الأطباق وكيف يتمّ إعدادها من مكوّنات الحياة الطبيعية.
كتاب آخر حول الأكلات الفلسطينية، هو "بلدي فلسطين" للكاتبة جودي القلا، وهو كتاب لوصفات مستوحاة من المطبخ الفلسطيني التقليدي، ويحتفي بالنكهات والتقاليد الغذائية الفلسطينية. يعكس الكتاب روح وثقافة المطبخ الفلسطيني. إنّه كتاب يكرّم التراث الفلسطيني وموروثه الغني.
أصدرت جمعية النجدة الاجتماعية، وهي جمعية نسوية تأسست عام ١٩٧٦ في لبنان، كتاباً حول الأكلات الفلسطينية، بالتعاون مع جمعية لا سيماد وهي جمعية فرنسية تهتم بقضايا اللاجئين. كان هذا الكُتيّب بمثابة توثيق لعشرات الطبخات والأكلات الفلسطينية للاجئات الفلسطينيات في مخيمات لبنان.
خلال عملية البحث عن كتب حول المطبخ الفلسطيني وجدتُ مجموعة متنوعة من الكتب باللغة الإنجليزية:
1- Falastin: A Cookbook – من تأليف سامي تميمي وتارا ويجلي، يحتوي على 110 وصفة تجمع بين الطابع التقليدي والحديث، ويُعدّ رسالة حب لفلسطين ومأكولاتها .
2- Palestine on a Plate: Memories from My Mother’s Kitchen – من تأليف جودي القلا، عمل حائز على جوائز، يجمع وصفات عائلية من الجيل القديم إلى اليوم ويعبّر عن الهوية الغذائي
3-The Palestinian Table – من تأليف ريم قسيس، يجمع بين الطبخ والذاكرة والتاريخ الشعبي الفلسطيني ضمن حوالي 150 وصفة، وقد نال اعترافاً دولياً واسعاً .
4- Zaitoun: Recipes and Stories from the Palestinian Kitchen – من تأليف ياسمين خان، كتاب إنساني يسبر تجربة طهي عبر مناطق فلسطين ويُعدّ عملاً وثائقياً للطعام والثقافة .
5- Bethlehem: A Celebration of Palestinian Food – من تأليف فادي كتان، يقدّم نكهات بيت لحم العائلية بطريقة معاصرة وقصصية تعبّر عن المقاومة الثقافية عن طريق الطعام .
6- Boustany: A Celebration of Vegetables from My Palestine – إصدار جديد من سامي تميمي يركّز على الخضار وصفات مستوحاة من التراث الفلسطيني كعمل ثقافي وسياسي .
7- The Gaza Kitchen: A Palestinian Culinary Journey – من تأليف ليلى الحداد، كتاب يستكشف تراث غزة من خلال وصفات وقصص تقليدية، مورداً ثقافياً مهماً
هذا التوثيق لهو كنزٌ لا يقدّر بثمن، توثيق للمطبخ الفلسطيني، للتراث الغذائي الفلسطيني، لجهود جدّاتنا وأجدادنا. كلّ توثيق هو حِرزٌ من السرقة، سرقة الطعام ونسبته إليهم، سرقة التاريخ ونسبته إليهم، لدرجة لو اطلعتَ على أهم صحون تقدّم ضمن المطبخ العالمي لوجدتهم ينسبون إليهم الفلافل، والحمّص والعديد من الصحون الفلسطينية الأصيلة. يسرقونك بلا استيحاء، بلا أخلاق.
ينتظر الفلسطيني الشتاء وأول الربيع ليخرج ل"البقلة" ويقطف طرابين الخبيزة، والقرصعنة، السنّاري والخرفيش، العلت والعكّوب، السبانخ البريّة، واللوف والدردارة. ارتباطه بالأرض ليس عبثاً، فهو يعرف كلّ نبتة وما فوائدها، خبيرٌ بالأعشاب والنباتات. إذا انجرح مسح الجرح بالطّيون، إذا ارتفع السكر عنده أكل الخسّ الصخري، إذا تعب تناول كوز تين، إذا سعل شرب العسل والبابونج والزيزفون، إذا أصابه عُسر غلى وشرب الخبيزة، وإذا أصابه وجع بطن شرب الميرمية المقطّرة، وإذا أصيب بفطريات دهن زيت الليمون، وإذا أصابه إمساك تناول نبات لسان الثور، وكأنّه طبيب أعشاب يقتني كلّ أنواع الدواء في مطبخه ومن أرضه.
من أهم الكتّاب في المطبخ الفلسطيني الكاتب حسين لوباني الداموني، له كتاب تحت عنوان "معجم الأطعمة الفلسطينية" وهو دليل شامل للمطبخ الفلسطيني. له مؤلفات أخرى في التراث واللغة والفنون، وقد بلغت مؤلفاته فوق الخمس وأربعين كتاباً تُرجمَ العديد منها إلى عدة لغات.
"أحنُّ إلى خبز أمي�وقهوة أُمي�ولمسة أُمي.."
يُعتبر الخبز أهمّ مكونات المطبخ الفلسطيني، وهو أطيب ما تصنعه النساء الفلسطينيات، مُغمّساً بزيت الزيتون، معجوناً بالسُّكر، مقلياً بالزيت. الخبز الجاف "بيعرّض الكتاف" مقولة عكف والدي على ترديدها كلما رآني آكل الخبز الساخن الذي كانت تخبزه أمّي، وهو من أشهى ما شمّ أنفي وذاق فمي.
المطبخ الفلسطيني مطبخٌ فيه كثيراً من الحبّ، كثيراً من نفَس الأمّ، كثيراً من عبَق التاريخ. سلِمَت يديّ كلّ أمّ طبخت، وكلّ امرأةٍ فلسطينية اخترعت ما يُسعد عائلتها، ألف تحيّة لكلّ رجلّ وقف في المطبخ مساعداً زوجته وابنته وأمّه، كلّ طبخة وكلّ أكلة هي درسٌ في التاريخ الغذائي ومرآة شعبٍ عاشق لأرضه حتى النّخاع.
إحدى النّكات المتداولة، هي أبٌ يصف لولده الجنّة "مروج من الخبيزة على مدّ عينك والنظر، أشجار الزيتون تُحيط بالمكان، العكّوب قد ما بدّك." هي ليست نكتة برأيي، فالخبيزة هي والزيتون والعكّوب ثلاثي المطبخ الفلسطيني، ثلاثي الصحة والعافية، وأقترح أن نخصص يوماً لمطبخنا الفلسطيني، نخصصه للأجيال القادمة حول العودة إلى الجذور عبر أكلات وطبخات ونباتات تحمل كثيراً من أرض وتراب وتاريخ فلسطين.
disqus comments here