الأمم المتحدة : تفشي حالة المجاعة في قطاع غزة

شهوراً تأخرت الأمم المتحدة في الإعلان رسمياً عن تفشي حالة المجاعة على نطاق واسع في قطاع غزة، إلا أنه اعتبر خطوة بالغة الأهمية تكشف حقيقة ما يجري على الأرض، فهو الإعلان الأول من نوعه منذ بدء الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين، والتي يُعدّ التجويع أحد أدواتها الأكثر إجراماً.
وأكدت الأمم المتحدة أنّ السبب المباشر في الكارثة الحالية التي حلّت بمجمل سكان القطاع هو سياسة إسرائيلية ممنهجة، جاءت بعد قرار معلن، فمنذ الثاني من أذار/مارس 2025 وبعد خرق اسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار بدأت إسرائيل حصاراً وتجويعاً محكماً ومتعمداً، صرح عنه مسؤولون إسرائيليون، حين أعلن مسؤولو الحكومة الإسرائيلية بوضوح أنّه «لا طعام ولا شراب لسكان غزة»، وأضاف آخرون «لا وقود ولا كهرباء ولا دواء»، وانتقل الاحتلال إلى التنفيذ العملي بتطبيق شامل ومنظّم لمنع إدخال المساعدات أو البضائع، وصفت هذه الإجراءات بأنها منظومة سيطرة وتحكّم إسرائيلية، هدفت إلى تكريس المجاعة وهندسة التجويع كأداة متعمّدة ضد السكان المدنيين، دامت حتى الآن نحو 6 أشهر.
وكان التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي «IPC»، قد أكد تفشّي المجاعة في محافظة غزة، وبلوغها المرحلة الخامسة من التصنيف وهي أخطر المراحل، والتي من خصائصها انعدام شبه كامل للغذاء، وارتفاع حاد في معدلات سوء التغذية، ومستويات وفيات مفرطة نتيجة الجوع والمرض. وحذّر التصنيف من امتدادها إلى محافظتي دير البلح وخان يونس مع نهاية أيلول/سبتمبر المقبل. وتوصّل التصنيف إلى أنّ أكثر من نصف مليون شخص في قطاع غزة يواجهون ظروفاً كارثية، وأكد التصنيف أنّ 1.07 مليون شخص آخر، أي ما نسبته 54% من السكان، يواجهون المرحلة الرابعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد «مرحلة الطوارئ»، في حين يواجه نحو 396 ألف شخص، أي 20% من السكان، المرحلة الثالثة «مرحلة الأزمة». وتوقّع التصنيف، أن تتدهور الأوضاع في غزة خلال الفترة بين منتصف آب/أغسطس ونهاية أيلول/سبتمبر 2025، بحيث يواجه نحو ثلث السكان (641 ألف شخص) ظروفاً كارثية وهي المرحلة الخامسة للتصنيف، كما يُتوقع أن يستمر تفاقم سوء التغذية الحاد بشكل سريع. لكن فريق المرصد الأورومتوسطي الذي جمع معطيات ميدانية، تُظهر بوضوح أنّ الواقع يفوق بكثير ما عكسه إعلان التصنيف المتكامل، إذ يعاني بالفعل أكثر من 1.5 مليون إنسان من مستويات حادة من الجوع، في مشهد يرسّخ أنّ الأزمة وصلت إلى مستوى أخطر مما وثّقته التقديرات الأممية.
وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أنّه في الوقت الذي سجّلت فيه وزارة الصحة 271 حالة وفاة، من بينهم 112 طفلًا، بسبب التجويع وسوء التغذية، فإنّ المعطيات المتوفرة تؤكد أنّ العدد الحقيقي أكبر بعدة أضعاف، بفعل عدم قدرة الوزارة على التوثيق الشامل نتيجة الانهيار الشامل للمنظومة الصحية في القطاع جرّاء الاستهداف الإسرائيلي المنهجي.
وقد جرى تأكيد دولي واسع عن مسؤولية إسرائيل عن هذه المجاعة، ولكن هل ترامب والحكومة الأميركية تتحمل جانباً من المسؤولية عنها؟. حيث ما يزال المسؤولون في البيت الأبيض ينكرون حدوث المجاعة، ومنذ 27 أيار/ مايو تمّ تقييد دخول المساعدات، وحصرها بيد ما تسمى «مؤسسة غزة الإنسانية» الأميركية، حيث ارتكبت القوات الاسرائيلية والمتعاقدون الأجانب التابعون للمؤسسة الأميركية مجازر مروعة في مراكز التوزيع استهدفت المجوّعين من طالبي المساعدات، أسفرت عن استشهاد أكثر من ألفي فلسطيني وإصابة 15 ألفا آخرين أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات من الشاحنات في المناطق الخاضعة لسيطرة تلك القوات، وحسب منظمات دولية، شكّل هذا حلقة إضافية في تكريس سياسة التجويع وهندستها، إذ تحوّلت نقاط التوزيع التي أقامتها المؤسسة إلى «مصائد موت» استهدفت فيها القوات الإسرائيلية، الفلسطينيين بشكل مباشر بمشاركة مرتزقة أمريكيين، وبعد تفكيك نظام توزيع المساعدات في القطاع عبر المنظمات الدولية المختصة وعلى رأسها وكالة الأونروا، جرى تصميم مراكز التوزيع عمداً بحيث تبقى غير متاحة لشرائح واسعة من السكان، إذ تحرم عشرات آلاف العائلات التي تفتقد لعضو قادر جسدياً بسبب العمر أو الإعاقة أو الإصابة أو الغياب أو حتى القتل، من الوصول إليها كلياً، ما يتركها تواجه تجويعاً بطيئاً ومتعمداً، ورصدت المنظمات الدولية أن المؤسسة الأميركية تقدّم مساعدات لا تلبي الاحتياجات التغذوية الأساسية، وتفتقر إلى عناصر ضرورية مثل حليب الرضع وأغذية الأطفال والخضروات والفواكه واللحوم والطعام الطازج، وهو ما يعمّق الجوع ويطيل أمد الحرمان لدى الفئات الأكثر ضعفاً.
ودعت الأمم المتحدة المجتمع الدولي للتحرك الفوري لإنقاذ غزة من المجاعة، لكن لماذا ترددت أشهر حتى تصدر هذا التقرير، وتحمّل إسرائيل المسؤولية عن حرب التجويع، وهو ما يعتبر جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني؟. بعد الإعلان نأمل ألا يتأخر تحرك الأمم المتحدة لوقف جريمة التجويع في قطاع غزة التي تمثّل فعلاً من أفعال الإبادة الجماعية، إذ أن القانون الدولي يجرّم استهداف مصادر الغذاء وتدمير البنية الزراعية باعتبارها مقومات أساسية لبقاء المدنيين.
يستدعي التأكيد الأممي عن تفشّي المجاعة في غزة تحركاً فورياً من المجتمع الدولي، ولا سيما الجمعية العامة للأمم المتحدة، من خلال إعمال صلاحياتها وفق القرار التاريخي رقم 377 لعام 1950 المعروف باسم «الاتحاد من أجل السلام»، الذي يخولها، عند عجز مجلس الأمن عن القيام بمسؤولياته بسبب استعمال حق النقض أو غياب التوافق، أن تعقد دورة استثنائية طارئة وتتخذ توصيات وتدابير جماعية مناسبة لصون السلم والأمن الدوليين، بما في ذلك إنشاء قوة لحفظ السلام توقف هذه الجريمة المتواصلة، وتضمن فتح المعابر بلا قيود، وتأمين الغذاء والدواء وحماية المدنيين، مع التأكيد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن مأساة تفتك بأكثر من مليوني إنسان في القطاع.
بعد ذلك هل يمكن لأحد أن يتجاهل المجاعة أو ينكرها ؟. المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي في التحرك الفوري والجاد للاستجابة للكارثة الانسانية، يعدّ الإعلان عن المجاعة إنذاراً رسمياً في وجه العالم بخطورة الوضع الإنساني في قطاع غزة، وقد عبّر عن هذا الموقف بكل وضوح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي حمل إسرائيل المسؤولية المباشرة عن انتشار المجاعة في غزة، وقال غوتيريش إن «المجاعة في غزة كارثة من صنع الإنسان، وإن على إسرائيل ضمان توافر الغذاء والإمدادات الطبية لسكان غزة » وجاء هذه الحديث بعد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أن المجاعة في قطاع غزة ليست لغزاً، وإنما كارثة من صنع الإنسان واتهام أخلاقي وفشل للبشرية نفسها، مؤكداً أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر دون عقاب.
لا بد من مساءلة إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها ضد الفلسطينيين، وتنفيذ أوامر القبض الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع السابق وتسليمهم إلى العدالة الدولية، حيث يلاحقون على جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك جريمة تجويع المدنيين عمداً بوصفها أسلوباً من أساليب الحرب من خلال حرمانهم من المواد الأساسية اللازمة لبقائهم، ومنع وصول الإمدادات الإغاثية.
سارعت إسرائيل إلى مهاجمة التقرير الأممي بأنه ادعاءات كاذبة يقدم صورة خاطئة، وأنكرت أن يكون هناك تجويع في قطاع غزة، وادعت الخارجية الإسرائيلية أن تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي يستند إلى ما سمتها أكاذيب حماس كما ادعت أن تقرير منظمة الصحة العالمية مفبرك ومصمم ليلائم الحملات الدعائية لحماس، وأن الغزّيين يحصلون يومياً على قدر كاف من الغذاء، قال بنيامين نتانياهو في بيان أنّه «كذب صريح»، مضيفاً أنّ «إسرائيل لا تعتمد سياسة تجويع». بينما أكد المفوض العام لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين فيليب لازاريني، أن «الوقت حان لتكفّ حكومة إسرائيل عن نفي المجاعة التي أوجدتها في غزة».
وتخشى إسرائيل تبعات إعلان المجاعة عليها أن يتطور إلى عزلة دولية، وأن تتعاظم الضغوط العالمية عليها، وتتخذ مواقف جدية لإجبار إسرائيل على التراجع عن سياستها اللإنسانية، مما يجبرها على وقف سياسة التجويع الممنهجة، وفشل حربها التي تقوم على استهداف المدنيين في القطاع الصامد.