مرضى غزة بلا تحاليل طبية.. أزمة غير مسبوقة في خدمات المختبرات

لا تبدأ معاناة المرضى في قطاع غزة بسبب نقص العلاج بل قبل ذلك، أي منذ مرحلة الفحص والتشخيص، إذ بعد 32 شهرًا من الإبادة الجماعية، بينها ثمانية أشهر يُفترض أنها فترة وقف إطلاق النار، خرجت عشرات المختبرات الصحية عن الخدمة، فيما تعمل أخرى بإمكانيات محدودة للغاية، الأمر الذي حرم آلاف المرضى من إجراء الفحوصات الأساسية اللازمة لتشخيص أمراضهم ومتابعة حالاتهم الصحية.

ومنذ عامين، تعاني الشابة نسمة صلاح (22 عامًا) من حي الزيتون شرق مدينة غزة، من ارتفاع مزمن في وظائف الكلى، وتحتاج بصورة دورية إلى إجراء الفحوصات المخبرية المعروفة باسم "KFT، Hb"، لمتابعة نسبة الأملاح ووظائف الكلى ومستوى الهيموجلوبين في الدم.

تقول نسمة: "في الأشهر الأولى من الحرب، كنت أجري التحاليل الطبية بشكل شبه شهري، أما اليوم أصبحت التحاليل حلمًا، ففي كل مرة يخبروني أن الأجهزة معطلة، فأعود محملة بالقلق والخشية من تدهور حالتي من دون متابعة أو علاج".

وتضيف: "منذ أكثر من ثلاثة أشهر لم أتمكن من إجراء التحاليل المطلوبة، وأعاني من تعب شديد ودوار مستمر وتورم في القدمين، لكنني لا أعلم ما الذي يحدث داخل جسدي، والطبيب نفسه يؤكد أنه لا يستطيع تعديل العلاج من دون نتائج مخبرية دقيقة".

وحاولت نسمة إجراء الفحوصات المخبرية في أحد المختبرات الخاصة بمدينة غزة، إلا أنها فوجئت بأن تكلفته 300 شيكل (نحو 100 دولار)، وهو مبلغ يفوق قدرتها المادية في ظل هذه الظروف القاسية، فأجبرت على إلغاء الفحص وهي تحمل هم المرض وعبء العجز معًا.

وتكمل نسمة حديثها: "تنقلت بين مختلف المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، أملاً في إجراء الفحوصات المطلوبة، إلا أن محاولاتي باءت بالفشل، وكانت المبررات تتكرر على الدوام، بين نفاد المواد المخبرية، وتعطل الأجهزة الطبية، وفي كل مرة كنت أعود مثقلة بالإحباط".

وتؤكد نسمة أنها تقضي لياليها مستيقظة تحت وطأة القلق، تقلب الاحتمالات المؤرقة في ذهنها: هل ارتفعت نسبة السموم في الدم؟ هل تراجعت وظائف الكلى؟ كلها أسئلة تتكاثر بلا إجابة من دون أن تجد من يطمئنها أو يحسم ما يجري داخل جسدها.

ووفق وزارة الصحة في غزة، فإن 22 مستشفى من أصل 38 و90 مركزًا صحيًا خرجت عن الخدمة، فيما لحقت أضرار جسيمة بالبنية التحتية للمرافق العاملة.

خريطة طريق النجاة معطلة

شفيق أحمد، يعاني هو الآخر من قصور في عمل الغدة الدرقية، ويحتاج بشكل دوري إلى إجراء سلسلة من الفحوصات المخبرية لمراقبة تطور حالته الصحية، إلا أن الأشهر الأخيرة جعلته يعيش حالة من القلق الدائم بسبب تعذر إجراء التحاليل المطلوبة.

يقول شفيق (37 عامًا): "قبل عدة أشهر كنت أراجع الطبيب بشكل منتظم، وأجري الفحوصات كل بضعة أسابيع لمتابعة حالتي، والتأكد مما إذا كانت مستقرة أم تميل إلى التدهور، أما اليوم، فلم يعد هناك ما يطمئنني أو ينذرني بالخطر، فالتحاليل الطبية ببساطة غير متاحة، وكأنني أعيش في فراغ صحي".

أكثر ما يخشاه شفيق الآن هو اكتشاف "مشكلة كبيرة" في صحته بعد فوات الأوان، "فعندما تغيب التحاليل يفقد المريض فرصة التدخل المبكر، وهذا قد يجعل العلاج أصعب وأكثر تعقيدًا" وفق قوله.

ويضيف: "كنت أشعر بالأمان عندما أرى نتائج الفحوصات وأناقشها مع الطبيب، أما الآن فأعيش في حالة انتظار دائمة، وأنتظر أن تتوفر المواد ويعود المختبر للعمل، أو أن أجد مكانًا أستطيع إجراء الفحص".

بالنسبة لشفيق، فإن التحاليل "خريطة طريق تحدد مستقبله الصحي" حسب وصفه، وعندما تختفي هذه الأرقام، يصبح مستقبله "غامضًا ومخيفًا".

أزمة غير مسبوقة

تؤكد مديرة دائرة المختبرات الطبية وبنوك الدم في وزارة الصحة بغزة، سحر غانم، أن القطاع الصحي يواجه "أزمة غير مسبوقة" في خدمات المختبرات، إذ إن نسبة العجز في مواد الفحوص المخبرية بالمستشفيات والمراكز الطبية التابعة لوزارة الصحة بلغت 87%، فيما وصلت نسبة النقص في المستهلكات والمستلزمات الضرورية لتشغيل المختبرات وبنوك الدم إلى 74%.

وتوضح غانم لـ"الترا فلسطين" أن عددًا كبيرًا من المختبرات في قطاع غزة خرج عن الخدمة نتيجة الحرب، أما في مستشفيات وزارة الصحة، فمن أصل 12 مختبرًا طبيًا لم يتبق سوى أربعة مختبرات فقط تقدم خدماتها، وهي تعتمد على أجهزة متهالكة وكثيرة الأعطال، ولم تعد قادرة على مواكبة حجم العمل والاحتياجات المتزايدة.

وتحذر غانم من أن جميع الخدمات المخبرية المقدمة حاليًا باتت مهددة بالتوقف بسبب نفاد المخزون من المواد الأساسية، مبينة أن فحوصات غازات الدم توقفت بشكل كامل بالفعل.

وأضافت أن 52% من الأجهزة المخبرية خرجت عن الخدمة نهائيًا جراء تدميرها، فيما تحتاج 30% من الأجهزة المتبقية إلى قطع غيار وصيانة عاجلة، فضلاً عن توقف 60% من مختبرات مراكز الرعاية الصحية الأولية عن العمل.

وتوضح أن العديد من الفحوصات الحيوية والمتخصصة، خصوصًا المتعلقة بمرضى التشنجات وزراعة الأعضاء والغدد الصماء والأورام، متوقفة منذ أكثر من عام بسبب انعدام المواد اللازمة لإجرائها، وذلك في أعقاب تدمير المختبر المركزي بالكامل خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة.

وشددت سحر غانم على أن استمرار منع إدخال مواد الفحوص والمستلزمات المخبرية بالكميات المطلوبة ينذر بتوقف المختبرات عن تقديم خدماتها بشكل كامل، "الأمر الذي سيحرم آلاف المرضى من التشخيص الدقيق والمتابعة العلاجية اللازمة".

disqus comments here