سمير أبو مدللة لـ "180 تحقيقات": إعمار غزة يجب ألا يكون ثمناً للتنازل السياسي
يمر قطاع غزة اليوم بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث يتشابك ركام الدمار الواسع بآفاق إعادة الإعمار التي تحمل في طياتها تحديات سياسية وجودية.
وفي حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، وضع الدكتور سمير أبو مدللة، أستاذ الاقتصاد وعميد كلية الاقتصاد الأسبق في جامعة الأزهر بغزة، النقاط على الحروف فيما يخص الموازنة بين الحاجة الإنسانية المُلحة للإعمار وبين الحفاظ على استقلال القرار السياسي الوطني.
يرى أبو مدللة أن غزة التي تعيش انهياراً كاملاً في البنية التحتية والخدمات الأساسية، تقف أمام اختبار حقيقي: هل يكون الإعمار رافعة للصمود الوطني، أم مدخلاً لإعادة هندسة الواقع السياسي الفلسطيني بما يخدم أجندات خارجية، وعلى رأسها المقاربات الاقتصادية المشروطة التي تسعى لتفريغ القضية من مضمونها السياسي التحرري؟
فخ "السلام الاقتصادي".. خطة كوشنر وتحويل الإعمار إلى أداة احتواء
تطرق الدكتور سمير أبو مدللة بوضوح إلى خطورة المقاربات الدولية المطروحة، وفي مقدمتها ما عُرف بـ "خطة كوشنر"، مشيراً إلى أن الإشكالية الجوهرية تكمن في تقديم الاستثمارات الدولية كبديل عن الحل السياسي الشامل.
إن منطق "السلام الاقتصادي" يسعى لتحويل قطاع غزة إلى كيان اقتصادي منفصل مرتبط بشبكة تمويل مشروطة أمنياً، وهو ما يهدد بعزل القطاع فعلياً عن الضفة الغربية وعن المشروع الوطني الفلسطيني الجامع. ويرى أبو مدللة أن هذا النهج يهدف إلى مقايضة الحقوق الوطنية بالاحتياجات المعيشية، مما يجعل الإعمار وسيلة للضغط السياسي لا أداة للبناء، وهو ما يتطلب وعياً فلسطينياً حاداً لمواجهة محاولات تسييس الملف الإنساني وتحويله إلى ورقة رابحة في يد القوى التي تسعى لتكريس الانقسام طويل الأمد وتآكل القرار الوطني المستقل.
استراتيجية الموازنة.. كيف يحمي الفلسطينيون قرارهم السياسي وسط الركام؟
يؤكد الدكتور أبو مدللة أن الموازنة بين الإعمار السريع واستقلال القرار ممكنة "نظرياً وعملياً"، لكنها تظل شديدة الهشاشة في ظل موازين القوى الراهنة. تكمن مفاتيح هذه الموازنة في ضرورة التعامل مع الإعمار باعتباره حقاً إنسانياً غير مشروط لشعب تحت الاحتلال، وليس منحة تخضع للمساومات.
ويرى الخبير الاقتصادي أن تحصين القرار السياسي يستوجب وجود إطار وطني فلسطيني جامع، يتولى قيادة عملية الإعمار ويضبط أولوياتها بناءً على رؤية سياسية واضحة تؤكد وحدة الأرض والشعب وإن الربط الصارم بين التدفقات المالية وبين الالتزام بالثوابت الوطنية هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول أموال الإعمار إلى أداة لترسيخ الواقع الاحتلالي أو خلق كيانات هجينة تفصل غزة عن عمقها الاستراتيجي في القدس والضفة.
من الإغاثة إلى الصمود.. الإعمار كرافعة للمشروع الوطني الجامع
في ختام رؤيته التحليلية، يشدد الدكتور سمير أبو مدللة على أن الإعمار الحقيقي هو الذي يعزز صمود المواطن الفلسطيني على أرضه، ويرفض منطق المقايضة بين "الخبز والحقوق" وإن التحدي الأكبر الذي يواجه القيادة والشعب الفلسطيني هو تحويل عملية إعادة البناء من نشاط تقني وإغاثي إلى مشروع سياسي يعيد الاعتبار للوحدة الوطنية. دون إطار وطني موحد يرفض الإملاءات الخارجية، سيبقى الإعمار السريع خطراً كامناً قد يخفف الألم الآني للناس، ولكنه قد يفتح الباب أمام تصفية القضية سياسياً، لذا، فإن استقلال القرار الفلسطيني يمر حتماً عبر بوابة الإعمار السيادي الذي يرفض الارتهان لشبكات التمويل المشروطة أمنياً، ويتمسك بأن إنهاء الاحتلال هو الممر الوحيد والضروري لاستدامة أي تنمية أو إعمار في قطاع غزة والاراضي الفلسطينية كافة.
يذكر أن حرب غزة اندلعت أكتوبر 2023 لتشكل المنعطف الأكثر دموية وتدميراً في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث تجاوزت في أمدها وحدتها كافة المواجهات السابقة وتميزت هذه الحرب باتباع سياسة "الأرض المحروقة"، مما أدى إلى مسح أحياء سكنية كاملة، وتدمير ممنهج للبنية التحتية والمستشفيات والجامعات، بما في ذلك جامعة الأزهر التي ينتمي إليها الدكتور سمير أبو مدللة، هذا المستوى من الخراب لم يكن عسكرياً فحسب، بل استهدف شلّ مقومات الحياة في القطاع لجعل "العودة" أو "البقاء" أمراً مستحيلاً.
اليوم، ومع انتقال الحديث إلى مرحلة "اليوم التالي"، تحولت الحرب من طابعها العسكري إلى طابع سياسي-اقتصادي يتمحور حول إعادة الإعمار.
تبرز الإشكالية في محاولات دولية لربط الإعمار بتغيير جذري في هوية غزة السياسية، وهو ما يحذر منه الخبراء الوطنيون.
فالحرب لم تترك غزة ركاماً فحسب، بل جعلتها ساحة لصراع دولي بين رؤية تسعى لتحويلها إلى "مشروع إغاثي دائم" مسلوب الإرادة، وبين رؤية وطنية ترى في الإعمار حقاً سيادياً وجزءاً لا يتجزأ من مسار التحرر الوطني الشامل، بعيداً عن صفقات "السلام الاقتصادي" المشبوهة.