كتب إسماعيل جمعه الريماوي: “صومال لاند” في المشروع الإسرائيلي: اختراق الجغرافيا وتطويق الإقليم
الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند لا يمكن فهمه بوصفه انحرافًا دبلوماسيًا عابرًا أو استجابة لظرف دولي طارئ، بل يجب قراءته كجزء من هندسة أمنية طويلة النفس تُعيد من خلالها إسرائيل تعريف حدود نفوذها خارج الجغرافيا التقليدية للصراع، نحن أمام قرار تُدار فيه السياسة بلغة الخرائط لا البيانات، وتُقاس فيه المكاسب بالأميال البحرية لا بعدد السفارات، في لحظة بات فيها البحر الأحمر ساحة اشتباك مفتوحة لا تقل خطورة عن البر الفلسطيني.
إسرائيل التي بنت مشروعها على السيطرة على العقد الجغرافية الحساسة، من الجليل إلى الأغوار، ومن النقب إلى القدس، تنقل اليوم المنطق ذاته إلى المجال البحري، باب المندب في العقل الإسرائيلي ليس ممرًا دوليًا، بل نقطة اختناق استراتيجية يمكن عبرها تعطيل الخصوم أو ابتزاز الحلفاء أو تأمين الذات في زمن الفوضى الإقليمية، من هنا يصبح الاعتراف بصوماليلاند فعلًا سياديًا استباقيًا يهدف إلى التمركز عند خاصرة اليمن، والتحكم غير المباشر في شريان يمر عبره جزء حاسم من التجارة العالمية والطاقة.
صوماليلاند لم تُختر لأنها كيان مستقر أو نموذج ديمقراطي، بل لأنها مساحة رخوة، قابلة للاختراق، تبحث عن أي اعتراف يمنحها شرعية مفقودة، هذه الهشاشة بالذات هي ما يجعلها جذابة في الحسابات الإسرائيلية، إذ تتيح بناء نفوذ بلا كلفة سياسية دولية، وتسمح بإقامة حضور أمني واستخباراتي تحت ستار الاستثمار والتعاون المدني، هكذا تُدار الإمبراطوريات الحديثة، لا عبر الاحتلال المباشر، بل عبر السيطرة على المفاصل الحيوية في الدول الأضعف.
بهذا المعنى، يتحول ميناء بربرة من منشأة تجارية إلى أداة سيطرة، الميناء ليس مجرد رصيف بحري، بل منصة مراقبة متقدمة تطل على خليج عدن وتجاور باب المندب وتمنح من يتحكم بها قدرة على قراءة حركة السفن، وتعقّب الإمدادات، والتدخل في لحظات الاختناق، ومع دخول إسرائيل على هذا الخط، يصبح البحر الأحمر ساحة نفوذ مشتركة بين لاعبين غير عرب، بينما تُقصى الدول العربية المعنية عن التأثير الفعلي.
الأخطر أن هذا التحرك يأتي في سياق ما بعد حرب غزة، حيث تبحث إسرائيل عن مخارج استراتيجية تعوض إخفاقاتها البرية بتوسع جغرافي بحري، فحين تعجز القوة عن فرض الحل داخل فلسطين، يجري البحث عن حلول في الجغرافيا المحيطة، سواء عبر إعادة رسم خرائط النفوذ أو عبر فتح مساحات بديلة لإدارة الصراع، من هنا لا تبدو الطروحات المتعلقة بتهجير الفلسطينيين أو نقلهم إلى خارج الجغرافيا التاريخية مجرد هواجس، بل امتدادًا لمنطق يرى الأرض أداة سياسية قابلة لإعادة التوظيف.
هذا التمدد الإسرائيلي عند مدخل البحر الأحمر لا يمكن فصله عن الأمن القومي العربي، ولا عن موقع مصر تحديدًا، فباب المندب هو الامتداد الجنوبي لقناة السويس، وأي وجود معادٍ أو غير منضبط عند هذا المفصل يعني عمليًا إدخال عنصر جديد في معادلة السيطرة على أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، القلق هنا ليس افتراضيًا، بل استراتيجيًا، لأن من يملك القدرة على التأثير في المضيق يملك قدرة ضمنية على الضغط على القناة.
في الخلاصة، ما يجري ليس اعترافًا ولا علاقة ثنائية، بل خطوة ضمن مشروع أوسع لإعادة توزيع السيطرة في البحر الأحمر، إسرائيل لا تبحث عن صداقات جديدة، بل عن مواقع متقدمة، ولا تسعى إلى شرعية دولية، بل إلى قدرة على التحكم والردع والمساومة، إنها سياسة تُدار من الأطراف، تُستثمر فيها الكيانات الهشة، وتُعاد فيها كتابة الخرائط بصمت.
وحين تصبح الجغرافيا أداة سياسة، فإن الصمت العربي لا يكون حيادًا، بل فراغًا يُملأ، وما يُرسم اليوم عند باب المندب قد لا يظهر أثره غدًا، لكنه سيُترجم لاحقًا اختلالًا عميقًا في ميزان الإقليم، في زمن لم تعد فيه الحروب تُعلن، بل تُبنى بهدوء على سواحل بعيدة.