خربة يانون.. تهجير قسري تحت سيف التهديد

بعد سنوات من الصمود في بيته وأرضه في خربة يانون، لم يجد راشد مرار مفرا من الرحيل هربا بعائلته من بطش عصابات المستوطنين المنفلتين من كل عِقال، لتكون آخر العائلات رحيلا عن الخربة، بعد اشتداد اعتداءات المستوطنين وتهديداتهم.

وبحالة نفسية وصحية صعبة، غادر مرار منزله في منطقة يانون الفوقا، التابعة لبلدة عقربا جنوب شرق نابلس، بعد أن أمهلهم المستوطنون حتى مساء الأحد 28 ديسمبر/ كانون الأول، لينتقل مُكرها إلى منطقة يانون التحتا، ليبقى قريبا من بيته الذي نشأ وعاش فيه حياته.

وبرحيل عائلة مرار، خلت الخربة من سكانها الأصليين الذين صمدوا فيها حتى آخر رمق، ولم يتخلّوا عنها رغم قسوة الظروف والتهديد اليومي الذي عاشوه أيّامًا وسنين.

وبعد الرحيل القسري لأهالي يانون، أخليت المدرسة الوحيدة من محتوياتها، وساد الصمت في ساحاتها، وأُغلقت أبوابها، وبقيت الجدران شاهدة على أيامٍ انتهت فجأة.

رحيل مؤلم

الناشط يوسف ديرية من سكان بلدة عقربا والذي كان على تماس يومي مع أهالي خربة يانون، بحكم عمله كضابط إسعاف، شعر بغصّة في قلبه وهو يشهد رحيل الأهالي عن الخربة.

وقال لـ“وكالة سند للأنباء”: “والله إنّ القلب ليعتصر ألمًا من مشهد اليوم؛ فما بُني بصبر السنين يُهدم في لحظة، ليبقى وجعٌ لا يُنسى”.

وأضاف: “ها هي خربة يانون تُفرَّغ بعد سنوات من الصمود والتهديد اليومي، كان الله في عون أهلها الذين صمدوا حتى اليوم”.

 

وأشار ديرية إلى أن يانون تعرضت في الأسبوع الأخير لاعتداءات متواصلة من جانب المستوطنين، والذين سيطروا على أحد المنازل الخالية فيها، وحرثوا الأراضي المتبقية في سهل يانون.

وأضاف أن المستوطنين أغلقوا الطريق المؤدية إلى الخربة بواسطة بوابة حديدية، ليمنعوا الأهالي من العودة إليها،

ولم تستطع الطواقم الصحفية من الوصول للخربة، وحتى رئيس بلدية عقربا حاول الوصول فمنعوه، وعندما حاولت طواقم البلدية الوصول إلى عائلة مرار لمساعدتها، اعتدى عليهم المستوطنون.

وقال: “توجهنا كطاقم إسعاف لنقل حالة مرضية طارئة، فتم احتجازنا وتفتيشنا وحاولوا منعنا من الدخول”.

كما تم الاعتداء على الأهالي، وطردهم من الخربة، ما أجبرهم أخيرا على النزوح عنها إلى يانون التحتا وبلدة عقربا.

وأكد أن إحدى عصابات المستوطنين من مجموعة “فتية التلال” الإرهابية تضم حوالي 15 شخصا، تتنقل بين يانون، وكركفة، وعقربا، والمجدل، ودوما، وطانا وغيرها، وفي كل منطقة يصلون إليها يرتكبون فيها اعتداء.

الاقتلاع من الجذور

وتقع يانون الفوقا في منطقة مصنفة “ج” إلى الشمال الشرقي من بلدة عقربا، ويعتمد سكانها بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي.

أما يانون التحتا، فتقع في المنطقة المصنفة “ب”، وتعيش فيها حاليا عشرات العائلات، ومع ذلك فهي تتعرض أيضا لضغوط متواصلة من المستوطنين في محاولة لتهجير سكانها، وسط مخاوف من تكرار ما حدث في يانون الفوقا.

وتقع خربة يانون على مقربة من مستوطنة “إيتمار” التي تجثم منذ ثمانينات القرن الماضي على أراضي قرى نابلس الشرقية، وطوال تلك السنوات لم يتوقف مستوطنوها عن مضايقة أهالي الخربة والاعتداء عليهم، سعيا لطردهم من بيوتهم والاستيلاء على أراضيهم.

وتعرضت يانون الفوقا لسياسات تهجير ممنهجة على مدى سنوات طويلة، انتهت بإفراغها بالكامل مع نهاية العام 2025.

فبعد أن كان يقطنها نحو 300 نسمة في عام 2000، أخذ هذا العدد بالتراجع تدريجيا بفعل اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، والتي تصاعدت بشكل ملحوظ بالتزامن مع حرب الإبادة في قطاع غزة، ونتيجة لذلك بدأت العائلات بالرحيل تباعًا، إلى أن بقي فيها خمس عائلات هذا العام.

ضوء أحمر

وتضم خربة يانون منازل مبنية من الحجر وقائمة منذ سنوات طويلة، وهي ليست تجمعًا من الخيام أو البيوت المتنقلة، ويشعل تهجير سكانها منها ضوءا أحمر باعتباره أول تجمع سكاني من المنازل المبنية في الضفة الغربية يتم تهجيره بالكامل.

ويقول رئيس بلدية عقربا صلاح الدين جابر، إن ما حدث من تهجير لخربة يانون لم يكن وليدة حدث طارئ، بل كان نتيجة لسنوات طويلة ومريرة من المضايقات والحصار والعزل، قوبلت بعزيمة وصبر وصمود لعدد قليل من العائلات التي وقفت في وجه الظلم في أكثر الظروف حساسية وتعقيدا.

وأشار جابر، في حديثه لـ“وكالة سند للأنباء”، إلى أن اعتداءات الاحتلال والمستوطنين ضد أهالي يانون تكثفت على مدار العامين الأخيرين، ووصل الأمر إلى حراثة كافة السهول ومنع وصول المواطنين من عقربا إلى يانون.

وأضاف: “خلال العامين الماضيين مُنع أهالي الخربة من الوصول إلى أشجار الزيتون وإلى السهول الزراعية والمناطق الرعوية، وعانوا من التفتيش اليومي المهين عند الدخول أو الخروج من الخربة، فضلا عن المضايقات الليلية من الجيش والمستوطنين للتضييق على الأسر”.

وأوضح أنه في ظل العزل التام للخربة عن محيطها الجغرافي وعن عقربا، تم الاستفراد بهذه الأسر وتخويفها وترويعها بشكل دائم، بهدف تهجيرها.

ويؤكد جابر ضرورة أن يقف الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية، وإنقاذ ما تبقى من يانون، بتحويل ما يحدث من تهجير إلى حالة من العمل، وتقديم كل الدعم اللازم وفي كافة المجالات لتثبيت المواطنين في أراضيهم وبيوتهم.

disqus comments here