فريد زكريا: الاندثار الحضاري الغربي الحقيقي يحدث في أمريكا وليس في أوروبا كما يزعم ترامب

حذر الكاتب والمذيع الأمريكي البارز فريد زكريا من أنه عكس ما يروجه ترامب ومن معه عن أوروبا فإن “الاندثار الحضاري الحقيقي يحدث بأمريكا”. وقال زكريا في مقال له بهذا العنوان في صحيفة “واشنطن بوست” إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشخصيات بارزة من حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” (ماغا) دأبت على الزعم أن الغرب مهدد بـ”الاندثار الحضاري” وحمّلت المسؤولية لأوروبا سبب نهجها في قضايا الهوية والهجرة.

لكن زكريا يدحض ذلك التصور ويؤكد أن ما يميز الغرب لا يكمن في التلاحم القبلي أو الديني وإنما في تقييد سلطة الدولة وتكريس حقوق المواطنين واستقلال القضاء وقدسية الملكية الخاصة، وبفضل ذلك تحققت الديمقراطية والازدهار والاستقرار.

وشدد الكاتب على أن سياسات إدارة ترمب الحالية تقوّض تلك الأسس، واستشهد بعدة عناصر بينها مقتل شخصين في مدينة مينيابوليس (ولاية مينيسوتا) كانا يمارسان حقوقهما بموجب التعديل الأول للدستور، وممارسات ضباط فدراليين يعتقلون الناس دون أوامر قضائية وهو ما اعتبره تجسيدا لشرطة استبدادية، وسلطة دولة غير مقيدة.

ومن الدلائل الأخرى على تقويض سمة الغرب، في نظر زكريا، الحرب التي تشنها إدارة ترمب على المجتمع المدني ووسائل الإعلام والجامعات والمؤسسات غير الحكومية ومكاتب المحاماة وحتى الشركات الخاصة، وذلك وفق نموذج يشبه ما يجري في المجر وروسيا، حسب قوله.

إدارة ترمب تتحدث عن “الغرب” كما لو كان متحفا تراثيا وعبارة عن رموز وشعارات وهوية. ويؤكد الكاتب أن عبقرية الغرب الحقيقية تكمن في مؤسساته المتجسدة في قانون يسري على الجميع

وفي المجال الاقتصادي، أشار زكريا إلى أن إدارة ترامب تعمل على توسيع سلطة الدولة ليس بترسيخ القواعد، بل بصناعة الصفقات وفق نسق يُستدعى فيه رؤساء الشركات للبيت الأبيض للمعاقبة أو المكافأة، وبذلك يتوقف النظام الرأسمالي عن كونه ساحة تنافسية ويصبح شبيها لنظام المحسوبية.

وجدد زكريا الانتقاد لإدارة ترمب التي تتحدث عن “الغرب” كما لو كان متحفا تراثيا وعبارة عن رموز وشعارات وهوية. ويؤكد الكاتب أن عبقرية الغرب الحقيقية تكمن في مؤسساته المتجسدة في قانون يسري على الجميع، وحرية يحميها قادة مقيدون بضوابط القانون ومجتمع مدني قادر على معارضة الدولة.

ويمضي زكريا في انتقاد تصور إدارة ترمب ويقول إن الغرب ليس سلالة بالدم وإنما هو عقد مبني على سلطة مقيدة وحقوق محمية وبالتالي فإن أكبر تهديد للغرب، في نظره، هو توسيع سلطة الدولة، بحيث يصبح الغرب مثل أي مجتمع آخر يسيطر فيه الأقوياء على الضعفاء.

وخلص زكريا إلى أنه وجود “اندثار حضاري” حقيقي، لكن ليس في أوروبا وإنما في الولايات المتحدة التي توغل حكومتها تدريجيا في ممارسة سلطة غير محدودة، بينما يمضي الشعب في التعايش مع تلك السلطة.

وقبل نحو أسبوعين أكد زكريا في عموده بصحيفة “واشنطن بوست” الذي عنونه بـ”عقيدة ترامب هي لنجعل أمريكا أصغر مرة أخرى” أنه عكس شعارها المزعوم “لنجعل أمريكا أعظم مرة أخرى” فإن عقيدة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياستها الخارجية تختزل دور الولايات المتحدة من قوة عالمية إلى مجرد قوة إقليمية، في توجه يمكن تلخيصه في شعار “لنجعل أمريكا أصغر مرة أخرى”.

واعتبر الكاتب المعروف بكتبه وبرنامجه الشهير في “سي أن أن” أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة تنتقد عقودا من الانخراط الأمريكي العالمي، وتدعو إلى تضييق تعريف المصالح الأمريكية وحصرها أساسا في نصف الكرة الغربي، مستحضرة عقيدة مونرو بصيغة حديثة.

واعتبر زكريا أن هذا المنطق يبدو ظاهريا معقولا، ولكنه يتجاهل كون الولايات المتحدة اليوم هي أقوى دولة في التاريخ، وأن نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري يجعل انكفاءها على “فنائها الخلفي” أمرا مستحيلا إلا بكلفة باهظة عليها وعلى النظام الدولي.

وأشار إلى أن الظروف التي نشأ فيها مبدأ مونرو في القرن التاسع عشر كانت تخص دولة صغيرة محدودة الإمكانات، لا عملاقا عالميا مترابط المصالح مع أوروبا وآسيا أكثر بكثير من أمريكا اللاتينية.

disqus comments here