«E1»حين يُعبَّد طريق الضم وتُدفن الدولة الفلسطينية

لا يمكن التعامل مع الإخطار الإسرائيلي بالشروع العملي في تنفيذ مشروع «E1» الاستيطاني بوصفه خطوة تقنية أو إجراءً إدارياً عابراً. ما يجري هو إعلان صريح عن انتقال المشروع الاستعماري الصهيوني إلى مرحلة الحسم، حيث لم تعد إسرائيل تكتفي بفرض الوقائع على الأرض، بل باتت تسعى إلى تثبيتها نهائياً، وإغلاق أي أفق سياسي يمكن أن يقود، ولو نظرياً، إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة. خلف الاسم المخادع «نسيج الحياة» تُنفَّذ واحدة من أخطر عمليات الضم الزاحف، تستهدف قلب الجغرافيا الفلسطينية، وتعزل القدس المحتلة، وتحوّل الضفة الغربية إلى فضاء ممزق بلا مركز ولا تواصل.

إن الربط الجغرافي الكامل بين مستوطنة «معاليه أدوميم» والقدس لا يعني مجرد توسّع استيطاني جديد، بل يعني شطر الضفة الغربية إلى كيانين منفصلين، شمال بلا امتداد طبيعي نحو الجنوب، وجنوب مقطوع عن شماله، في عملية تفكيك ممنهجة لوحدة الأرض الفلسطينية. عند هذه النقطة تحديداً، يفقد الحديث عن «حل الدولتين» أي مضمون واقعي، ويتحوّل إلى لازمة دبلوماسية فارغة، لا تصمد أمام الخرائط ولا أمام الجرافات.

الطريق الذي تُسوّقه دولة الاحتلال باعتباره مشروعاً يخدم الفلسطينيين، ليس سوى تجسيد فجّ لنظام فصل عنصري متكامل الأركان. الفلسطيني يُدفع إلى مسارات تحت الأرض، محاصَراً بالأنفاق والكاميرات والحواجز، فيما يُمنح المستوطن شبكة طرق سطحية مفتوحة، سريعة وآمنة. ليست هذه هندسة مرورية، بل هندسة سيطرة، تعيد تعريف الحياة ذاتها: حياة كاملة ومرئية للمستوطن، وحياة مُدارة ومخفية للفلسطيني، تُختصر في تصاريح ومسارات قسرية، ويُدفع وجوده إلى الهوامش، كأنه طارئ على أرض لم تكن يوماً له.

ويتكامل هذا المشروع مع سياسة تطهير عرقي صامتة تستهدف التجمعات البدوية الفلسطينية في محيط «E1»، من جبل البابا إلى وادي الجمل ومشارف العيزرية. العزل الجغرافي، وإخطارات الهدم، والتهديد الدائم بالإخلاء القسري، ليست أدوات أمنية كما تدّعي إسرائيل، بل وسائل اقتلاع ممنهجة، تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، وإزالة «العائق البشري» أمام التمدد الاستيطاني. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الفلسطيني بوصفه إنساناً له حق الحياة والكرامة، بل كعقبة يجب تجاوزها أو إزاحتها.

وتبلغ فجاجة المشهد ذروتها حين يُموَّل هذا المشروع الاستيطاني من أموال الفلسطينيين أنفسهم، عبر قرصنة أموال المقاصة المحتجزة. أن تُستخدم أموال الشعب الواقع تحت الاحتلال لشق طريق يخدم المستوطنين، ويقوّض مستقبله الوطني، هو التعبير الأكثر كثافة عن طبيعة هذا الاحتلال: نهب الأرض، وسرقة المال، وإعادة توظيفهما معاً ضد أصحاب الحق. أما الغلاف «الإنساني» أو «التحسيني» الذي يُقدَّم للمشروع، فلا يصمد أمام الوقائع ولا أمام الخرائط التي تكشف جوهره الاستعماري.

إن المضي في تنفيذ «E1» يشكّل إعلاناً عملياً، وإن غير مكتوب، عن نهاية الدولة الفلسطينية كما جرى تسويقها منذ اتفاق أوسلو. فالدولة التي تُسلَب عاصمتها، وتُقطّع أوصالها، وتُجرَّد من السيطرة على أرضها وحدودها، ليست دولة، بل كيان إداري هش، خاضع لمنطق الأبارتهايد، ومصمم ليبقى معتمدًا على إرادة المحتل. عند هذه المرحلة، لم يعد الصراع يدور حول «حل سياسي» غامض، بل حول حقوق وطنية كاملة في مواجهة نظام استعماري عنصري يسعى إلى تثبيت سيادته بالقوة.

ورغم خطورة هذه اللحظة، يواصل المجتمع الدولي لعب دور المتفرج القَلِق، مكتفياً ببيانات الشجب والتحذير، دون فرض أي كلفة سياسية أو قانونية على دولة الاحتلال. هذا الصمت، هو ما يمنح إسرائيل الثقة للمضي قدمًا، ويحوّل القانون الدولي إلى نص بلا أسنان، والشرعية الدولية إلى ديكور يُستحضر عند الحاجة ويُهمل عند الفعل.

في مواجهة هذا الواقع، يتضح أن الرهان على الوعود الأمريكية أو على إعادة تدوير «العملية السياسية» هو رهان خاسر. فالطريق الذي يُشق اليوم في «E1» لا يقود إلى السلام، بل إلى تكريس الضم ونظام الفصل العنصري. ومن هنا، فإن استعادة زمام المبادرة الوطنية، وبناء وحدة فلسطينية حقيقية، وصياغة استراتيجية مواجهة شاملة—سياسياً وشعبياً وقانونياً لم تعد ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل شرطاً وجودياً

 «E1» ليس مجرد طريق إسفلتي، بل مسار سياسي يرسم مستقبل الصراع. فإما أن يُترك ليغتال حلم الدولة الفلسطينية بصمت، أو يُواجَه بإرادة شعب يرفض أن يُدفن تحت الأرض، أو أن يُختصر وجوده في نفق، بينما يُسرق فوقه الوطن

disqus comments here