استقالة فريق من هيومن رايتس ووتش بعد حجب تقرير عن حق اللاجئين الفلسطينيين
واشنطن: أعلن موظفان في منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، يشكّلان كامل فريق المنظمة المعني بإسرائيل وفلسطين، استقالتهما من منصبيهما، وذلك بعد أن قامت قيادة المنظمة بحجب تقرير خلُص إلى أن حرمان إسرائيل للاجئين الفلسطينيين من حق العودة يُعد “جريمة ضد الإنسانية”.
وفي رسالتي استقالة منفصلتين حصلت عليهما مجلة Jewish Currents، قال عمر شاكر، رئيس الفريق منذ نحو عشر سنوات، وميلينا أنصاري، الباحثة المساعدة في الفريق، إن قرار القيادة سحب التقرير قبل موعد نشره المقرر في 4 ديسمبر شكّل خروجًا عن إجراءات المراجعة والموافقة المعتادة داخل المنظمة، ودليلًا على أن الإدارة تضع الخوف من التداعيات السياسية فوق الالتزام بالقانون الدولي.
وكتب شاكر في رسالة استقالته:
«لقد فقدت ثقتي في نزاهة الطريقة التي نعمل بها وفي التزامنا بالتقارير المبدئية القائمة على الوقائع وتطبيق القانون. وبناءً على ذلك، لم أعد قادرًا على تمثيل أو العمل لصالح هيومن رايتس ووتش».
وأضاف أن المنظمة بدت مستعدة للتراجع عن تقرير “مكتمل وجاهز للنشر” بسبب حساسية موضوع حق العودة، رغم أن مفاهيم مثل الفصل العنصري والإبادة والتطهير العرقي أصبحت تُناقش اليوم على نطاق واسع في سياق سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين.
موقف إدارة المنظمة
من جانبها، قالت هيومن رايتس ووتش في بيان إن التقرير “يثير قضايا قانونية معقدة”، وإن بعض جوانبه “تحتاج إلى تعزيز الأساس البحثي والقانوني بما يتماشى مع المعايير العالية للمنظمة”. وأوضحت أن نشر التقرير “تم تعليقه مؤقتًا بانتظار المزيد من التحليل والبحث”.
أما المدير التنفيذي الجديد للمنظمة، فيليب بولوبون، فأكد في رسالة داخلية للموظفين أن الخلاف “لا يتعلق من حيث المبدأ بحق العودة”، وأن المنظمة “ما زالت ملتزمة بحق العودة لجميع الفلسطينيين”، واعتبر ما جرى “خلافًا مهنيًا حسن النية حول قضايا قانونية معقدة”.
مضمون التقرير المرفوض
التقرير غير المنشور، الذي حمل عنوان:
«أرواحنا في البيوت التي تركناها: حرمان إسرائيل للفلسطينيين من حق العودة كجريمة ضد الإنسانية»،
يقع في 33 صفحة، وبدأ العمل عليه في يناير 2025.
وخلص التقرير إلى أن سياسة إسرائيل المستمرة في منع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم منذ عامي 1948 و1967 تندرج ضمن جريمة ضد الإنسانية تُعرف في القانون الدولي باسم “الأفعال اللاإنسانية الأخرى”، وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
واستند التقرير إلى سابقة قانونية صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية عام 2018، اعتبرت أن منع عودة لاجئي الروهينغا إلى ميانمار يمكن أن يشكّل جريمة ضد الإنسانية.
أسباب الخلاف
بحسب شاكر وأنصاري، فإن القيادة خافت من أن يُفهم التقرير على أنه يهدد “الطابع اليهودي الديمغرافي لإسرائيل”، كما أبدت قلقًا من أن ربط القضية بالمحكمة الجنائية الدولية قد يعرّض المنظمة لضغوط سياسية، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية على المحكمة.
ورغم أن التقرير مرّ بمراجعة ثمانية أقسام داخل المنظمة، وجرى اعتماده نهائيًا للنشر، إلا أن القيادة قررت في اللحظات الأخيرة تجميده، ثم طالبت بحصر نطاقه فقط في الفلسطينيين الذين نزحوا منذ عام 2023 من غزة والضفة الغربية، وهو ما رفضه شاكر واعتبره تشويهًا للنتائج الأساسية.
ردود داخل المنظمة
أكثر من 200 موظف في هيومن رايتس ووتش وقّعوا رسالة احتجاج داخلية اعتبروا فيها أن تجميد التقرير “يقوّض مصداقية المنظمة” ويخلق سابقة خطيرة بتدخل الإدارة السياسية في نتائج البحث الحقوقي.
التداعيات المحتملة
يرى ناشطون فلسطينيون أن ما جرى قد يؤدي إلى إعادة تقييم العلاقة بين المجتمع المدني الفلسطيني وهيومن رايتس ووتش، معتبرين أن إدخال الاعتبارات السياسية في نشر التقارير الحقوقية يضرب مبدأ الاستقلالية.
ومن المرجح أن تمتد تداعيات حجب التقرير إلى ما هو أبعد من هيومن رايتس ووتش. فقد قال عباي عبودي، عضو اللجنة التوجيهية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، إن منظمات المجتمع المدني الفلسطيني ستعيد النظر في علاقتها بالمنظمة. وأضاف أن «تقارير هيومن رايتس ووتش تصبح موضع شك إذا دخلت الاعتبارات السياسية في قرار نشرها».
واختتم شاكر بالقول إن العالم «بحاجة إلى هيومن رايتس ووتش قوية»، لكنه بات يشك في قدرة المنظمة على الوفاء بتفويضها، خاصة فيما يتعلق بفلسطين، معتبرًا أن طريقة تعامل القيادة الجديدة مع التقرير قوّضت الثقة بنزاهة عملية المراجعة والبحث.