الإصلاح السياسي والدستوري الفلسطيني في سياق التحرر الوطني وإعادة بناء النظام السياسي

تقدم دراسة «الإصلاح السياسي والدستوري الفلسطيني في سياق التحرر الوطني وإعادة بناء النظام السياسي»، الصادرة عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات – «ملف»، إعداد علي فيصل نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، رمزي رباح عضو المكتب السياسي للجبهة، قراءة سياسية ودستورية في مشاريع الإصلاح المطروحة حالياً، وفي مقدمتها مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين، ومشروع قانون الأحزاب السياسية، ومشروع انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وتنطلق الدراسة من أن هذه المشاريع لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد تعديلات قانونية أو ترتيبات إدارية، لأنها تمس بصورة مباشرة مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وطبيعة العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين والسلطة الوطنية، ومستقبل التمثيل الوطني، في ظل استمرار الاحتلال والانقسام وتعطل المؤسسات.

وتؤكد الدراسة أن خصوصية الحالة الفلسطينية تفرض مقاربة مختلفة للإصلاح الدستوري والسياسي عن تلك المعتمدة في الدول المستقلة. ففلسطين لا تزال خاضعة للاحتلال، ولا تملك سيادة فعلية على الأرض والحدود والموارد، كما أن الانقسام السياسي وتعطل عدد من المؤسسات التمثيلية أضعفا الشرعية الدستورية وأوجدا أزمة في التمثيل. ولذلك، فإن الإصلاح لا ينبغي أن ينفصل عن مشروع التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال، بل يجب أن يكون جزءاً منه، وألا يتحول إلى أداة لإدارة واقع الاحتلال أو لإضفاء طابع دستوري على مرحلة انتقالية مفتوحة.

وفي هذا السياق، تناقش الدراسة مسألة الدستور المؤقت، وترى أن الإشكالية لا تكمن في فكرة تطوير البناء الدستوري بحد ذاتها، وإنما في توقيت ذلك والظروف السياسية والقانونية المحيطة به. فالدستور الدائم، وفق التجارب التاريخية لحركات التحرر، يأتي عادة تتويجاً لقيام الدولة واستكمال السيادة، ولا يستطيع أن يعوض غياب السيادة أو ينشئ الدولة بحد ذاته. كما أن استمرار الانقسام وغياب الانتخابات العامة يحولان دون توفر سلطة تأسيسية منتخبة تمثل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول شرعية إقرار دستور جديد.

وعليه، تخلص الدراسة إلى أن القانون الأساسي الفلسطيني ينبغي أن يبقى الإطار الدستوري المؤقت الناظم لعمل السلطات العامة، مع إمكانية إدخال التعديلات الضرورية بالتوافق الوطني، إلى حين توافر الشروط السياسية والدستورية اللازمة لوضع دستور دائم يصدر عن سلطة تأسيسية منتخبة. وتؤكد أن الأولوية الوطنية يجب أن تبقى إنهاء الاحتلال وتجسيد السيادة، لا تحويل الدستور إلى وسيلة لإدارة واقع الاحتلال.

وتحتل منظمة التحرير الفلسطينية موقعًا محورياً في الرؤية التي تقدمها الدراسة؛ إذ تؤكد أنها المرجعية الوطنية العليا والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وصاحبة الولاية السياسية والتمثيلية على الفلسطينيين في الوطن والشتات. ومن ثم، فإن أي إصلاح دستوري أو إعادة تنظيم للنظام السياسي يجب أن يحافظ على مكانة المنظمة، وأن ينظم العلاقة بينها وبين دولة فلسطين والسلطة الوطنية على أساس التكامل الوظيفي لا الاستبدال أو الإحلال، بما يحافظ على وحدة التمثيل الوطني والحقوق الفلسطينية، وفي مقدمتها حق العودة والتمثيل الدولي والعلاقات الخارجية.

أما فيما يتعلق بـ قانون الأحزاب السياسية، فتلفت الدراسة إلى خصوصية الفصائل الفلسطينية التي نشأت تاريخياً بوصفها حركات تحرر وطني، وليس أحزاباً تتنافس على السلطة داخل دولة مستقلة. ولذلك، فإن إخضاعها بصورة آلية لنموذج قانون الأحزاب المعمول به في الدول المستقلة قد يتجاهل طبيعة المشروع الوطني الفلسطيني. ولا يعني ذلك رفض تنظيم الحياة السياسية أو مبدأ سيادة القانون، بل يستوجب التمييز بين الأحزاب المدنية في الدولة وبين الفصائل التي تشكل مكونات لحركة التحرر الوطني، مع ضمان التعددية والديمقراطية والشفافية والمساءلة، وعدم المساس بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وفق قواعد القانون الدولي.

وتقترح الدراسة، في هذا المجال، إعادة النظر في مشروع قانون الأحزاب بما يراعي هذه الخصوصية، ويضمن استقلال العمل السياسي عن التدخلات والاشتراطات الخارجية، ويخضع القوى السياسية لمبادئ الشفافية وسيادة القانون دون أن يؤدي ذلك إلى إعادة تعريف المشروع الوطني أو إفراغ الفصائل من طبيعتها التحررية.

وتخصص الدراسة القسم الثاني لـ انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، باعتبارها مدخلاً أساسياً لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد الشرعيات، لكنها ترفض اختزالها في الجانب الإجرائي أو الفني. فالانتخابات، في الحالة الفلسطينية، يجب أن تكون جزءاً من مشروع سياسي وطني شامل، يستهدف إنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات، وتجديد شرعية منظمة التحرير، وتعزيز المشاركة الديمقراطية، وليس مجرد وسيلة لتجديد النخب القائمة.

وتؤكد الدراسة أن الانتخابات وحدها لا تعالج أزمة النظام السياسي؛ إذ أظهرت التجارب السابقة أن غياب التوافق حول طبيعة الشراكة السياسية وآليات إدارة الاختلاف يمكن أن يحول نتائج الانتخابات إلى مصدر جديد للصراع الداخلي. ولذلك، فإن نجاح الانتخابات يتطلب رؤية سياسية مشتركة وتوافقاً وطنياً واسعاً يحدد وظيفة المؤسسات المنتخبة، ويضمن أن تكون الشرعية الديمقراطية رافعة للوحدة الوطنية لا عاملاً إضافياً للانقسام.

وفي هذا الإطار، تدعو الدراسة إلى إعادة بناء المجلس الوطني باعتباره مؤسسة جامعة لكل الفلسطينيين، في الداخل والشتات، مع اعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل بوصفه الأكثر ملاءمة لضمان مشاركة مختلف القوى السياسية والاجتماعية. كما تؤكد ضرورة الحفاظ على حضور الشتات، ولا سيما اللاجئين، وعدم السماح لأي إعادة توزيع للتمثيل بإضعاف دورهم في صنع القرار الوطني. وترى أن معالجة بنية المجلس يجب أن تتم من خلال رؤية وطنية شاملة، وليس عبر ترتيبات أحادية قد تثير إشكالات سياسية وقانونية حول شرعيته.

كما تؤكد الدراسة أهمية توسيع المشاركة السياسية، وعدم استخدام شروط الترشح أداة للإقصاء، وتعزيز حضور المرأة والشباب في المؤسسات الوطنية، باعتبار ذلك جزءاً من تجديد الحياة السياسية وإعادة بناء المؤسسات على أسس أكثر تمثيلاً وانفتاحاً.

وتطرح الدراسة كذلك ضرورة الحفاظ على العلاقة التكاملية بين المجلس الوطني والمجلس التشريعي والمؤسسات المنبثقة عن السلطة الوطنية، بما يمنع ازدواجية المرجعيات ويحافظ على وحدة النظام السياسي، مع بقاء منظمة التحرير الإطار الوطني الجامع والمرجعية السياسية العليا.

وتخلص الدراسة إلى أن الإصلاح السياسي والدستوري الفلسطيني لا يمكن أن يكون عملية تقنية منفصلة عن الصراع الوطني. فالمدخل الحقيقي للإصلاح يبدأ بإنهاء الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها على أسس ديمقراطية، وتجديد الشرعيات عبر الانتخابات، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الرقابة والمساءلة، وترسيخ الفصل بين السلطات، وتنظيم العلاقة بين منظمة التحرير ودولة فلسطين والسلطة الوطنية بصورة واضحة ومتكاملة.

والخلاصة المركزية للدراسة أن الإصلاح المطلوب ليس مجرد إصلاح للنصوص، بل إعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني بما يخدم مشروع التحرر الوطني. ومن هنا، ينبغي أن تكون الانتخابات وسيلة لإعادة بناء الوحدة والشرعية، لا غاية بحد ذاتها؛ وأن يكون الدستور تتويجاً لمسار الاستقلال والسيادة، لا أداة لإدارة الاحتلال؛ وأن يكون تنظيم الحياة السياسية مدخلاً لترسيخ التعددية والديمقراطية، لا وسيلة لإعادة تعريف حركة التحرر الوطني وفق نماذج الدول المستقلة.

وبذلك تقترح الدراسة معادلة متكاملة للإصلاح تقوم على: الوحدة الوطنية، وتجديد الشرعية الديمقراطية، وإعادة بناء منظمة التحرير، وضمان التمثيل الشامل للداخل والشتات، واحترام التعددية، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وربط الإصلاح الدستوري والسياسي بمشروع التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال. وفي هذه المعادلة تصبح الديمقراطية والانتخابات وإعادة بناء المؤسسات أدوات لتعزيز القوة الوطنية والصمود، وإحياء المشروع الوطني الفلسطيني، وليس مجرد آليات لإدارة واقع سياسي قائم

 

disqus comments here