الأمم المتحدة أمام "اختبار البقاء": سباق الأمانة العامة ينطلق وسط استقطاب دولي وعجز مالي
نيويورك: تستعد الأمم المتحدة لمرحلة مفصلية في تاريخها مع انطلاق الحراك الدبلوماسي لاختيار الأمين العام التاسع خلفاً لأنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في 31 ديسمبر 2026.
وتأتي هذه "المعركة الانتخابية" في وقت تواجه فيه المنظمة الدولية تساؤلات وجودية حول قدرتها على البقاء كـ "مرجعية عالمية"، وسط تصدع في شرعيتها، وأزمة مالية خانقة، وتحول مجلس الأمن إلى ساحة للصراعات الجيوسياسية المفتوحة.
"أصعب وظيفة في العالم": سياق الأزمة
يشير تقرير نشره موقع "يديعوت أحرنوت" العبري للصحفي دانيال أدلسون، إلى أن المنظمة لم تعد تعاني استقطاباً سياسياً فحسب، بل باتت "منهكة ماليًا" لدرجة العجز عن دفع الرواتب أو تشغيل المقر بكامل طاقته، نتيجة تأخر المساهمات الدولية أو استخدامها كأداة للضغط السياسي.
ويفرض هذا الواقع على الأمين العام المقبل أن يكون "منقذاً إدارياً" قبل أن يكون صانع سلام دولي.
واشنطن و"الفيتو": المفاتيح الحقيقية للقرار
رغم الجلسات العلنية في الجمعية العامة، تظل عملية الاختيار رهينة مجلس الأمن وحق النقض (الفيتو) للدول الخمس الدائمة العضوية.
ويبرز اسم دونالد ترامب كعامل حاسم في هذا السباق؛ إذ يحاول المرشحون تقديم رسائل "مغازلة" للبيت الأبيض تَعِد بالإصلاح البنيوي و"الفعالية مقابل الاستثمار"، لضمان عدم انزلاق المنظمة إلى صدام مباشر مع الممول الأكبر لها.
بورصة الأسماء: كسر "السقف الزجاجي" وحلول التسوية
يتزايد الزخم الدولي للدفع بامرأة لتولي المنصب لأول مرة، ومن أبرز الأسماء المطروحة:
الخيار الاقتصادي: ربيكا غرينسبان (كوستاريكا)، الأمينة العامة لـ "أونكتاد"، والتي تُطرح كمرشحة ذات خلفية اقتصادية ودبلوماسية قوية، رغم التحديات المتعلقة بمواقف منظمتها النقدية تجاه السياسات الإسرائيلية.
الخيار الحقوقي: ميشيل باشيليت (تشيلي)، الرئيسة والمفوضة السامية السابقة، وتُعتبر مرشحة "صدامية" ذات رمزية عالية، لكن سجلها قد يواجه فيتو من قوى كبرى.
خيار "الأزمات الصعبة": رافائيل غروسي (الأرجنتين)، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمتلك خبرة في الملفات النووية الشائكة، لكنه يواجه اتهامات بالانحياز في بعض العواصم.
خيار الإصلاح البنيوي: ماريا فرنندا إسبينوزا (الإكوادور)، التي ترفع شعار "الأمم المتحدة الرشيقة" وتقليص البيروقراطية.
الوجوه الصاعدة والكاريزما: جاسيندا أرديرن (نيوزيلندا) وميا موتلي (باربادوس)، وتبرزان كأيقونات للتغيير والعدالة المناخية، رغم نقص الخبرة الدبلوماسية العميقة في "دهاليز نيويورك".
الحضور اللبناني والإسرائيلي في الحسابات
يبرز اسم الدبلوماسية الإكوادورية من أصل لبناني إيفون باكي، كشخصية تتقاطع علاقاتها بين عواصم العالم وبيروت، مع ميزة إضافية تتمثل في علاقاتها القديمة بترامب.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن إسرائيل تمارس تأثيراً غير مباشر عبر "أثر الدومينو" على القوى الكبرى، حيث يسعى بعض المرشحين لفهم "اتجاه الرياح" الأميركية من بوابة الحليف الأقرب.
الخلاصة: منظمة دولية أم توازن قوى؟
يبقى السؤال الأهم الذي يلوح في أروقة "المبنى الزجاجي": هل سينجح الأمين العام القادم في إقناع الممولين بجدوى المنظمة، أم أن العالم سيكتشف أن الأمم المتحدة باتت مجرد صدى لتوازنات القوة التي لا تعترف إلا بالمال و"الفيتو"؟