قراءة سياسية وقانونية في تعديلات قانون الانتخابات الفلسطينية لعام 2026
تقتضي القراءة الموضوعية للتعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات العامة التمييز بين مستويين مختلفين من التحليل: المستوى الانتخابي التقني، والمستوى السياسي الوطني. فبينما تبدو التعديلات إيجابية في جانبها المتعلق بتطوير النظام الانتخابي وتعزيز التمثيل، فإنها تثير في المقابل جملة من التساؤلات السياسية والمؤسساتية المرتبطة بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني والعلاقة بين مؤسساته الوطنية.
أولًا: البعد التمثيلي والانتخابي
من منظور النظم الانتخابية المقارنة، تحمل التعديلات العديد من المؤشرات الإيجابية التي من شأنها توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز التعددية. فخفض نسبة الحسم إلى 1 % يتيح فرصًا أكبر للقوائم الصغيرة والقوى السياسية الناشئة للوصول إلى المؤسسات المنتخبة، ويحدّ من احتكار التمثيل من قبل القوى الكبرى.
كما أن خفض سن الترشح إلى 23 عامًا يفتح المجال أمام مشاركة أوسع للشباب في الحياة السياسية، في حين يعكس تعزيز تمثيل المرأة توجهًا نحو ترسيخ مبادئ المساواة والشمولية في العملية الديمقراطية.
وعليه، فإن هذه التعديلات تنسجم إلى حد كبير مع مبادئ التمثيل النسبي، وتسهم في جعل النظام الانتخابي الفلسطيني أكثر قدرة على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي القائم داخل المجتمع الفلسطيني.
ثانيًا: إشكالية العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية
على الرغم من الإيجابيات التمثيلية للتعديلات، فإن الإشكالية الأبرز تتعلق بالانعكاسات السياسية والمؤسساتية المترتبة على ربط عضوية المجلس التشريعي بعضوية المجلس الوطني الفلسطيني.
فمنذ إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994، ظل هناك تمييز سياسي وقانوني بين مؤسسات السلطة بوصفها إطارًا إداريًا وحكوميًا مؤقتًا نشأ بموجب اتفاقيات أوسلو لإدارة شؤون الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، وبين منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، داخل الوطن وفي الشتات.
وفي هذا السياق، فإن منح أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين عضوية تلقائية في المجلس الوطني الفلسطيني قد يؤدي عمليًا إلى زيادة نفوذ مؤسسات السلطة داخل البنية التمثيلية لمنظمة التحرير، وتعزيز تأثير نتائج الانتخابات المحلية على تركيبة المؤسسة الوطنية الجامعة.
كما قد يثير ذلك تساؤلات حول مدى الحفاظ على التوازن التاريخي بين تمثيل الفلسطينيين المقيمين في الأراضي الفلسطينية وتمثيل التجمعات الفلسطينية في الخارج، التي تشكل جزءًا أصيلًا من الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
ومن ثم، قد يُنظر إلى هذا التوجه باعتباره انتقالًا تدريجيًا لمركز الثقل السياسي من منظمة التحرير إلى مؤسسات السلطة الفلسطينية، وهو ما يصفه بعض الباحثين بظاهرة "سلطنة" منظمة التحرير، أي إعادة تشكيل أدوارها وهياكلها بما يجعلها أكثر ارتباطًا بمؤسسات السلطة وأولوياتها.
ثالثًا: التعديلات وإشكالية الوفاق الوطني
لا يقتصر نجاح أي إصلاح انتخابي على جودة النصوص القانونية أو عدالة القواعد الإجرائية، وإنما يرتبط أيضًا بمدى توافق القوى السياسية الرئيسية حول هذه الإصلاحات. ومن هذه الزاوية، فإن التعديلات الحالية تواجه تحديًا يتمثل في أنها صدرت بقرار بقانون في ظل غياب مجلس تشريعي قائم، ولم تأتِ نتيجة حوار وطني شامل أو توافق سياسي واسع بين مختلف القوى والفصائل الفلسطينية.
وعليه، فإن هذه التعديلات، رغم قدرتها المحتملة على تعزيز التمثيل الانتخابي، لا تعالج بصورة مباشرة أزمة الانقسام السياسي الفلسطيني، ولا تقدم إطارًا توافقيًا لإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس الشراكة السياسية. فالتمثيل الانتخابي لا يُعد بديلًا عن التوافق الوطني، كما أن توسيع المشاركة في الانتخابات لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق المصالحة الوطنية أو إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية المختلفة.
رابعًا: مستقبل المجلس الوطني الفلسطيني
تثير التعديلات كذلك تساؤلات جوهرية تتعلق بطبيعة المجلس الوطني الفلسطيني وآليات إعادة تشكيله. فقد جرى النظر إلى المجلس الوطني تاريخيًا باعتباره برلمان الشعب الفلسطيني بأسره، بما يشمل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ومخيمات اللجوء والشتات.
ومن ثم، فإن أي تعديل يؤثر في تركيبته أو آليات تشكيله يستدعي نقاشًا وطنيًا واسعًا حول كيفية ضمان التمثيل العادل والشامل لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني. فإعادة بناء المجلس الوطني عبر نتائج انتخابات المجلس التشريعي وحدها قد لا تكون كافية لتحقيق هذا الهدف، ما لم تقترن بآليات تضمن مشاركة الفلسطينيين في الخارج وتمثيلهم بصورة عادلة ومتكافئة.
الخلاصة
يمكن القول إن التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات العامة تمثل خطوة متقدمة على صعيد تطوير النظام الانتخابي الفلسطيني وتعزيز مبادئ التعددية والتمثيل الديمقراطي. غير أن أهميتها السياسية تبقى مرتبطة بالسياق الوطني الأوسع الذي تُطبق فيه. فبينما تسهم هذه التعديلات في توسيع قاعدة المشاركة السياسية، فإنها لا تقدم بمفردها حلًا لإشكالية الوحدة الوطنية، ولا تحسم الجدل القائم حول العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.
لذلك، فإن نجاح هذه الإصلاحات سيظل مرهونًا بقدرتها على الاندماج ضمن مشروع وطني توافقي شامل يهدف إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته التمثيلية على أسس الشراكة الوطنية، بما يحفظ الدور التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية ويضمن تمثيل جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.