قانون انتخابات التشريعي: أسئلة تتجاوز التعديل إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني
أثارت تعديلات الرئيس محمود عباس لقانون الانتخابات العامة نقاشًا سياسيًا وقانونيًا، وسط تباين في المواقف بين من يرى فيها خطوة باتجاه توسيع المشاركة الديمقراطية، ومن يعدُّ إطارًا ناقصًا لا يعالج جوهر الأزمة السياسية الفلسطينية ولا يجيب عن أسئلة التمثيل الوطني وإعادة بناء النظام السياسي.
وأصدر الرئيس عباس، يوم الأحد 16 حزيران/يونيو، قرارًا بقانون أدخل تعديلات على قانون الانتخابات العامة، تضمنت رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وخفض سن الترشح إلى 23 عامًا، إضافة إلى تعزيز تمثيل المرأة عبر اشتراط وجود امرأة واحدة على الأقل ضمن كل ثلاثة مرشحين في القائمة.
"تعديلات شكلية"
وقال الناشط السياسي عمر عساف إن المشهد الانتخابي ما زال يفتقر إلى الوضوح والاستقرار، "فالرئيس أغرق الناس بالمراسيم بشأن الانتخابات وشروطها، لكن من دون بلورة رؤية متكاملة أو مستقرة حول طبيعة النظام السياسي المقبل" وفق قوله.
وأضاف عساف لـ"الترا فلسطين" أن التعديلات الأخيرة، رغم ما تتضمنه من تغييرات تقنية مثل نسبة الحسم وتمثيل المرأة وسن الترشح، تبقى "شكلية في معظمها، ولا تمس جوهر الإشكالية المتعلقة بالتمثيل الوطني وآليات إعادة بناء المؤسسات".
ويرى عساف أن المرجعية الأساسية يجب أن تعود إلى ما تم التوافق عليه في سياق مرسوم 2021، الذي حظي، بحسب قوله، بإجماع وطني واسع، وسُجلت على أساسه مشاركة مرتفعة في التسجيل للانتخابات آنذاك، حيث وصلت نسبة التسجيل إلى 93%، وتقدمت 36 قائمة انتخابية.
وأكد أن العودة إلى تلك القاعدة، مع ضمان احترام نتائج الانتخابات وربطها بانتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، قد تشكل مدخلًا أكثر استقرارًا، خصوصًا إذا اقترنت بإجراء حوار وطني شامل يحدد طبيعة العلاقة بين المجلس الوطني والسلطة ومنظمة التحرير.
ويرفض عساف أي شروط إقصائية في العملية الانتخابية، ويقول إن تخفيف بعض القيود السابقة لا يكفي إذا بقيت هناك شروط سياسية غير متوافق عليها يمكن أن تؤدي إلى تقليص المشاركة أو استبعاد قوى سياسية فاعلة.
ويشدد على أن أي انتخابات لا يمكن أن تنجح دون توافق وطني شامل يسبقها ويحدد قواعدها وآلياتها، بما في ذلك وضع إطار واضح لتمثيل الفلسطينيين في الداخل والخارج.
"ضغط أوروبي"
وبحسب مسؤول فلسطيني تحدث لصحيفة "العربي الجديد"، فإن "هناك ضغوطًا جدية من الأوروبيين على قيادة السلطة الفلسطينية بأنه لا يمكنها إلغاء الانتخابات التشريعية والرئاسية لصالح الذهاب إلى انتخابات مجلس وطني فقط".
وقال المصدر: "لقد نص اتفاق أوسلو على عقد انتخابات للمجلس التشريعي، وهذا ما يستطيع الأوروبيون التدخل عبر الضغط على حكومة الاحتلال الإسرائيلي لعقده، لأنه التزام بحسب الاتفاقية، لكن لا يوجد حديث أو أي التزام حول انتخابات المجلس الوطني".
ورغم أن الرئيس عباس أعلن عقد انتخابات رئاسية مطلع العام المقبل، فإن المسؤول نفسه يعتقد أنه ليس هناك جهوزية سياسية لذلك على المدى المنظور.
وفي مقال لأمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، نُشر قبيل صدور المرسوم الرئاسي، حذّر البرغوثي من أن أي إصلاح لا ينبثق من دوافع وطنية داخلية سيظل رهين الضغوط الخارجية التي وصف معظمها بأنها تستهدف تدجين البنيان الفلسطيني لا تعزيزه.
ودعا البرغوثي، في مقاله الذي نشرته "العربي الجديد"، إلى حوار وطني جامع وعاجل للتوافق على استراتيجية موحدة، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالمراسيم، بل بالتشاور والتوافق كما جرى عام 2021.
إشكالية السلطة ومنظمة التحرير
وقدم أستاذ القانون الدولي في الجامعة العربية الأمريكية، رائد بدوية، قراءة قانونية وسياسية للتعديلات التي قررها الرئيس، رأى فيها جانبًا إيجابيًا يتعلق بتوسيع التمثيل السياسي، لكنه حذر في الوقت ذاته من تداعيات بنيوية على النظام السياسي الفلسطيني.
وفي مقاله الخاص لـ"الترا فلسطين"، يشير بدوية إلى أن خفض نسبة الحسم إلى 1% ورفع تمثيل الشباب والمرأة يمثلان خطوات إيجابية باتجاه تعزيز التعددية السياسية، وجعل النظام الانتخابي أكثر انفتاحًا على قوى جديدة.
غير أن بدوية يركز على إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، موضحًا أن ربط عضوية المجلس التشريعي بعضوية المجلس الوطني قد يؤدي إلى إعادة تشكيل غير متوازن للبنية التمثيلية الفلسطينية، بحيث تصبح مؤسسات السلطة أكثر تأثيرًا في منظمة التحرير، على حساب التمثيل التاريخي لفلسطينيي الشتات.
يقول بدوية إن هذا التحول المحتمل قد يقود إلى ما يسميه بعض الباحثين "سلطنة منظمة التحرير"، أي إعادة إنتاجها ضمن إطار سلطوي أكثر منه إطار حركة تحرر وطني.
ويضيف أن أي إصلاح انتخابي، مهما كان متقدمًا من الناحية الفنية، لا يمكن أن ينجح دون توافق سياسي شامل، مؤكدًا أن إصدار التعديلات بقرار بقانون في ظل غياب مجلس تشريعي قائم يطرح تساؤلات حول شرعيتها السياسية، حتى وإن كانت تستوفي الحد الأدنى من الاعتبارات القانونية.
ويرى بدوية أن التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين لا يكمن فقط في تصميم النظام الانتخابي، بل في القدرة على بناء توافق وطني حول وظيفة الانتخابات نفسها، وعلاقتها بالمشروع الوطني الفلسطيني.
وشدد على أن غياب هذا التوافق قد يجعل الانتخابات، بدلاً من أن تكون مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي، عاملًا إضافيًا لتعميق الانقسام وإعادة إنتاج الأزمات.
"شرط إسرائيلي"
من جهته، يؤكد الباحث والمحلل السياسي هاني المصري، في مقال نشر في صحيفة "العربي الجديد"، أن الرسائل السياسية المرتبطة بالانتخابات لا تنفصل عن السياق الإقليمي والدولي، ولا عن الضغوط التي تمارس على النظام السياسي الفلسطيني.
وأضاف المصري، نقلًا عن مصدر مطلع، أن الاحتلال الإسرائيلي أوصل رسائل واضحة للسلطة الفلسطينية مفادها أن أي انتخابات مقبلة يجب أن تجري وفق تفاهمات سابقة، وبالعودة إلى نموذج انتخابات 2021، بما يعني عمليًا عدم الذهاب إلى صيغة "برلمان دولة فلسطين" أو دستور جديد، بل الاكتفاء بإطار السلطة القائم.
ويرى المصري أن هذا التوجه ساهم في إعادة طرح ملف الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وفي الوقت نفسه أدى إلى تجميد مشاريع سياسية أخرى مثل الدستور الجديد أو قانون الأحزاب.
وأشار إلى أن تخفيف بعض القيود السياسية قد يفتح الباب أمام مشاركة أوسع، لكن الإبقاء على شروط سياسية صارمة قد يدفع أطرافًا فلسطينية إلى المقاطعة، وهو ما ينعكس سلبًا على شرعية أي نتائج انتخابية محتملة.
أما فيما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني، فإن المصري يعتقد أن الإشكالية أعمق بكثير، إذ يرى أن منظمة التحرير ليست مجرد إطار إداري أو مؤسسي، بل هي كيان تاريخي لحركة تحرر وطني يمثّل الفلسطينيين في الداخل والشتات.
ويحذر المصري من أن التعامل مع المنظمة باعتبارها مؤسسة دولة تحت الاحتلال قد يؤدي إلى إعادة إنتاج خلل في التمثيل الوطني، عبر تعزيز دور السلطة على حساب الشتات والمخيمات والجاليات الفلسطينية في الخارج.
ويضيف المصري أن غياب سجل انتخابي للفلسطينيين في الخارج منذ سنوات طويلة يعكس إشكالية بنيوية في تصور العملية الانتخابية، محذرًا من أن اللجوء إلى التعيين بدل الانتخاب قد يقوض أي شرعية ديمقراطية.
وأشار إلى أن نجاح أي عملية انتخابية يتطلب توافقًا وطنيًا شاملًا يحدد وظيفة الانتخابات نفسها، وما إذا كانت أداة للتغيير أم لتكريس الواقع القائم.
وبين هذه القراءات الثلاث، يتضح أن المرسوم الرئاسي بتعديل قانون الانتخابات فتح نقاشًا واسعًا يتجاوز الجانب التقني للتعديلات، ليصل إلى جوهر النظام السياسي الفلسطيني نفسه، بما في ذلك طبيعة التمثيل، وعلاقة الداخل بالخارج، وحدود السلطة ومنظمة التحرير، ومستقبل العملية الديمقراطية في ظل الاحتلال والانقسام.