إعلان سموتريتش إلغاء "اتفاق الخليل".. الضم والتهويد لأغراض انتخابية
أثار إعلان وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش إلغاء بنودٍ من ترتيبات "اتفاق الخليل" موجة إدانات فلسطينية واسعة، وسط تحذيرات من تداعيات الخطوة على الواقع القانوني والسياسي في المدينة التي يسكنها نحو 250 ألف فلسطيني، إلى جانب مئات المستوطنين، ومخاوف من أن يؤدي هذا التطور إلى تغيير جذري في نظام الإدارة المدنية القائم منذ أكثر من ربع قرن.
وقال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن إعلان سموتريتش "غير قانوني ولا يستند لأي شرعية"، مؤكدًا أن ما يجري "محاولة انتخابية لكسب أصوات داخل إسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين".
وأوضح الجعبري لـ"الترا فلسطين" أن بلدية الخليل تعدُّ نفسها صاحبة الولاية الكاملة على المدينة، استنادًا إلى ثلاثة عوامل رئيسية: التاريخ العريق للمدينة كمدينة عربية فلسطينية، وكون بلدية الخليل أقدم من الاحتلال، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها بروتوكول الخليل الموقع عام 1997 برعاية أميركية.
وأكد الجعبري أن بلدية الخليل "لن تتراجع أمام هذه الإجراءات"، وستواصل تقديم خدماتها في جميع أنحاء المدينة، بما فيها البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، مؤكدًا أن الرد سيكون عبر "تعزيز الصمود والبقاء إلى جانب المواطنين".
ودعا الجعبري الحكومة الفلسطينية ووزارة الخارجية إلى تحرك دبلوماسي عاجل، وتكثيف الجهود القانونية والدولية لفضح ما وصفه بـ"الاعتداء الإسرائيلي"، مطالبًا بدعم مالي للبلدية حتى تتمكن من الاستمرار في تقديم خدماتها في ظل الضغوط المتزايدة.
كما دعا الحكومة الفلسطينية إلى عقد اجتماع طارئ في مقر بلدية الخليل، لبحث التداعيات المترتبة على إعلان وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، مؤكدًا أن انعقاد الاجتماع داخل مقر البلدية يحمل رسالة سياسية واضحة.
وقال: "يجب بلورة موقف رسمي موحد وخطة دعم عاجلة لتعزيز صمود الأهالي في البلدة القديمة، وتوفير الدعم المالي والخدماتي اللازم لاستمرار عمل مؤسسات البلدية في مختلف مناطق الخليل".
من جانبه، قال الناشط الحقوقي عيسى عمرو، مؤسس حركة "شباب ضد الاستيطان"، إن إعلان سموتريتش يمثل "تحولًا خطيرًا نحو الضم الفعلي للضفة الغربية"، وليس مجرد تعديل إداري أو قانوني.
وأضاف عمرو لـ"الترا فلسطين" أن الخطوة تهدف إلى تكريس نظام قانوني مزدوج، يتمتع فيه المستوطنون بكامل الحقوق بموجب القانون الإسرائيلي، بينما يُترك الفلسطينيون تحت نظام عسكري تقييدي، وهو "شكل واضح من أشكال الفصل العنصري" وفق وصفه.
وبيّن عمرو أن ما يجري في الخليل لا ينفصل عن سياسة أوسع تستهدف فرض السيادة الإسرائيلية الدائمة على الأراضي المحتلة دون منح الفلسطينيين حقوقهم السياسية والمدنية، محذرًا من أن ذلك قد يمتد إلى مدن أخرى في الضفة الغربية.
وأكد أن استمرار هذه السياسات يشكل خطرًا مباشرًا على مستقبل السكان الفلسطينيين في الخليل واستقرار المنطقة، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة.
الرئاسة: سياسة أحادية الجانب
وأصدرت الرئاسة الفلسطينية بيانًا شديد اللهجة حذّرت فيه من خطورة قرار سموتريتش، مؤكدة أنه "خطوة خطيرة تمس الوضع السياسي والقانوني للمدينة، وانتهاك واضح للاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، بما في ذلك الاتفاقيات ذات الصلة بمدينة الخليل".
ودعت الرئاسة المجتمع الدولي، وخاصة الإدارة الأميركية التي رعت الاتفاق عام 1997، إلى التدخل الفوري لإلزام إسرائيل بالتراجع عن هذه الإجراءات، محذّرة من تداعياتها على مسار العملية السياسية برمتها.
كما شددت على أن هذه الخطوة تأتي في إطار "سياسات أحادية الجانب مرفوضة"، من شأنها تقويض أي فرصة لإحياء حل الدولتين، وزيادة التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
من جهته، وصف محافظ الخليل خالد دودين القرار بأنه "إجراء عدائي وإرهابي"، داعيًا إلى تكثيف الوجود الفلسطيني في البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي لمواجهة ما وصفه بمحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
وأكد أن الخليل ستبقى جزءًا من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن الإجراءات الإسرائيلية لن تغير من واقعها القانوني، مشيرًا إلى أن الموقع مُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
ما هو بروتوكول الخليل؟
ويُعد بروتوكول الخليل 1997 أحد الملحقات الرئيسية لاتفاقية أوسلو، وقد وُقع عام 1997 بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية دولية، بهدف تنظيم الوضع الأمني والإداري في مدينة الخليل.
ونص البروتوكول على تقسيم مدينة الخليل إلى منطقتين رئيسيتين: الأولى تحت الإدارة الفلسطينية المدنية مع بقاء الترتيبات الأمنية الإسرائيلية في مناطق محددة، والثانية تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية خاصة داخل البلدة القديمة ومحيطها، حيث يتركز الوجود الاستيطاني.
ومنذ توقيعه، بقي البروتوكول موضع جدل واسع، خصوصًا مع استمرار التوسع الاستيطاني وفرض القيود على حركة الفلسطينيين في قلب المدينة، إلى جانب التوتر المستمر بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين.
ويرى مراقبون أن إعلان سموتريتش لا يمكن فصله عن السياق السياسي الداخلي في إسرائيل، حيث يُتَّهم باستخدام ملف الضفة الغربية، خصوصًا الخليل، لتعزيز موقعه السياسي في الحكومة والشارع الإسرائيلي.
وتحذر جهات فلسطينية من أن أي تغيير في الوضع القائم قد يؤدي إلى تصعيد ميداني في مدينة تشهد أصلًا احتكاكات يومية، وقد يفتح الباب أمام إعادة صياغة كاملة للترتيبات المدنية في الضفة الغربية.
كما يثير الإعلان مخاوف من أن يتحول نموذج الخليل إلى سابقة يتم تعميمها في مناطق أخرى، ما قد يفاقم التوتر السياسي والأمني ويزيد من عزلة الفلسطينيين في مدن الضفة.
وأعلن سموتريتش، صباح الثلاثاء، أنه أمر بسحب صلاحيات بلدية الخليل الفلسطينية الخاصة بالتخطيط المدني والبناء المنصوص عليها في اتفاق الخليل لعام 1997.
وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، فإن المجلس الأعلى للتخطيط في الضفة الغربية المحتلة صادق على قرارات تُجرِّد بلدية الخليل الفلسطينية من صلاحياتها في هذه المناطق.
وكان سموتريتش قد صرح، يوم الأحد الماضي، بأن "الوقت حان للحسم أيضًا في الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها حتى قبل موعد الانتخابات".