بشارة مرجية - مصور ومونتير فيلم الانتفاضة المغيبة

دور المونتيرفني المونتاجدور بالغ الحيوية  في السينما الوثائقية  .  بحيث أنه ،على قدر  ذكائه الفني، وكيفية استثماره ما للصورة من سلطة  ،  يتوفق في نقض التعاقد '' الوهمي'' المبرم  لا شكليا بين المخرج -  بصفته حامل رؤية سينمائية لتيمة الفيلم - و بين عموم  جمهوريعتقد أن ما يتلقاه ،  عبارة عن شريط يعرض الواقع كما هو.والحال أن حقيقة ما تجري مشاهدته، ليس بالنهاية سوى، صيغة من  صيغ الواقع كما عدلها  تدخل المنتير/المونتاج، بعد الإستغناء عن كل اما يفيض عن الكادرمن مشاهد و صور. فالمشاهد - بالمعنى العام- لا يفكر أو يستحضر الأدوات امتوسلة لصناعة ما  يتواثر على مرأى من  بصره من صور،  بنفس قدر تفكيره في ما يشاهده من قصة بصرية ، وسرد بصري من شأنه خلخلة التلقي عبر بإحداثه دهشة ماتعة                                                                              

لا محيد لمن شاهد شريط "الانتفاضة المغيبة"  من الوقوف على كيفية انتقاء المونتير لماهو مناسب لسردية متوافق على مقاطعها البصرية  مع المخرج  .أما ما تؤكده مشاهدة الشريط هو أن عملية المونتاج، أثرت الاستعانة بكثير من المواد الارشيفية ، من أشرطة مصورة  تنتمي للحقبة التاريخية(بين 1948 و 1958)  التي اشتغلت الكاميرا على ترتيبها وفق تسلسل ومني ، و بإيقاع درامي.من بداية حظيت  باهتمام الجمهور، و وسط حمل رسالة واضحة، صريحة ، و بعيدة عن أي لبس،إلى نهاية تؤكد ، لم تتجاوزتأكيد محوى الرسالة و استثماره في الاتجاه الايجابي.                                  بدافع كل ذلك، كانت هذه المقابلة السريعة مع بشارة مرجية، مونيتير الفيلم

                                                                

لبيب- كتاب: يعتبر فيلم "الانتفاضة المغيبة" حفرًا في ذاكرة نضال أهالي الناصرة. كيف تعاملت مع ما تم استحضاره من حقائق كاد الجهل بها أن يظل أبديًا؟                            

بشارة مرجية: كل صورة، وكل لقطة، وكل وثيقة كان لها وزنها. لذلك لم يكن الهدف أن نصنع مشاهد جميلة بصريًا فقط، بل أن تخدم الصورة الرواية، وأن تمنح المشاهد فرصة للاقتراب من هذه الذاكرة وكأنه يعيشها                          .
لبيب- كتاب:ألم تشعر في لحظة ما وأنت تنجز مونتاج هذا الفيلم أنك أمام مسؤولية تاريخية، وليس أمام اشتغال مهني مشروط بالكفاءة فحسب؟                           
بشارة مرجية :بالتأكيد. في المونتاج أدركت أن أي قرار، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يؤثر في طريقة فهم الجمهور للقصة. لذلك كنت حريصًا على ألا يفرض المونتاج تفسيرًا معينًا، بل أن يمنح الشهادات مساحتها الطبيعية                                .

أمام عشرات الساعات من التصوير، كان علينا أن نختار ما يخدم الحقيقة، لا ما يخدم الإثارة. هذه كانت المسؤولية الأكبر بالنسبة لي، لأن المونتاج في الفيلم الوثائقي لا يقتصر على ترتيب اللقطات، بل هو بناء للسرد مع الحفاظ على أمانة المادة الأصلية                      

لبيب- كتاب: وقوف الجمهور وتصفيقه بحرارة عند نهاية الشريط مؤشر على عمق السيناريو، والإدارة الجيدة لشهود العيان، واللمسة الفنية لعمليتي التصوير والمونتاج. هل تضع القارئ في صورة سيرورة العمل بينكم كصنّاع لهذا الشريط؟                               

العمل كان جماعيًا وكل مرحلة كانت تُبنى على المرحلة التي قبلها، بشارة مرجية  :في التصوير كنا نناقش معًا شكل كل مقابلة، والإضاءة، وطريقة استخدام الأرشيف، حتى تكون اللغة البصرية منسجمة مع طبيعة الفيلم. وبعد التصوير انتقلنا إلى مرحلة المونتاج، وكانت مرحلة طويلة جدًا، لأننا كنا نراجع المادة باستمرار، ونجرب أكثر من بناء للسرد قبل الوصول إلى النسخة النهائية، أعتقد أن قوة الفيلم جاءت من الحوار الدائم بيننا، ومن أن كل قرار كان يُناقش من أكثر من زاوية قبل اعتماده

لبيب- كتاب: ما نوعية الصعوبات التي واجهتها كمونتير أثناء الاشتغال بجانب ورد جرايسي على فيلم وثائقي تاريخي يستحضر الذاكرة ويوقظ لدى شهود تجاوزوا الثمانين تفاصيل الماضي؟


بشارة مرجية: أكبر تحدٍ كان حجم المادة المصورة وتنوعها. كنا نملك ساعات طويلة من الشهادات، إضافة إلى كمية كبيرة من الصور والوثائق والأرشيف، وكان علينا أن نحافظ على توازن الفيلم دون أن نفقد أي معلومة أساسية

كما أن لكل شاهد طريقته الخاصة في السرد، وكان من المهم الحفاظ على شخصيته وأسلوبه، وفي الوقت نفسه بناء إيقاع يجعل الفيلم متماسكًا ومفهومًا للمشاهد

 

هذا النوع من الأفلام يحتاج إلى كثير من الصبر، لأن المونتاج لا يعتمد فقط على المهارة التقنية، بل على الإنصات للمادة، وفهمها، وإعطائها الوقت الكافي حتى تصل إلى شكلها الصحيح

                                                

disqus comments here