عين على السينما الفلسطينية
عن مشروع رواية للإنتاج السينمائي”، يحضر الشريط الفلسطيني المطول فعاليات مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي. تجربة تحتفي بالسينما و السينمائيين تنهي بهذه الدورة موسمها السابع. في أجواء هذا المهرجان ، تم القاء بورد جرايسي و ببشارة مرجية ، اللذان يشاركان إلى جانب عدد من السينمائيين العرب و المغاربة .سيعرض المخرج الفلسطيني ورد جرايسي أول منجزه السينمائيله، و الذي هو عبارة عن شؤيط وثائقي مطول أمام جمهور مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي ، الذي سيغطي بفعالياته الفترة من 17 إلى 24 يوليوز 2026.
يندرج شريط “ الانتفاضة المغيبة “ ضمن السينما الوثائقية ، التي بختارها المخرجين الشباب ، إعمالا لما من شأنه العمل على نفظ الغبار، وبعث نور الضوء إلى العثمة ،و لتحريك الماء الراكد حول ما هو مغمور من تاريخ قضية ما
ستشهد الدورة السابعة مشاركة تسعة و عشرون فيلما، منها سبعة عشرة شريطا قصـير،و حضورا مغربيا ممثلا بشريط “النمل “ للمخرج ياسين فنان ، و “بحيرة الغرباء “ لسالم بلال.
أثمر اللقاء أمام قاعة مسرح عبد الصمد الكنفاوي ، مكان عرض الشريط القادم من فلسطن، مقابلة مع ضيفا المهرجان الاستثائيان : ورد جرايسي المخرج الفلسطيني ،و بشارة مرجية واضع مونتاج هذا الشريط الفلسطيني
المخرج الفلسطيني ورد جرايسي
لبيب- كتاب:كيف جاء ورد جرايسي للسينما ؟
ورد جرايسي: لم أصل إلى السينما لأنني حلمت بأن أصبح مخرجًا منذ الطفولة، بل لأنني كنت أبحث عن أفضل وسيلة لسرد القصص. بدأت من التصميم والصورة والإنتاج البصري، لكنني شعرت مع
الوقت أن كل هذه الأدوات وحدها لا تكفي. السينما تمنحك الوقت والمساحة لتغوص في الإنسان، وفي الذاكرة، وفي التفاصيل التي لا تستطيع الفنون الأخرى احتواءها بالطريقة نفسها. بالنسبة لي، السينما ليست ترفًا فنيًا، بل مسؤولية تجاه القصص التي قد تضيع إذا لم تُروَى
لبيب- كتاب:هل اختيارك لها على غيرها من أشكال الفن مجرد ميل حسي أولي، أم أنه اختيار وظيفي مسنود بخلفية ثقافية؟
ورد جرايسي: أعتقد أن السينما بالنسبة لي بدأت بالشغف، لكنها استمرت بالقناعة. نحن نعيش في منطقة تُكتب فيها الروايات باستمرار، لكن ليس جميعها يكتبه أصحابها. لذلك أصبحت أرى السينما كوسيلة للمساهمة في كتابة روايتنا بأنفسنا، بعيدًا عن الشعارات، ومن خلال الإنسان العادي وتجربته اليومية. ما يهمني هو أن يخرج المشاهد وهو يشعر أنه تعرّف إلى أشخاص حقيقيين، وليس فقط إلى حدث تاريخي.
لبيب- كتاب: ماذا تقصد بقولك أشخاص حقيقيين ؟
ورد جرايسي : أقصد أشخاصا عاشوا التجربة لا شخصيات تستخدم لتوضيح فكرة مسبقة. فالبنسبة لي، كل شاهد في الفيلم ليس مجرد مصدر للمعلومة، بل إنسان يحمل ذاكرة كاملة. إنسان له خوفه، وفرحه، و تناقضاته ،وطريقته الخاصة في تذكر الاحاث واستحضارها. أحيانا ،نقرأُ التاريخ من خلال الاحداث السياسية و القادة، لكنني مؤمن بأن التاريح الحقيقي يكتب أيضا من خلال الناس العاديين. فهؤلاء ،هم الذين عاشوا الحدث ،ودفعوا ثمنه. ولذلك أردت أن يكونوا هم من يرون قصتهم ، بدل أن أتحدث أنا بأسمهم.
لبيب- كتاب: أين تضع شريط “الانتفاضة المغيبة” ضمن اشتغالك بالسينما؟
ورد جرايسي: هو البداية، لكنه ليس مجرد الفيلم الأول. هذا العمل شكّل هويتي السينمائية. من خلاله اكتشفت نوع السينما الذي أريد أن أصنعه؛ سينما تعتمد على البحث الطويل، وعلى الوثيقة، وعلى الشهادة الإنسانية، وعلى إعادة فتح ملفات ظنّ الناس أنها أُغلقت. إذا كان هناك شيء أفتخر به، فهو أن هذا الفيلم لم يبحث عن قصة سهلة، بل اختار قصة كانت تنتظر من يذهب إليها.
لبيب- كتاب: ما الذي يجعل القصص التي تستهويك مغمورة لهذا الحد ؟
ورد جرايسي: ربما لانني أؤمن أن أكثر القصص أهمية ،ليست ذائما هي الأكثر شهرة. هناك صفحات كثيرة .هناك صفحات كاملة من تاريخنا لم يجري إخائها بسبب عدم أهميتها ،و إنما لأنها لم يجد بعد من يبحث عنها، و يمنحها الوقت الكافي.أشعر بمسؤولية أتجاه هذه القصص المنسية.عندما أكتشف أن هناك حدثا غير حياة مجتمع عن كامله ،ومع ذلك لا يعلم بذلك الكثيرون ، اشعر أن هذه ليست مجرد قصة ، و إنما أمانة عليَّ تبليغها. ما يجذبني هو القصص التي مازالت تنظر من يصغى إليها قبل أن تضيع مع أصحابها.
لبيب- كتاب:كيف تشكل الفريق الأساسي للفيلم، وما الذي جمعك بالباحثة وكاتبة السيناريو نادرة أبو دبي سعدي، وبشارة مرجية مدير التصوير والمونتير؟
ورد جرايسي: منذ البداية كنت مؤمنًا أن هذا الفيلم لا يمكن أن يُبنى برؤية شخص واحد، لأننا نتعامل مع ذاكرة جماعية، لا مع حدث عابر.
أنا بدأت رحلة البحث، واخترت الشخصيات التي ستظهر في الفيلم، لكن عندما انضمت نادرة أبو دبي سعدي إلى المشروع، دخلنا في مرحلة مختلفة تمامًا. لم يكن دورها كتابة السيناريو فقط، بل خاضت بحثًا تاريخيًا عميقًا، وعادت إلى الوثائق والمراجع والشهادات، وكانت تطرح الأسئلة باستمرار: ما الذي نريد أن نقوله؟ وما الذي يجب أن يبقى خارج الفيلم؟ هذا النقاش هو الذي منح السيناريو عمقه، وجعل الفيلم لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يبحث في معناها.
أما بشارة مرجية، فلم يكن مجرد مدير تصوير أو مونتير. كان شريكًا في صياغة الفيلم منذ اليوم الأول. أثناء التصوير كنا نفكر معًا كيف نحترم ذاكرة الأشخاص بصريًا، وكيف نجعل الصورة تحمل جزءًا من الرواية، لا أن تكتفي بمرافقتها. وفي غرفة المونتاج، أعتقد أن الفيلم وُلد من جديد. عشرات الساعات من الشهادات والأرشيف كان علينا أن نحولها إلى تجربة إنسانية متماسكة، وهنا كان لبشارة دور محوري في بناء الإيقاع واللغة السينمائية للفيلم.
في النهاية، ربما تظهر الأسماء في التترات / العناوين، كأدوار مختلفة، لكن الحقيقة أن الفيلم كان حوارًا مستمرًا بيننا نحن الثلاثة. كل واحد منا جاء من خلفية مختلفة؛ البحث، والصورة، والإخراج، لكننا كنا نلتقي دائمًا عند سؤال واحد: كيف نروي هذه الذاكرة بأكبر قدر من الصدق وترسيخ هذه الذاكرة .
لبيب- كتاب:يرتبط تيمة الشريط بسنة 1948… فما هي الغاية من استحضار هذه المرحلة؟
ورد جرايسي: الفيلم ينطلق من عام 1948 لأنه المرجع الأساسي لفهم كل ما حدث لاحقًا. لا يمكن أن نفهم انتفاضة عام 1958 دون أن نفهم ما عاشه الفلسطينيون الذين بقوا في وطنهم بعد النكبة، وكيف فُرض عليهم الحكم العسكري، وكيف عاشوا عشر سنوات من الخوف والعزل والسيطرة، إلى أن جاء عام 1958 وانكسر هذا الصمت .
لكن الفيلم لا يكتفي بسرد الانتفاضة نفسها، بل يحاول أن يجيب عن سؤال: كيف وصلنا إليها؟
كما أنه يكشف تفاصيل وقصصًا لم تُروَ من قبل، ويقدم صورًا ووثائق وأرشيفات تُعرض للمرة الأولى. أحد أجمل الاكتشافات خلال رحلة البحث كان أننا وجدنا أرشيفًا فلسطينيًا غنيًا جدًا، لكنه بقي مخفيًا داخل بيوت العائلات لعشرات السنين. الوصول إلى هذه المواد منح الفيلم قيمة توثيقية كبيرة، وأعاد إلى الضوء ذاكرة بصرية اعتقد كثيرون أنها فُقدت.
لبيب- كتاب: ما الذي أحدثه لذيكم كتشاف هذه الوثائق والمستندات، وما الذي أضافته لتصورك الاولي للفيلم ؟
ورد جرايسي:في البداية كنت أعتقد أننا نصنع فيلما يعتمد أساسا على الىشهادات الشفوية ،لكن يقدر ما كنا نتعمق في البحث ، نكتشف أن الذاكرة الفلسطينية لا تعيش فقط في الروايات ، بل في الصور و الوثائق ،و الارشيفات التي احتفظت بها العائلات في بيوتها طيلة عقود من الزمن. هذا الإكتشاف غير تصورنا للفيلم بالكامل.لم تعد الشهادات وحدها هي التي تحكي، بل أصبحت الصورة جزء من السرد أيضا. الأجمل ، أن كثيرا من هذه المواد تعرض للمرة الأولى أمام الجمهور .هذا ما أصبغ على الفيلم قيمة توثيقية كبيرة . لأنه لم يستعد الذاكرة عبر الكلام فقط،لأنه استعادها بالصور الحية أيضا.
لبيب- كتاب: تشارك اليوم في الدورة السابعة من مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي
ورد جرايسي: السينما الفلسطينية كانت وما زالت حاضرة بقوة في المهرجانات العربية والعالمية، ويشرفني أن أكون جزءًا من هذا الامتداد. بالنسبة لي، المشاركة في المسابقة الرسمية بهذا الفيلم الأول مسؤولية كبيرة، خصوصًا أنني أمثل قصة فلسطينية محلية جدًا، لكنها تحمل في الوقت نفسه أسئلة إنسانية بوسع أي جمهور دون عسر، أو أن تشكل عليه تفاصيلها الملموسة
لبيب- كتاب: ما هو أفق انتظارك لما بعد عرض الفيلم؟
ورد جرايسي: أنتظر أن يخرج الجمهور وهو يدرك أن هناك تاريخًا كاملًا بقي بعيدًا عن الضوء، وأتطلع أيضًا إلى سماع قراءة الجمهور المغربي والعربي للفيلم، لأنني مؤمن بأن لكل جمهور زاوية مختلفة يقرأ منها العمل، وهذا ما يجعل المهرجانات مساحة حقيقية للحوار .
لبيب- كتاب: اين تموقع نفسك بين التفسير و التغيير كفاعل عبر السينما ، و مناضل بالكاميرا ؟
ورد جرايسي: أنا، لآ أصف نفسي بالمناضل ، لكنني أومن أن كل فيلم أصنعه هو شكل من أشكال النضال الثقافي . أنا أناضل بالكاميرا من أجل حماية الذاكرة ، و من أجل أن تبقى قصصنا حاضرة ،و أن نكون نحن من نرويها بأصواتنا. بالنسبة لي، النضال عبر السينما لا يتحقق بالشعارات، بل بالبحث الجاد، او احترام الحقيقة، و بإعطاء من عاشوا التاريخ من الناس الفرصة ليكونوا أصحاب الرواية. فإذا نجح فيلم “الانتفاضة المغيبة “ في حفظ ولو جزء من هذه الذاكرة ، و لو استطاعت مشاهدته فتح نقاش حول هذه الذاكرة ، سوا يكون شعوري أني قمت بجزء مما هو من مسؤوليتي ، كفاعل عن طريق السيينما.
لبيب- كتاب: هل هناك شيء لم أسألك عنه وتود التعبير عنه؟
ورد جرايسي: أود فقط أن أقول إن هذا الفيلم لم يصنع لكي يبقى داخل فلسطين، بل ليخرج منها أيضًا. لأن الذاكرة عندما تُشارك، تصبح أقوى. وأتمنى أن يشجع هذا العمل باحثين وصناع أفلام آخرين على العودة إلى القصص المنسية، فلدينا تاريخ مليء بالحكايات التي لم تُروَ بعد، وربما تنتظر فقط من يمنحها الوقت والإيمان اللازمين لتصل إلى الناس .