ترامب يحاول التهرب من ظل إبستين ويعانق “المسيح” …بين صناعة صورة “المخلّص” ومحاولة محو تاريخه
في مشهد لا يخلو من التناقض، يعود دونالد ترامب إلى إثارة الجدل، ليس فقط عبر مواقفه السياسية، بل من خلال توظيفه المتكرر للرموز الدينية، هذه المرة بنشر صورة يظهر فيها وكأنه يعانق السيد المسيح. غير أن هذا الاستدعاء للمقدّس يطرح تساؤلات أعمق، خاصة حين يُقرأ في سياق الصورة العامة للرجل، التي لطالما أُحيطت بعلاقات مثيرة للجدل، من بينها صداقته السابقة مع جيفري إبستين، ما يفتح باب التساؤل حول حدود التناقض بين السيرة الشخصية ومحاولات إعادة تشكيل الصورة عبر الرمزية الدينية.
وتُظهر الصورة -التي أعاد ترمب نشرها على حسابه بمنصته “تروث سوشال”- ترمب وعيناه مغمضتان، ويلامس جبينه جبين “السيد المسيح” وهو يقف في وضع مشابه. وفي الخلفية علم أمريكي. وترافق المنشور الأصلي مع تعليق تضمن عبارة “ربما يستخدم الرب ورقته الرابحة!”.
وأضاف ترمب في منشوره “قد لا يعجب هذا المجانين اليساريين المتطرفين، لكنني أعتقد أنه لطيف جدا!!!”.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن طبيعة الخطاب الشعبوي الذي يعتمد على الإثارة وكسر المألوف، حيث يتحول الجدل بحد ذاته إلى أداة لتعزيز الحضور والتأثير. غير أن توظيف الرموز الدينية يختلف عن غيره، إذ يتجاوز حدود السياسة إلى المساس بمعتقدات راسخة، ما يفتح الباب أمام انتقادات أخلاقية وثقافية، وليس فقط سياسية.
التناقض يزداد وضوحًا عند النظر إلى العلاقة المتوترة بين ترامب وقيادة الكنيسة الكاثوليكية، حيث وجّه انتقادات مباشرة إلى البابا، في وقت يُفترض فيه أن يكون استدعاء الرموز الدينية مدخلًا للتقارب لا التصعيد. هذا التباين بين الخطاب والممارسة يعكس إشكالية أعمق تتعلق باستخدام الدين كأداة سياسية انتقائية، تُستحضر حين تخدم الرسالة، وتُهمّش حين تتعارض معها.
وكانت الصور والتصريحات التي نشرها دونالد ترامب، والتي بدا فيها وكأنه يشبّه نفسه بـالسيد المسيح، موجة واسعة من الانتقادات على المستويين السياسي والديني. واعتبر منتقدون أن هذا السلوك يتجاوز حدود الخطاب السياسي التقليدي، ويدخل في دائرة توظيف الرموز المقدسة بطريقة تُعد مستفزة لمشاعر المؤمنين، خاصة في الأوساط المسيحية.
رجال دين ومعلقون رأوا في هذا التشبيه نوعًا من “تقديس الذات” أو محاولة لإضفاء هالة دينية على شخصية سياسية مثيرة للجدل، معتبرين أن استحضار شخصية المسيح، بما تمثله من رمزية روحية عميقة، لا يمكن فصله عن سياق التواضع والتضحية، وهي قيم تتناقض – بحسب منتقديه – مع الخطاب السياسي الشعبوي القائم على الاستقطاب وإثارة الجدل.
كما أشار منتقدون إلى أن هذه الخطوة تعكس توجّهًا متكررًا لدى ترامب في استخدام الرمزية القوية لشدّ الانتباه، حتى وإن كان ذلك على حساب حساسية القضايا الدينية. واعتبروا أن تحويل شخصية دينية مركزية إلى أداة في الصراع السياسي يفتح الباب أمام تسييس الدين بشكل فج، ويؤدي إلى تعميق الانقسامات بدلًا من تقريب وجهات النظر.
وفي السياق ذاته، لفتت بعض الأصوات إلى التناقض بين هذه الصورة الرمزية وبين مواقف ترامب السياسية، وعلاقاته السابقة المثيرة للجدل، ما جعل من هذه الخطوة مادة إضافية للنقد، ليس فقط من خصومه، بل أيضًا من داخل بعض الأوساط المحافظة التي رأت فيها تجاوزًا غير مبرر للحدود الأخلاقية والدينية.
في المحصلة، لم تُقرأ هذه الواقعة باعتبارها مجرد منشور عابر على وسائل التواصل، بل كجزء من نمط أوسع في الخطاب السياسي، حيث تُستخدم الرموز الكبرى – الدينية منها خصوصًا – كأدوات للتأثير، حتى وإن كان ذلك يثير موجات من الجدل والرفض.