تقرير: تعثر الإعمار وتجميد "مجلس السلام" يمنحان حماس فرصة لترسيخ سلطتها
واشنطن: أكد تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" أن الانفجار العسكري بين إسرائيل وإيران، الذي بدأ في 28 فبراير الماضي، أحدث ارتدادات عنيفة في قطاع غزة، مجهضاً مؤشرات انفراجة إنسانية هشة ومجمداً تفاهمات دولية طموحة لإدارة القطاع وإعادة إعماره.
ويرى تقرير صحيفة واشنطن بوست أن التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران ألقى بظلاله مباشرة على قطاع غزة، حيث توقفت الجهود الدولية لإعادة الإعمار وتعطلت الترتيبات السياسية لإدارة القطاع، بينما بدأت حركة حماس بإعادة ترسيخ حضورها الإداري والأمني في مناطق عدة، مستفيدة من تراجع الاهتمام الدولي بالملف الغزّي.
ويشير التقرير إلى أن قطاع غزة كان قد بدأ يشهد مؤشرات محدودة على تحسن الأوضاع الإنسانية خلال الأشهر الأخيرة، بعد خمسة أشهر من وقف إطلاق نار هش خفّف نسبياً من وتيرة الضربات العسكرية الإسرائيلية.
فقد ازدادت كميات المساعدات الغذائية التي تدخل القطاع، وبدأت أسعار بعض السلع الأساسية بالانخفاض مقارنة بالفترة التي عانى فيها السكان من نقص حاد في الغذاء. كما تمكنت بعض العائلات من الحصول على وجبتين صغيرتين يومياً بفضل زيادة المساعدات، وفق تقديرات برنامج الأغذية العالمي.
كما أعاد فتح معبر رفح جزئياً في الثاني من فبراير قدراً محدوداً من الأمل لسكان القطاع، إذ تمكن مئات المرضى الفلسطينيين من مغادرة غزة لتلقي العلاج في الخارج بعد سنوات من الإغلاق.
وكان آلاف المرضى ينتظرون دورهم للسفر، في ظل حقيقة أن نصف مستشفيات القطاع فقط ما يزال يعمل بشكل جزئي بعد سنوات من الحرب والقصف.
لكن هذه المؤشرات الهشة سرعان ما تعرضت لانتكاسة حادة مع اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران في 28 فبراير، حين بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية واسعة داخل إيران.
فمع بداية تلك العمليات العسكرية أغلقت إسرائيل المعابر المؤدية إلى قطاع غزة مجدداً لأسباب أمنية، ما أدى إلى توقف دخول شاحنات المساعدات وإمدادات الغذاء، إضافة إلى وقف خروج المرضى والجرحى.
وقد انعكس ذلك سريعاً على الأوضاع داخل القطاع، حيث تحدث السكان عن موجة شراء بدافع الذعر وارتفاع سريع في الأسعار، بينما حذرت منظمات الإغاثة من أن مخزوناتها الغذائية محدودة للغاية ولا تكفي لفترات طويلة في حال استمرار إغلاق المعابر.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 1.5 مليون شخص في غزة ما زالوا معرضين لخطر انعدام الأمن الغذائي الحاد، رغم التراجع النسبي في مستويات المجاعة التي سجلت خلال العام الماضي.
وبالتوازي مع هذه التطورات الإنسانية، تعطلت أيضاً الجهود السياسية الدولية المتعلقة بمستقبل إدارة قطاع غزة.
فقد كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد استضاف في واشنطن، قبل أيام قليلة من بدء الضربات على إيران، الاجتماع الافتتاحي لما يعرف بـ«مجلس السلام»، وهو إطار دولي اقترحته الإدارة الأميركية للإشراف على إعادة إعمار غزة وإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع.
وخلال ذلك الاجتماع تعهدت تسع دول بتقديم نحو سبعة مليارات دولار لتمويل إعادة الإعمار، كما أعلنت خمس دول استعدادها للمشاركة بقوات ضمن قوة استقرار دولية يفترض أن تنتشر في غزة مستقبلاً. كما طرحت خطة لإنشاء لجنة فلسطينية تكنوقراطية مكونة من خمسة عشر عضواً لتولي إدارة القطاع مؤقتاً.
غير أن الحرب على إيران أدت عملياً إلى تجميد هذه المسارات. فقد تعطلت المشاورات السياسية وتوقفت اللقاءات الدبلوماسية، كما تأجلت المحادثات المتعلقة بنزع سلاح حركة حماس بسبب إغلاق المجال الجوي وتعطل حركة السفر في المنطقة.
كما بدأت بعض الدول المشاركة في المبادرة بإعادة تقييم التزاماتها في ظل التوتر الإقليمي المتصاعد والضغوط السياسية الداخلية.
وفي الوقت الذي انشغلت فيه إسرائيل بالتصعيد مع إيران، يشير التقرير إلى أن حركة حماس بدأت تدريجياً إعادة بناء حضورها الإداري والأمني داخل أجزاء من القطاع.
فالحركة أعادت تشغيل بعض مؤسساتها المدنية، بما في ذلك أجهزة الشرطة والمحاكم والإدارات المحلية، في المناطق التي استعادت فيها نفوذها.
كما عادت عناصر الشرطة التابعة للحركة لتنظيم حركة المرور في بعض الشوارع، وبدأت السلطات المحلية المرتبطة بها بإعادة فرض إجراءات تنظيمية مثل إصدار لوحات ترخيص جديدة للمركبات وجمع بعض الرسوم المحلية.
ويرى مراقبون داخل غزة أن هذه الخطوات تعكس محاولة واضحة لإعادة تثبيت سلطة الأمر الواقع للحركة، مستفيدة من حالة الفراغ السياسي وتعثر الجهود الدولية لإيجاد بديل إداري.
في المقابل، يثير هذا الواقع نقاشاً داخل إسرائيل حول المرحلة التالية بعد الحرب مع إيران. فبعض التيارات السياسية اليمينية ترى أن إضعاف إيران قد يفتح المجال لاستئناف العمليات العسكرية في غزة بهدف القضاء الكامل على حركة حماس. لكن خبراء إسرائيليين يحذرون من أن هذا السيناريو قد لا يكون واقعياً، خصوصاً إذا خرجت إسرائيل من الحرب وهي أكثر اعتماداً على الدعم الأميركي.
ويرى بعض المحللين أن ذلك قد يحد من قدرة الحكومة الإسرائيلية على رفض المبادرات السياسية التي تتضمن تقليص الوجود العسكري في غزة ونشر قوة دولية للإشراف على الأمن في القطاع.
وفي ظل هذه المعادلات المتشابكة، يبقى سكان غزة عالقين بين تداعيات الحرب الإقليمية وتعثر جهود إعادة الإعمار. فبينما ينشغل العالم بالصراع الأوسع مع إيران، تتباطأ مشاريع التعافي في القطاع وتتعزز في الوقت نفسه سلطة الأمر الواقع التي تمارسها حركة حماس على الأرض، ما يطرح تساؤلات جديدة حول مستقبل الحكم والاستقرار في غزة خلال المرحلة المقبلة