تقرير: "ديموغرافيا الأعمال في إسرائيل 2024".. آثار الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي
تل أبيب: أصدرت دائرة الإحصاء المركزية، بداية الشهر الحالي، تقريرا حول قطاع الأعمال والمصالح في الاقتصاد الإسرائيلي، والذي شمل معطيات حول عدد المصالح، والمشغلين، ووظائف الأُجراء للعام 2024، وفقا لتقسيمات جغرافية واقتصادية.
ويتضمن التقرير، للمرة الأولى، معطيات عن فتح فروع شبكات التسويق القطرية وإغلاقها حسب المناطق والفروع الاقتصادية، وهو تطور يسمح بفهم أعمق لديناميات النشاط الاقتصادي المحلي، وفقا للمناطق الجغرافية.
سوق العمل عام 2024
على الرغم من استمرار حرب الإبادة على غزة خلال عام 2024، أشار التقرير إلى أن الأثر العام للحرب على مستويات التشغيل الكلي كان محدودًا نسبيًا. إذ انخفض إجمالي وظائف الأُجراء في الاقتصاد بنسبة 0.46% فقط مقارنة بعام 2023. هذا الأثر يُعد أقل بكثير من تأثير جائحة كورونا (2021–2022) على سوق العمل.
القطاعات الأكثر تضررا
مع ذلك، برزت تأثيرات سلبية حادة في قطاعات معينة تأثرت بشكل مباشر بالحرب. إذ انخفض عدد الوظائف في قطاع البناء بنسبة 8.25% مقارنة بعام 2023، وفي فرع الخدمات الإدارية والدعم، انخفض عدد الوظائف بنسبة 7.26%، وفي فرع الزراعة كان انخفاض بنسبة 6.79%.
في المقابل، شهدت قطاعات أخرى نموا في مستويات التشغيل، أبرزها: زيادة عدد الوظائف في فرع الإدارة العامة والأمن 3.77%، وفي قطاع الصحة والرفاه كانت الزيادة بنسبة 3.07%، وفي مجال التعليم بلغت الزيادة 2.33%، وغالبية هذه الزيادة في القطاع العام الحكومي. وهذا يعكس توجّها نحو توسّع التوظيف في القطاعات العامة، والاجتماعية في فترات الأزمات الأمنية، والاقتصادية، خاصة في الفروع التي ارتفع فيها الطلب على الخدمات العامة الحكومية.
التوزيع الجغرافي لوظائف الأُجراء
يبين التقرير وجود تباين في التغيرات بعدد الوظائف وفقا للمناطق الجغرافية، التي تأثرت بدورها بشكل مختلف نتيجة الحرب على غزة، وبعدها الحرب على لبنان، ثم على إيران. فقد تراجع عدد وظائف الأُجراء في منطقة في الشمال بنسبة 3.97%، وفي منطقة حيفا بنسبة 1.94%. ويُرجع التقرير ذلك إلى القصف الصاروخي المكثّف الذي استهدف بلدات الشمال خلال عام 2024، حتى وقف إطلاق النار مع حزب الله في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر. في المقابل كان هناك تحسن في عام 2024 بعدد الوظائف في منطقة الجنوب، إذ بلغت الزيادة 2.26%، ويفسر ذلك بتراجع حدة إطلاق الصواريخ من غزة منذ بداية عام 2024، وتحسن الحالة الاقتصادية في الجنوب، والعودة إلى العمل بشكل تدريجي.
عدد المشغّلين - أصحاب الأعمال
شهد عام 2024، ورغم استمرار حالة الحرب، زيادة طفيفة في عدد المشغّلين الكلي بنسبة 0.49% مقارنة بعام 2023، وهو معطى لافت في سياق أمني، واقتصادي مضطرب. كانت الزيادة الأكبر في عدد المشغلين في مجالي الصحة، والرفاه إذ ارتفعت بنسبة 2.91%، وفي مجال الخدمات المالية، والتأمين بنسبة 2.79%، وفي قطاع البناء بنسبة 2.05%، رغم التراجع في عدد الموظفين كما أشرنا سابقا. هذه الاتجاهات المعاكسة في قطاع البناء تشير إلى زيادة عدد الشركات الصغيرة، أو عدد المقاولين مقابل تقليص العمالة. كما سُجل تراجع في عدد المشغلين في مجال النقل، والتخزين بنسبة 1.90%، وفي مجال الإدارة العامة، والأمن بنسبة 1.69%، والصناعة، والطاقة بنسبة 1.31%.
أما من حيث التوزيع الجغرافي للمشغّلين، فيوضح التقرير وجود زيادة في عدد المشغلين في جميع المناطق، باستثناء منطقة تل أبيب التي انخفض فيها عدد المشغلين بنسبة 0.55%. كانت أعلى زيادة في عدد المشغلين في منطقة الشمال إذ بلغت 2.24%، وفي منطقة القدس بلغت 2.28%. ويمكن تفسير ذلك، مع التراجع في عدد الوظائف في كلا المنطقتين إلى تحول قسم من العاملين كأجراء إلى العمل كمستقلين وأصحاب عمل، وإلى إعادة تموضع جغرافي جزئية للنشاط الاقتصادي بعيدًا عن مركز تل أبيب، ربما نتيجة ارتفاع التكاليف، أو تغيرات في جانب الطلب.
بذلك يمكن القول إن الحرب على غزة، وعلى لبنان لم تؤثر فقط على حجم العمل، والوظائف، ومستويات التشغيل، بل ساهمت أيضا في تغيرات جغرافية الاقتصاد الإسرائيلي، ولو بشكل طفيف، ومؤقت.
دلالات عامة
وفقا لتقرير دائرة الإحصاء المركزية، أظهر سوق العمل في إسرائيل قدرة نسبية على الصمود رغم الحرب، لكن مع تفاوتات قطاعية، وجغرافية حادة. كما وضح أن المناطق الحدودية في الشمال تحملت العبء الأكبر من الخسائر في التشغيل.
وبالإجمال، فإنّ نمو عدد المشغّلين رغم الحرب يشير إلى مرونة تنظيمية، لكن ليس بالضرورة إلى تحسّن نوعي في ظروف العمل.
يقدّم التقرير صورة دقيقة، ومحدّثة لبنية سوق العمل، والأعمال في إسرائيل خلال عام 2024، ويُظهر كيف تتقاطع الحرب، والجغرافيا، والبنية القطاعية في إعادة تشكيل الاقتصاد. ورغم الصمود النسبي، تكشف المعطيات عن مواطن ضعف بنيوية مرشّحة للتفاقم، في حال استمرار عدم الاستقرار الأمني، أو تجدد الحرب.