سمير أبو مدللة لـ "180 تحقيقات": اقتصاد غزة يواجه أسوأ أزمة في تاريخه المعاصر
أكد الأستاذ الدكتور سمير مصطفى سمير أبو مدللة، المحاضر في جامعة الأزهر بغزة وعضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن اقتصاد قطاع غزة يمر اليوم بمرحلة تاريخية حرجة يمكن وصفها بأنها أسوأ أزمة اقتصادية واجتماعية في تاريخه المعاصر.
وأوضح سمير أبو مدللة أن هذا الانهيار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تداخل ثلاثة عوامل مدمرة تتمثل في الحصار طويل الأمد، والدمار الواسع الذي طال البنية التحتية نتيجة العمليات العسكرية المتكررة، والقيود المشددة المفروضة على حركة التجارة والمعابر.
وأشار إلى أن المشهد الحالي يتسم بالانكماش الحاد والانهيار شبه الكامل لكافة الأنشطة الإنتاجية، حيث تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في غزة قد سجل تراجعاً مذهلاً بنسبة 84% خلال عام 2025 مقارنة بفترة ما قبل الحرب، وهو هبوط غير مسبوق عالمياً في اقتصاد يعاني أساساً من حصار خانق.
مؤشرات خطيرة: خسارة عقدين من التنمية وعودة لمستويات أوائل الألفية
واستعرض سمير أبو مدللة في حديثه مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الكارثية التي رافقت هذا الانهيار، حيث قفزت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية تُعد الأعلى على مستوى العالم، مما أدى بدوره إلى اتساع رقعة الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي بين غالبية السكان نتيجة توقف مصادر الدخل وتدمير المنشآت الإنتاجية.
وأضاف أن القدرة الشرائية للسكان تلاشت تقريباً، وانهارت الأسواق المحلية بسبب النقص الحاد في السيولة النقدية والارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن غزة فقدت رسمياً أكثر من عقدين من التنمية الاقتصادية، حيث عاد نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى المستويات التي كانت سائدة في أوائل الألفية الثانية، مما يعني أن اقتصاد القطاع لم يعد يعمل وفق القواعد الطبيعية، بل تحول بالكامل إلى "اقتصاد طوارئ" يقتات على المساعدات الإنسانية الخارجية.
قطاعات الصمود: الزراعة والصيد البحري كاقتصاد للبقاء والمقاومة
ورغم حجم الدمار الهائل، لفت الدكتور سمير أبو مدلله إلى أن بعض القطاعات الاقتصادية لا تزال تحاول الحفاظ على حد أدنى من النشاط، وإن كان ذلك بقدرات محدودة للغاية وضمن إطار "اقتصاد البقاء".
ويأتي القطاع الزراعي في مقدمة هذه القطاعات كونه الأكثر صموداً نسبياً لاعتماده على الإنتاج المحلي، حيث يساهم في توفير فرص عمل لعشرات الآلاف من المزارعين ويشكل مصدراً حيوياً للغذاء، رغم التحديات المتمثلة في تجريف الأراضي وصعوبة الوصول للمناطق الحدودية.
كما أشار إلى قطاع الصيد البحري الذي لا يزال يمثل مصدر دخل لآلاف الأسر رغم التضييقات البحرية والمخاطر الأمنية، بالإضافة إلى بروز المشاريع المنزلية الصغيرة والحرف اليدوية التي اتجه إليها السكان كبديل عن المصانع المتوقفة، فضلاً عن قطاع الخدمات الأساسية الضرورية مثل المخابز والمراكز الصحية التي تعمل بالحد الأدنى.
شلل المعابر وانهيار التجارة الخارجية: تعطيل متعمد لعملية التعافي
وفيما يخص حركة المعابر، أكد سمير أبو مدللة لـ "180 تحقيقات" أن المعابر التجارية هي شريان الحياة الوحيد، وأن القيود المفروضة عليها تسببت في شلل تام للاقتصاد الغزي. وأوضح أن منع دخول المواد الخام والإنشائية أدى إلى توقف آلاف المصانع والورش، ما تسبب في انهيار قطاع التجارة الخارجية وفقدان غزة لأسواقها التصديرية للمنتجات الزراعية والصناعية هذا النقص في الواردات خلق فجوة هائلة بين العرض والطلب، مما أدى إلى تضخم نقدي وتشوه في الأسواق المحلية أرهق كاهل المواطنين.
وشدد على أن عدد الشاحنات التي تدخل حالياً لا يغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات اليومية، مما يعطل بشكل مباشر أي محاولات لإعادة إعمار المنازل المدمرة أو البنية التحتية المتهالكة، ويؤخر فرص التعافي الاقتصادي المنشودة.
خارطة الطريق نحو الإنقاذ: رفع القيود وإعادة الإعمار الشاملة
واختتم سمير أبو مدللة تصريحاته بالتأكيد على أن قطاع غزة يعيش حالة "اقتصاد تحت الحصار والحرب"، حيث تحول النشاط الاقتصادي من الإنتاج إلى مجرد محاولات للبقاء تعتمد على الزراعة الصغيرة والمساعدات.
وحذر من أن استمرار الوضع الراهن سيبقي الاقتصاد عاجزاً عن تحقيق أي نمو حقيقي، مؤكداً أن المخرج الوحيد يتطلب رفعاً فورياً وكاملاً للقيود المفروضة على المعابر، وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة النطاق بدعم دولي، وخلق بيئة سياسية مستقرة تضمن تدفق الاستثمارات وحماية المنشآت الاقتصادية. وبدون هذه الخطوات الجذرية، سيبقى اقتصاد غزة أسيراً للانهيار، مما يهدد بمزيد من الانفجارات الاجتماعية والإنسانية في المستقبل القريب.