صعود اليمين في أمريكا اللاتينية وتحولات فنزويلا…إعادة اصطفاف سياسي يهدد الدعم التقليدي لفلسطين
تشهد أمريكا اللاتينية مرحلة إعادة تشكّل سياسي عميقة، مع صعود متسارع لقوى اليمين في عدد من دولها، في سياق يتداخل فيه العامل الانتخابي مع الضغوط الأمنية والاقتصادية والتدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدور الأميركي المتزايد في القارة. هذا المسار لا ينعكس على التوازنات الداخلية فحسب، بل يمتد ليطال السياسة الخارجية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القضايا التي شكّلت تاريخيًا جزءًا من هوية المنطقة السياسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وتأتي هذه التحولات في ظل بيئة إقليمية مثقلة بالأزمات، حيث تتقدّم ملفات الأمن والجريمة المنظمة والهجرة على حساب القضايا الخارجية، ما يمنح القوى اليمينية فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، حتى وإن كان ذلك على حساب مواقف تضامنية راسخة.
في هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي البرازيلي، سيد ماركوس تينوريو ، إن ما تشهده المنطقة “لا يمكن قراءته كتصحيح انتخابي عابر”، بل هو نتيجة تفاعل عوامل بنيوية، أبرزها التدهور الاقتصادي، وتفاقم انعدام الأمن، واستنزاف شرعية حكومات اليسار، وهي عوامل جرى استثمارها من قبل قوى محافظة منظمة تمتلك شبكات دعم إعلامية وسياسية عابرة للحدود.
وأوضح تينوريو أن صعود اليمين يرتبط بمحاولة أوسع لإعادة فرض نموذج اقتصادي نيوليبرالي بصيغة أكثر تشددًا، تُغلَّف بخطاب القانون والنظام، وتستند إلى تحالفات وثيقة مع رأس المال المالي والإعلام التجاري. ولفت إلى أن هذا التحول ينعكس مباشرة على السياسة الخارجية، عبر إضعاف المواقف المستقلة، وإعادة تعريف الشراكات الدولية على أسس أمنية واقتصادية ضيقة.
الأمن والانتخابات… تغيّر سلّم الأولويات
ويرى تينوريو أن تصدّر قضايا الأمن والجريمة المنظمة والحفاظ على الاستقرار الداخلي النقاش العام في عدد من الدول اللاتينية، أسهم في تراجع الاهتمام بالقضايا الخارجية، حتى تلك التي تمتلك جذورًا تاريخية عميقة مثل فلسطين. ويشير إلى أن الناخبين باتوا يميلون إلى دعم قوى تعدهم بضبط الأوضاع الداخلية، فيما تُصنَّف ملفات السياسة الخارجية كترف سياسي أو عبء ثانوي.
ويضيف أن هذا التحول الداخلي يترافق غالبًا مع إعادة تموضع خارجي، حيث تتجه حكومات يمينية متصاعدة نحو اصطفاف أوضح مع الولايات المتحدة، التي كثّفت في السنوات الأخيرة حضورها السياسي والأمني في القارة، ومع إسرائيل التي تُقدَّم كشريك في مجالات الأمن والتكنولوجيا، ما يفتح الباب أمام تراجع سياسات التضامن التقليدية.
تشيلي كنموذج للصراع السياسي
وتبرز تشيلي بوصفها أحد أوضح الأمثلة على التحول السياسي الجاري في أمريكا اللاتينية. فالدولة التي تمتلك تقليدًا دبلوماسيًا داعمًا لفلسطين شهدت انتقال السلطة إلى اليمين، بعد فوز المرشح خوسيه أنطونيو كاست في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 15 كانون الأول/ديسمبر 2025، متقدمًا في جولة الإعادة على مرشحة ائتلاف اليسار كارولينا خارا، في نتيجة أنهت مرحلة حكم الرئيس غابرييل بوريك.
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي البرازيلي ماركوس تينوريو، فإن عهد بوريك مثّل ذروة التزام تشيلي بسياسة خارجية تستند إلى القانون الدولي، تجلّت في مواقف ناقدة بشدة للسياسات الإسرائيلية، بلغت حد اتخاذ إجراءات دبلوماسية غير مسبوقة عقب حرب غزة، وهو ما جعل تشيلي واحدة من أبرز الأصوات اللاتينية الداعمة لفلسطين في تلك المرحلة.
غير أن فوز كاست أعاد فتح هذا الملف على مصراعيه. فالرئيس المنتخب يُعد من أبرز رموز اليمين المحافظ في تشيلي، ويُعرف بمواقفه الداعمة لإسرائيل، وبانتقاداته العلنية لسياسات بوريك الخارجية، التي وصفها خلال حملته الانتخابية بأنها أيديولوجية وتضر بمصالح البلاد. كما تعهّد بإعادة توجيه السياسة الخارجية وفق مقاربة تضع الاعتبارات الأمنية والاقتصادية في صدارة الأولويات.
وفي هذا السياق، يرى تينوريو أن انتقال السلطة إلى اليمين في تشيلي لا يعني بالضرورة قطيعة فورية مع الإرث الدبلوماسي السابق، لكنه يضعه تحت اختبار حقيقي، في ظل مناخ إقليمي أوسع يشهد صعود قوى سياسية تسعى إلى إعادة تعريف علاقاتها الخارجية بما يتماشى مع أولويات داخلية وضغوط دولية متزايدة.
وتعكس مواقف الجالية الفلسطينية في تشيلي حجم هذا التحدي، إذ سارعت إلى تهنئة الرئيس المنتخب، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على السياسة الخارجية التاريخية للبلاد القائمة على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، في مؤشر إلى إدراك مبكر لحساسية المرحلة المقبلة، ومحاولة لحماية مكتسبات دبلوماسية راكمتها تشيلي على مدى عقود.
ولا يقتصر هذا التحول على تشيلي وحدها، إذ يشمل دولًا أخرى في القارة، من بينها الإكوادور وبوليفيا، ومن قبلهما الأرجنتين. وفي هذا السياق، يشير الكاتب والمحلل السياسي البرازيلي ماركوس تينوريو إلى أن صعود قوى اليمين جاء نتيجة أزمات داخلية متراكمة، في مقدمتها التدهور الأمني والضغوط الاقتصادية، ما أسهم في إعادة ترتيب أولويات الدولة. ففي الإكوادور، لعب تصاعد الجريمة المنظمة دورًا محوريًا في دفع الناخبين نحو خيارات محافظة رفعت شعار “القانون والنظام”، وهو ما انعكس على السياسة الخارجية عبر تعزيز الشراكات الأمنية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، على حساب مساحات التضامن التقليدي مع فلسطين. أما في بوليفيا، فيربط تينوريو التحولات السياسية بتآكل الثقة في الأداء الحكومي والإرهاق الاقتصادي بعد سنوات من الاستقطاب، ما فتح المجال أمام خطاب محافظ يعيد أولوية السوق والاستثمار، ويقود إلى تقليص حضور ملفات التضامن الدولي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ضمن مقاربة براغماتية تقدّم المصالح على الاعتبارات الحقوقية.
من سياسة دولة إلى ورقة انتخابية
وحذّر تينوريو من أن أحد أخطر مفاعيل هذا المسار يتمثل في تحويل دعم فلسطين من سياسة دولة قائمة على مرجعيات القانون الدولي، إلى موقف حزبي قابل للتبدل مع تغيّر موازين القوى. واعتبر أن هذا التحول يجعل القضية الفلسطينية رهينة للاستقطاب الداخلي والدورات الانتخابية، بدل أن تبقى التزامًا مؤسسيًا ثابتًا.
وأشار في المقابل إلى أن هذا التراجع الرسمي لا يعني اختفاء التضامن بالكامل، إذ لا تزال الحركات الاجتماعية والنقابات والجامعات والجاليات الفلسطينية تشكّل رصيدًا ضاغطًا، وإن كان تأثيره محدودًا ما لم يُترجم إلى سياسات رسمية مستقرة.
فنزويلا… الحلقة الأكثر حساسية
في موازاة هذا المشهد، تبرز فنزويلا كإحدى أكثر الساحات حساسية في الصراع الإقليمي. وفي هذا الإطار، قال علي فرحات، المختص في شؤون أمريكا اللاتينية، في حديث لـ”قدس برس”، إن فنزويلا شكّلت خلال السنوات الماضية أحد أبرز الأصوات الإقليمية الداعمة للقضية الفلسطينية والمعادية للكيان الإسرائيلي.
وأوضح فرحات أن الرئيس نيكولاس مادورو لم يكتفِ بالمواقف السياسية، بل ترجمها إلى قرارات عملية، ما منح فنزويلا وزنًا خاصًا في المشهد اللاتيني. واعتبر أن أي تغيير سياسي جذري في كاراكاس، في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة، سيمثّل خسارة مباشرة لفلسطين، عبر إقصاء صوت كان حاضرًا بقوة في إدانة السياسات الإسرائيلية.
وأضاف أن انتقال السلطة إلى قوى معارضة معروفة بقربها من واشنطن سيؤدي، على الأرجح، إلى انقلاب في الموقف الرسمي الفنزويلي، وقد يضع البلاد ضمن محور إقليمي أكثر انسجامًا مع السياسات الأميركية والإسرائيلية، ما يمنح هذا التحول أبعادًا تتجاوز الداخل الفنزويلي.
الضغط الأميركي وسياق إقليمي أوسع
ويضع فرحات هذا السيناريو ضمن سياق إقليمي أوسع، تشهد فيه القارة تركيزًا أميركيًا متزايدًا، يستخدم أدوات سياسية وأمنية واقتصادية للتأثير في مسارات الحكم، خصوصًا في الدول التي لا تزال خارج دائرة الاصطفاف الكامل مع واشنطن. ويرى أن فنزويلا باتت في قلب هذا الصراع، ما يجعل أي تطور سياسي فيها ذا ارتدادات تتجاوز حدودها.
السياسة الرسمية مقابل الوجدان الشعبي
ورغم خطورة التحولات الرسمية، يتقاطع فرحات مع تينوريو في التأكيد على أن القضية الفلسطينية في أمريكا اللاتينية ليست مجرد ملف دبلوماسي، بل قضية وجدانية متجذرة في وعي الشعوب. ويشير إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن الحكومات قد تغيّر سياساتها، لكن المزاج الشعبي غالبًا ما يعيد إنتاج التضامن مع القضايا التي تعكس تجارب مشتركة من التدخل الخارجي والهيمنة ونهب الموارد.
خيارات فلسطينية في مشهد متحوّل
في ضوء هذا الواقع، يؤكد تينوريو أن الدبلوماسية الفلسطينية مطالبة بتجاوز الرهان الحصري على الحكومات، والعمل على مسارات متوازية داخل البرلمانات ومع الرأي العام المنظم، عبر الحركات الاجتماعية والنقابات والجامعات والجاليات. ويرى أن ترسيخ التضامن كقاعدة اجتماعية واسعة يشكّل عامل حماية في مواجهة التحولات الانتخابية ويحدّ من اندفاع مسارات التطبيع.
كما يشدد على أهمية تفعيل المرجعيات القانونية للقانون الدولي، والانتقال من الخطاب السياسي إلى أدوات عملية، بما يرسّخ دعم فلسطين كسياسة دولة لا كموقف ظرفي.
خلاصة المشهد
يعكس صعود اليمين في أمريكا اللاتينية، مقرونًا بالضغوط الأميركية المتزايدة والتطورات الحساسة في فنزويلا، مرحلة إعادة اصطفاف إقليمي تحمل تداعيات مباشرة على موقع القضية الفلسطينية. وبينما تتعرض المواقف الرسمية في بعض الدول للتراجع أو الانقلاب، يبقى الصراع مفتوحًا بين واقع سياسي متغيّر وإرث تاريخي وشعبي يصعب اقتلاعه، ما يجعل مستقبل دعم فلسطين في القارة رهين توازن دقيق بين السياسة والوجدان.
وفي هذا السياق، كانت استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية لعام 2025، الصادرة عن مجلس الأمن القومي الأميركي في4 كانون الأول/ديسمبر 2025، قد أكدت أولوية نصف الكرة الغربي، وأهمية الاستقرار في أمريكا اللاتينية ضمن حسابات الأمن القومي الأميركي، في ظل اعتبارات تتعلق بالهجرة، والجريمة المنظمة، ومنافسة النفوذ الدولي.