صادرات الأسلحة الإسرائيلية في العام 2025 بلغت الذروة بسبب التكنولوجيا العسكرية القاتلة التي استخدمت في حرب الإبادة
ذكرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في الرابع من حزيران/ يونيو 2025 أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية السنوية في عام 2024 قد وصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 14.8 مليار دولار، حيث ستشتري أوروبا 54% من الأسلحة. وأشارت المقالة إلى أن المسؤولين الإسرائيليين كانوا قلقين في السابق من أن حلفاء أوروبا الغربية قد يلغون صفقات الأسلحة أو يفرضون عقوبات على المصنعين الإسرائيليين بسبب حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل في قطاع غزّة. ولكن بمجرد ظهور أرقام الصادرات القياسية، زعمت وزارة الحرب الإسرائيلية علنًا العكس، مدعية أن الحملة العسكرية في قطاع غزة هي التي أدّت إلى ارتفاع الصادرات من خلال إظهار «الإنجازات العملياتية غير المسبوقة» و«الخبرة القتالية» لإسرائيل. وأكد وزير الحرب إسرائيل كاتس، على وجه الخصوص، أن النمو في مبيعات الأسلحة الإسرائيلية كان «نتيجة مباشرة لنجاحات [الجيش الإسرائيلي] … ضد حماس في قطاع غزّة، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، ونظام آية الله في إيران، وفي ساحات أخرى نعمل فيها ضد أعداء إسرائيل».
لم يدلِ كاتس وحده بمثل هذه التصريحات. فمنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، دخلت سردية إسرائيل باعتبارها قوة عظمى في «الابتكار الأمني» —وهي بالفعل سمة أساسية من سمات تمثيل الدولة لذاتها لعقود من الزمن— في حالة من النشاط الزائد مع تواصل الحرب. قالت هاداس لوربر، رئيسة معهد الأبحاث التطبيقية في الذكاء الاصطناعي المسؤول (RAI) في معهد حولون للتكنولوجيا في إسرائيل في نيسان/ أبريل لصحيفة نيويورك تايمز إن إسرائيل انخرطت في حالةٍ من «الابتكار المتسارع في أوقات الأزمات، ومعظمه مدعوم بالذكاء الاصطناعي»، والذي «أدّى إلى تقنيات غيَّرت قواعد اللعبة في ساحة المعركة ومزايا أثبتت أنها حاسمة في القتال». في الشهر نفسه، قال روتيم مي تال، الرئيس التنفيذي لشركة إدارة الأعمال وتكنولوجيا الأسلحة الإسرائيلية روبل إنوفيشنز، لصحيفة جيروزالم بوست إن «الناس قبل الحرب كانوا يبنون تطبيقات للعثور على مواقف للسيارات في تل أبيب… أما الآن فهم يعودون من الخدمة الاحتياطية ويبنون طائرات بدون طيار، وأنظمة دعم ساحة المعركة، وتقنيات للمسعفين». ونتيجة لذلك، أشارت ماي تال إلى أن التمويل الأولي للشركات الناشئة الجديدة في مجال الدفاع وصل إلى 4 ملايين دولار في كل جولة، وكل ذلك بفضل «الابتكار» الذي دفعته الحرب على قطاع غزّة.
ولم يكن الإسرائيليون وحدهم من تقدموا بالادعاء بأن «الابتكار» الإسرائيلي غير المسبوق هو قصة النجاح التي أعقبت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. لقد انتشرت هذه السردية على نطاق واسع حتى أنها تتردد على ألسنة المراسلين الأجانب والشركات والحكومات وحتى منتقدي الدولة. كرر مقال نُشر مؤخرًا في مجلة نيويوركر، على سبيل المثال، فكرة مفادها أن «المختبر الأكثر بروزًا في الوقت الفعلي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب موجود في إسرائيل»، وهو الإطار الذي ينتشر في كل مكان في الصحافة الغربية. وقد ردّد السياسيون الأميركيون هذه النقاط ترديدًا مباشرًا. وقال زاك نون، عضو الكونغرس الجمهوري من ولاية أيوا، مؤخرًا: «لقد شهدنا بعضًا من أفضل الابتكارات القادمة من إسرائيل»، وأضاف نون، الذي يقود حاليًا اقتراحًا في الكونغرس يطالب البنتاغون بفتح مكتب لوحدة الابتكار الدفاعي في إسرائيل، أن الحكومة الأميركية يجب أن تركز على كيفية «محاكاة أفضل التقنيات، وبصراحة أفضل التكتيكات والأساليب والإجراءات التي تختبرها إسرائيل حرفيًا في الميدان الآن» للقوات الأميركية. وقد وَجَدت نسخة من هذا التوصيف قبولًا لدى اليسار أيضًا، حيث زعمت مجموعة من النقاد أن تطوير تقنيات الأسلحة الإسرائيلية المتطورة يشكل سمة مميزة لهذه اللحظة. تُصوِّرُ هذه الحجة قطاع غزّة باعتباره «مختبرًا» للتكنولوجيا القمعية الإسرائيلية؛ فما يتم اختباره أولًا في القطاع، كما يزعم هؤلاء المفكرون، يشقّ طريقه لاحقًا إلى أماكن في الغرب وحول العالم، مما يساعد في إعادة تشكيل الكوكب بأكمله على صورة قطاع غزّة.
ومن المؤكد أن إسرائيل استخدمت التكنولوجيا الجديدة لإحداث تأثير مميت في السنوات القليلة الماضية، حيث نجحت في أتمتة القصف الجوي الشامل تحت ستار الاستهداف الدقيق. ولكن ما يحجبه انتشار مثل هذه الحقائق في سردية «الابتكار الأمني» هو أن التحول التكنولوجي ليس هو القصة وراء الحملات الإسرائيلية الأخيرة. وهذا واضح على نحوٍ خاصٍّ في حالة الإبادة الجماعية في قطاع غزّة. يدرك مرتكبو الإبادة الجماعية دائمًا، من المستوطنين في أميركا الشمالية الذين دمروا قطعان البيسون لتجويع المجتمعات الأصلية إلى الألمان الذين استخدموا انخفاض حرارة الجسم والأمراض والعمل الشاق في معسكرات الاعتقال في ناميبيا، إمكانية ارتكاب الفظائع الجماعية دون الحاجة إلى تقنيات متقدمة للغاية. ولا تختلف إسرائيل في هذا الصدد عنهم، حيث تمزج مجموعة من التكتيكات القديمة والبدائية مثل هدم المباني وهجمات القناصة والنيران والأمراض والتجويع مع القصف الجوي الذي تعتمد فيه على الذكاء الاصطناعي وحرب الطائرات بدون طيار لقتل وتشويه عشرات —إن لم يكن مئات— الآلاف من الفلسطينيين. ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن حرب إسرائيل في لبنان. وقد احتُفي بإسرائيل بسبب تطورها التكنولوجي الذي لا مثيل له، وخاصة بعد هجمات أجهزة النداء [البيجر] في أيلول/ سبتمبر 2024. ولكن من الجدير بالذكر أن حسن نصر الله لم يُقتل بأسلحة جديدة مبتكرة أو حتى إسرائيلية، بل بقنابل «غبية» خارقة للتحصينات من صنع الولايات المتحدة تزن 2000 رطل، والتي سوَّت مبنى سكنيًا بأكمله بالأرض. وفي هذه الحالة، لم يكن ما يلفت الانتباه هو الدقة المتقدمة التي تتمتع بها إسرائيل، بل استعدادها المستمر لاستهداف البنية الأساسية المدنية عمدًا بقوة هائلة وغير متناسبة.
في الواقع، لن تجد جيوش أغلب الدول الحديثة صعوبة في تنفيذ غارات جوية مماثلة على مكان مثل لبنان، الذي يفتقر إلى الدفاعات الجوية، ويمكن لأي دولة تقريبًا أن تفرض حصارًا على المساعدات وتطلق النار على الناس الجائعين في جيب محتل مثل قطاع غزّة. إن ما يمنع الدول الأخرى في نهاية المطاف من القيام بهذه الأمور على مرأى من الجميع، أو لفترات طويلة من الزمن وبمثل هذه الكثافة، ليس الافتقار إلى البراعة التكنولوجية، بل نقص الأسلحة والتمويل والإرادة السياسية. إذا نظرنا إلى الأمور بهذه الطريقة، يصبح من الواضح أن «الابتكار» الحقيقي لإسرائيل في هذه اللحظة هو سياسي: إنجاز تأمين الوصول الاستثنائي إلى إمدادات لا نهاية لها من الأسلحة الغربية، والمعلومات الاستخباراتية، والأهم من ذلك كله، الدعم السياسي، ومنحها كل هذا قدرة تدميرية قد تكون غير مسبوقة حقًّا في التاريخ الحديث.
تعدّ إسرائيل أكبر متلقٍّ تراكمي للمساعدات الأميركية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حصلت على مبلغ مرتفعٍ للغاية يبلغ قدره 174 مليار دولار على شكل مساعدات ثنائية أميركية وتمويل عسكري منذ تأسيسها. وفي العامين الماضيين وحدهما، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 30 مليار دولار على العمليات العسكرية لدعم إسرائيل، ما مكّنها من شراء مجموعة من الذخائر المصنعة في الولايات المتحدة، بما في ذلك القنابل والألغام والبنادق والمتفجرات وأجزاء الطائرات. هذه الأسلحة وأجزاء الأسلحة الأميركية هي التي شكّلت الركيزة الأساسية التي تقوم عليها القوة العسكرية الإسرائيلية المزعومة. وكما يشير الباحث في دراسات الصراعات طارق دعنا، فإن «دبابة ميركاڤا الإسرائيلية المصممة محليًا ظاهريًا تتضمن مكونات رئيسة مصنوعة في الولايات المتحدة مثل المحرك وناقل الحركة وأنظمة التحكم في إطلاق النار»، وهذا يعني أن إسرائيل لا تستطيع الحفاظ على برنامج ميركاڤا من دون دعم الولايات المتحدة. وعلى نحو مماثل، لا يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية التي سهلت الإبادة الجماعية في قطاع غزّة أن تعمل بدون رأس المال الأجنبي والمساعدة من الشركات الأميركية مثل غوغل وأمازون ومايكروسوفت وديل. كشفت تقارير حديثة أن الوحدة 8200 في الجيش الإسرائيلي —والتي سلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء عليها بسبب عمليات الاغتيال المبتكرة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي— اعتمدت في الواقع على مساعدة منصة Azure السحابية التابعة لشركة مايكروسوفت. وتشير صحيفة الغارديان إلى أنه لولا أزور، لكانت إسرائيل تفتقر إلى «مساحة تخزين كافية أو قوة حاسوبية» لإدارة بيانات المراقبة الخاصة بالفلسطينيين (منذ ذلك الحين، علّقت مايكروسوفت استخدام إسرائيل لأزور، مما أثار قلق الصحافة الإسرائيلية).
وبالإضافة إلى توفير الأسلحة، تدخلت دول غربية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا عسكريًا أيضًا من أجل دعم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزّة وهجماتها على الدول المجاورة، ولا سيما من خلال اعتراض الصواريخ والمُسيَّرات القادمة من اليمن وإيران. من المؤكد أن إسرائيل قد عزت أمنها النسبي من هذه الصواريخ إلى أنظمة الدفاع الصاروخي التي لا مثيل لها، ولكن ما أصبح واضحًا على نحوٍ متزايد على مدى الأشهر الـ 21 الماضية هو أن الأنظمة الأميركية، وليس الإسرائيلية، والتي تُشغّل بعضها بواسطة قوات أميركية، هي التي أسقطت العديد من المقذوفات القادمة. وتشير التقديرات إلى أن هذه الجهود لحماية إسرائيل قد كلفت الولايات المتحدة ما يصل إلى 3.6 مليار دولار في الفترة من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى تموز/ يوليو 2025. وهذا لا يشمل الدعم العسكري الهجومي، مثل شنّ الولايات المتحدة حملات قصف في اليمن وإيران، أو قيام المملكة المتحدة بطلعات استطلاعية لصالح إسرائيل.
ولعل الأمر الأكثر أهمية هو أن الدعم السياسي والقانوني الغربي، وليس «الابتكار الأمني» المحلي، هو الذي منح إسرائيل القدرة على تنفيذ حملات عسكرية مدمرة غير مسبوقة دون أي انقطاع. يتجلّى هذا الدعم في استخدام الولايات المتحدة لحق النقض (الڤيتو) ست مرات ضد قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التي تدعو إلى وقف إطلاق نار دائم في قطاع غزّة؛ ورفضها فرض اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة التي توسطت فيها في قطاع غزّة ولبنان؛ ودعمها الضمني لإسرائيل التي تعمل دوريًا على تخريب المفاوضات مع حماس؛ ومحاولاتها (إلى جانب دول أوروبية أخرى) لتحدي شرعية محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ردًا على الإجراءات القانونية ضد القادة الإسرائيليين؛ ووقف تمويل الأونروا وتدمير أنظمة المساعدات الإنسانية في قطاع غزّة والقائمة تطول. وفي نهاية المطاف، فإن هذا الوصول غير المقيد إلى المال والدعم والحماية الغربية هو الذي مكّن إسرائيل من الحفاظ على أي مظهر بقوتها وحتميتها.
تُخفي هذه الأساطير الصهيونية حول «الابتكار» المُثبت في المعارك قصة أخرى مرتبطة بالتبعية —وهو النمط الذي يبني على سابقة راسخة منذ زمن طويل. اعتمدت إسرائيل منذ تأسيسها على الرعاة الغربيين لتوفير الموارد اللازمة لاستدامة عدوانها الذي لا نهاية له، ولكنها فعلت ذلك مع إصرارها على أن الغرب يعتمد على إسرائيل، الدولة «المبتكرة» التي لا يستطيع الغرب الاستغناء عنها. وعلى مدار القرن العشرين، عملت أساطير الابتكار هذه على إخفاء، بل ودعم، الطبيعة الأساسية للمشروع الصهيوني. على سبيل المثال، أقنع الإسرائيليون في خمسينيات القرن العشرين المسؤولين الفرنسيين مثل الجنرال موريس شال بأنهم (على حد تعبيره) «فنانون ماهرون» في التعامل مع العرب المتمردين، وأن الكيبوتس يقدم للفرنسيين «نموذجًا» بديلًا لتهدئة الجزائر. وفي العقود التالية، اتجهت إسرائيل إلى أميركا بقصص مماثلة عن براعتها العسكرية التي لا مثيل لها ودورها كنموذج لمكافحة التمرد مكافحةً فعَّالة في مرحلة ما بعد فيتنام، والدفاع ضد «الإرهاب الدولي» في أثناء الحرب الباردة، ومحاربة التمرد «الإسلامي» بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. وفي كل من هذه الحالات، أدت الروايات حول الهيمنة العسكرية المستقلة لإسرائيل على نحوٍ متناقض إلى فتح الباب أمام الاستثمارات الغربية ذاتها التي كانت إسرائيل في حاجة إليها لتطوير هذه الهيمنة والحفاظ عليها. وتستمر هذه الديناميكية حتى يومنا هذا، مع وجود قصص عن ابتكارات الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية التي تسهل موافقة الولايات المتحدة على تقديم مئات الملايين من الدولارات الإضافية من تمويل الحكومة الأميركية لإسرائيل. وتسلط هذه التطورات الضوء على المفارقة الكامنة في جوهر المشروع الصهيوني: أي أن ادعاءاته المتلهفة للابتكار المستقل هي جزء من جهوده الرامية إلى تعزيز ارتباطه بالإمبراطورية الغربية.
وبالنسبة لأولئك المعارضين للعنف المستمر في قطاع غزّة، فإن استبدال سردية الابتكار الأمني الإسرائيلي بقصة التبعية الإسرائيلية تصبح مهمة حاسمة. وتساعدنا إعادة صياغة هذا الأمر على تحديد القوة الغربية باعتبارها المحرك الحقيقي وراء الإبادة الجماعية في قطاع غزّة. كما يساعدنا ذلك على فهم أنه عند استخدام التكنولوجيات والأنظمة والاستراتيجيات الإسرائيلية لتقويض الحركات السياسية في جميع أنحاء العالم، فإن ذلك لا يشكل دليلًا على الابتكار الإسرائيلي، بل على الرعاية الغربية التي تدعمها في نهاية المطاف. وأخيرا، فإن سردية التبعية توفر لنا نظرة على العمل السياسي ضد الإبادة الجماعية في قطاع غزّة وكذلك ضد الدولة الإسرائيلية على نطاق أوسع. فإذا كانت آلة الحرب الإسرائيلية تعتمد على الداعمين الغربيين، فإن مواقع التدخل تصبح واضحة: الحكومات والشركات الغربية.
اعتمَدَ الاستعمار الصهيوني لفلسطين منذ البداية على التبرعات الخارجية. قاوم الفلاحون الفلسطينيون في عام 1901 محاولات جمعية الاستعمار اليهودية لإبعادهم عن الأرض؛ وردًا على ذلك، طلبت الجمعية المساعدة من السلطات العثمانية وحصلت عليها في قمع الفلاحين. وفي وقت لاحق، عزّز مسؤولو الانتداب البريطاني جهودهم الرامية إلى الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية من خلال إنشاء وحدات شرطة ميدانية خاصة بهم، وقد انضم بعضها إلى الجماعات شبه العسكرية [ميليشيات] الصهيونية لتنفيذ غارات ليلية على القرى الفلسطينية. ولقد كان الدعم والمعرفة العسكرية البريطانية أمرًا لا غنى عنه لاستعمار فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل في نهاية المطاف؛ والواقع أن العديد من الجماعات شبه العسكرية الصهيونية التي نفذت النكبة تلقت تدريبًا مباشرًا من خبير مكافحة التمرد البريطاني أورد وينغيت (Orde Wingate)، رائد إستراتيجية الغارات الليلية.
وكان منظرو الصهيونية الأوائل من أمثال زئيف جابوتنسكي وثيودور هرتزل يدركون تمام الإدراك أهمية هذه التبعية في تحقيق مهمتهم الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين. أشار هرتزل في عام 1896 إلى أنه سيتعين على الصهاينة في المستقبل أن يبقوا «على اتصال مع كل أوروبا، وهو ما سيفرض ضمان وجودنا» في مواجهة المقاومة الحتمية من السكان الأصليين النازحين من فلسطين. ولكن في حين اعترف الزعماء الصهاينة سرًا بحقيقة اعتمادهم على الدعم الإمبريالي الغربي، فإنهم سعوا إلى تعزيز هذا الاعتماد من خلال الترويج للسردية العامّة المعاكسة: سردية الاكتفاء الذاتي والابتكار. في الفترة التي سبقت النكبة، روى دوايت أيزنهاور، رئيس أركان الجيش الأميركي آنذاك، لقاءً مع مبعوثين من منظمة الهاغاناه شبه العسكرية التي أسسها جابوتنسكي، والذين كان يعرف أنهم «حريصون على تأمين الأسلحة لإسرائيل». ولكن عندما التقيا وجهًا لوجه، زعم المبعوثون «بفخر أن إسرائيل لا تحتاج إلى شيء سوى عدد قليل من الأسلحة الدفاعية وأنها سوف تعتني بنفسها إلى الأبد ومن دون أي مساعدة من أي نوع من الولايات المتحدة».
طوال فترة الخمسينيات من القرن العشرين، زوَّدت الولايات المتحدة —التي كانت حريصة على تحدي القومية العربية الصاعدة والنفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط—إسرائيل ببعض التمويل السري لشراء الأسلحة. ولكن الزعماء الصهاينة أرادوا المزيد، فدفعوا الولايات المتحدة بلا هوادة إلى جعل إسرائيل أصلًا إستراتيجيًا في المنطقة (حتى مع إبقاء إسرائيل لخياراتها مفتوحة من خلال اتباع سياسة عدم الانحياز في الحرب الباردة). وقد جاءت هذه المحاولات للحصول على دعم غربي إضافي على خلفية العدوان الإسرائيلي المتواصل على جيرانها العرب، والذي أدى إلى حرب سيناء عام 1956. ولقد أدت العدوانية السافرة التي اتسمت بها بعض هذه الحملات إلى تنفير رعاة إسرائيل المحتملين: على سبيل المثال، أجبر الهجوم الذي وقع في كانون الأول/ ديسمبر 1955 وأسفر عن مقتل أكثر من خمسين سوريًا الولايات المتحدة على إبقاء دعمها العسكري لإسرائيل سريًا لعدة سنوات قادمة. ولكن الموقف العدواني لإسرائيل كان جذّابًا أيضًا، إذ أظهر قدرتها على فرض هزائم عسكرية سريعة وحاسمة على القوى القومية العربية الصاعدة.
انتصر تصور صلابة إسرائيل في نهاية المطاف، ما أجبر واشنطن على أن تصبح أكثر وضوحًا في دعمها. وفي عام 1962، انتهك الرئيس جون كينيدي أخيرًا الحظر الذي كان يمنع في السابق مبيعات الأسلحة الأميركية العلنية لإسرائيل. وأعلن أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتمتعان بـ «علاقة خاصة»، ووافق على الطلب الإسرائيلي القديم للحصول على صواريخ هوك الأميركية المضادة للطائرات. وقد تلا ذلك سنوات من صفقات الأسلحة الأميركية الكبرى، بما في ذلك قرار إدارة جونسون في عام 1965 بتزويد إسرائيل بـ 200 دبابة پاتون، واتفاق في عام 1966 لبيع إسرائيل 48 قاذفة من طراز سكاي هوك. ورحب وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان بهذا التدفق للأسلحة الأميركية الثقيلة، ووصفه بأنه «تطور ذو قيمة سياسية هائلة» من شأنه أن «يمكّن إسرائيل من السعي إلى تكثيف مستمر للالتزامات الأميركية القائمة».
وقد جاء هذا التكثيف في أعقاب حرب الأيام الستة في عام 1967، عندما حققت إسرائيل نصرًا عسكريًا سريعًا وحاسمًا على مصر وسوريا والعراق والأردن. وكما كان الحال من قبل، كانت المعدات والتمويل الأوروبي والأميركي هي التي أعطت إسرائيل الأفضلية في القتال، ما مكنها من القضاء بسهولة على القوات الجوية المصرية في غضون ساعات قليلة. بفضل الطائرات التي زودتها بها فرنسا في المقام الأول، كانت الميزة الجوية لإسرائيل ساحقة إلى حد أن أحد المعلقين الإستراتيجيين أشار بعد شهر من الحرب إلى أن «صفوف المدرعات والمشاة والسيارات العربية كانت أهدافًا سهلة لسلاح الجو الإسرائيلي». ولكن في أعقاب الحرب، غيّر المسؤولون الإسرائيليون هذه الرواية بأثر رجعي، فبدأوا يروجون لانتصار 1967 باعتباره إنجازًا غير متوقع وحتى «معجزة» للعبقرية العسكرية الإسرائيلية. وبدأ مسؤولون مثل رئيس أركان الجيش آنذاك إسحاق رابين يجادلون بأن الحرب تشهد على تفرد الجيش الإسرائيلي، الذي نفَّذ هجومًا جويًا «بدقة لا يستطيع أحد أن فهمها كيفية تنفيذها».
وقد تبنت منشورات الشؤون الإستراتيجية والصحافة الأميركية السائدة بسرعة هذه السردية لأحداث عام 1967. وفي الأسابيع والأشهر التي تلت ذلك، أصدرت مجلة لايف عددًا مخصصًا لـ «النصر السريع لإسرائيل»، ونشرت مجلة أتلانتيك تقريرًا بعنوان «السيف السريع لإسرائيل»، والذي ركز على السؤال «كيف فعلت [القوات الإسرائيلية] ذلك؟». في جميع الأحوال، استندت إجابات الصحفيين الأميركيين إلى حد كبير على المصادر الإسرائيلية، مما دفع مجلة أتلانتيك إلى الادعاء بأن قدرة إسرائيل على الفوز في الحرب تنبع «في المقام الأول» من «القوة العقلية التي وهبها الله لهذا الشعب… والتي توجَّه لأول مرة منذ [الخروج] إلى الفن العسكري للدفاع عن وطنه». كما ركزت المقالات على البروبوغندا الإسرائيلية التي تنفي اعتمادها على الغرب. على سبيل المثال، في حين أقرت مجلة أتلانتيك بأن العديد من كبار القادة الإسرائيليين «درسوا لفترة وجيزة في كليات القيادة والأركان في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة»، فقد أكدت أن المسؤولين الإسرائيليين «يحافظون بالإجماع على رفض الاعتراف بأي ديْن للأساليب أو العقائد الأجنبية والإصرار على تطويرها على نحوٍ مستقل». بهذه الطرق، عززت السرديات الإعلامية لما بعد عام 1967 بشكل فعال قصة الاستثنائية الصهيونية، والتي، على حد تعبير عالم السياسة رامي غينات، حولت صورة إسرائيل «من تلميذ محتاج … إلى أصل إستراتيجي».
لقد كان للخطاب السردي تأثير قوي. ففي السنوات التي أعقبت عام 1967، استجابت الولايات المتحدة أخيرا لدعوات القادة الصهاينة الطويلة الأمد لدمج إسرائيل بوصفها أصلًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط —وهو ما كان يمثل ترقية كبيرة من «العلاقة الخاصة» في عهد كينيدي والتي جاءت مع الدعم السياسي والعسكري طويل الأمد. أشار الرئيس القادم ريتشارد نيكسون، بحلول عام 1969، في مذكرة أملاها على هنري كيسنجر إلى أنه «لا يريد أن يرى إسرائيل تتجه نحو الهاوية»، وبالتالي سعى إلى تقديم «التزام مطلق» بضمان «أن تتمتع إسرائيل دائمًا بالأفضلية». وكان الوفاء بهذا الوعد يعني زيادة سريعة في المساعدات: من 360 مليون دولار في عام 1968 إلى ما يقرب من 2.2 مليار دولار في عام 1973.
ولقد مثَّل عام 1967 ذروة جديدة في استخدام إسرائيل لأسطورة الابتكار لتأمين إمدادات موثوقة من الأسلحة الغربية والدعم الجيوسياسي الدائم. إن النمط الذي أرسته إسرائيل في ذلك العام —حيث اعتبرت النصر العسكري الذي غذته المساعدات الغربية دليلًا على قوتها— سوف يتكرر مرارًا وتكرارًا في العقود التالية. على سبيل المثال، في عام 1976، سافرت قوات الكوماندوز الإسرائيلية النخبة إلى عنتيبي في أوغندا في مهمة لإنقاذ أسرى من طائرة اختطفها مسلحون فلسطينيون وألمان. واعتمدت الغارة على الأسلحة الأميركية، وخاصة طائرات لوكهيد سي-130 هيركوليس الأربع، والتي كانت ترافقها طائرات فانتوم المقاتلة؛ وكانت الطائرات تُزود بالوقود في الطريق بمساعدة من رئيس جهاز المخابرات البريطاني إم آي 6. ومع ذلك، وبتجاهل هذه التبعيات الحرجة، زعمت إسرائيل أن الغارة كانت دليلًا على مكانتها المستقلة بوصفها قوة رائدة عالميًا في غارات الكوماندوز وعمليات إنقاذ الرهائن. ولقد حظيت مثل هذه الحكايات على الفور بتقدير الصحافة الأميركية وإنتاجات هوليوود، وأصبحت وقودًا إضافيًا للسردية التي تروج لتحقيق الذات حول القوة العسكرية الإسرائيلية ــ وفي نهاية المطاف، وسيلة لتأمين المزيد من المساعدات.
ولقد اكتشفت إسرائيل أن مموليها الأميركيين على استعداد للانخراط في هذه الديناميكية ليس فقط بفضل الحسابات الإستراتيجية للحرب الباردة، بل وأيضًا بسبب الطريقة التي نُظِر بها إلى إسرائيل بعد عام 1967 بوصفها نموذجًا للغرب الأوسع ــ وخاصة على خلفية الحملة الأميركية الكارثية في فيتنام. في حين أن «النكسات الأميركية في فيتنام تجعل فكرة حرب العصابات أكثر شعبية بلا شك»، كما كتب المؤرخ والمعلق السياسي والتر لاكر في مقال له في مايو/أيار 1968، فإن انتصار إسرائيل في عام 1967 أظهر أن «حرب العصابات لن تنجح ضد إسرائيل»، وهي الحجة التي قدمت إسرائيل بوصفها نموذجًا واضحًا للهيمنة الغربية. وكما لاحظت الباحثة في الدراسات الأميركية ميلاني ماكاليستر، فإن إسرائيل، أو صورة معينة لإسرائيل، في مثل هذه الروايات، أصبحت بمثابة مسرح لإعادة خوض الحرب في فيتنام، ولكن في هذه المرة، مع الفوز بها.
وقد عمل القادة الإسرائيليون على تغذية هذا المفهوم. على سبيل المثال، في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية في تشرين الأول /أكتوبر 1973، إذ عرضت إسرائيل على شركائها الأميركيين جولات في مواقع المعارك الرئيسة في سوريا ومصر المحتلتين على أمل تعليمهم دروسًا قتالية إسرائيلية. لقد عاد الجنرالات الأميركيون بانطباع أن إسرائيل هي الدليل على أن المعارك العسكرية التقليدية تظل قابلة للفوز بالمعدات والتكتيكات والتدريب المناسب؛ وفي غضون عام، دُرِّست هذه «الدروس» وغيرها من إسرائيل للقوات الأميركية في فورت نوكس. وكما أشار عالم النفس الإسرائيلي بنيامين بيت حلحمي في كتابه اللاذع الصادر عام 1987 بعنوان الصلة الإسرائيلية: من تسلحه إسرائيل ولماذا، فإن «ما عرضته إسرائيل على الغرب المُعبأ للحرب… هو انتصار القلة على الكثرة…. إن صرخة المعركة التي يرفعها الإسرائيليون (وغيرهم من اليمينيين في مختلف أنحاء العالم) هي: ‘الغرب قادر على تحقيق الانتصار!’».
لقد ترددت هذه الصرخة بصوت أعلى من أي وقت مضى في فترة الأزمة المتجددة التي تعيشها الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. منذ وقت مبكر يعود إلى الثاني عشر من أيلول/سبتمبر 2001، كان المسؤولون الإسرائيليون يقدمون أنفسهم صراحة على أنهم نماذج لحملات مكافحة الإرهاب الأميركية القادمة —زاعمين أن الإسرائيليين هم أول من شهد ما يسمى بالإرهاب الإسلامي العالمي، وأول من أظهر سجلًا ناجحًا في محاربته. ركزت مثل هذه الادعاءات في البداية بصورةٍ ضيقة على تقديم إسرائيل باعتبارها خبيرة في اختطاف الطائرات ورائدة ما أصبح يعرف بالأمن الداخلي. ولكن مع استمرار المستنقعات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، والتي تذكرنا بالإخفاقات السابقة في فيتنام، أصبحت إسرائيل تمثل على نطاق أوسع نموذجًا بديلًا لمكافحة التمرد —نموذج يركز على إخماد السكان الجامحين من خلال تأكيد الهيمنة الكاملة على بيئتهم المبنية (بعبارة أخرى، احتلال المناطق الحضرية). سرعان ما بدأت المنتديات الإستراتيجية الأميركية، بالشراكة مع مراكز الأبحاث الإسرائيلية، تُردد هذا التبجيل لـ «النموذج الإسرائيلي»، مُصدِرةً تقريرًا تلو الآخر يُصوّر العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة والحالية على أنها مستقبل مواجهة الغرب للتمرد. وقد صرّح تقرير صادر عن مؤسسة هوفر عام 2007 بأن «العمليات العسكرية الإسرائيلية كانت، ولا تزال، بمثابة مُختبر للأساليب والإجراءات والتكتيكات والتقنيات للولايات المتحدة، التي تُواجه الآن نفس الخصوم الإسلاميين في جميع أنحاء العالم»، مُوصيًا بأن الولايات المتحدة قد «تُلقي القبض على الإرهابيين لأغراض استخبارية»، و«تُغتال العقول المدبرة الشيطانية»، و«تستهدف معاقل المتمردين» بالغارات الجوية، كما فعلت إسرائيل.
ومن خلال هذه الأعمال السردية، تحولت صورة إسرائيل، على مدى عدة عقود، من صورة الاستثمار الجيوسياسي المشكوك فيه إلى صورة النموذج الذي لا غنى عنه على الإطلاق بالنسبة للغرب. إن تاريخ إسرائيل من الحرب التي لا تنتهي —عندما يُعاد صياغته كقصة عن الابتكار— لن يعود عبئًا، بل سيصبح من الممكن تمثيله على نحو معقول باعتباره أصلًا وطنيًا، مما يسمح لها بتعميق تدفقات المساعدات الغربية وجذب الاستثمارات الأجنبية الجديدة باعتبارها «دولة الشركات الناشئة». وبحلول عام 2018، كانت هذه الموارد قد جعلت إسرائيل آمنة إلى حد ظاهري لدرجة أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أعلن أن بلاده «لا تقهر».
غير أنّ أسطورة القوَّة هذه قد تحطمت على نحوٍ يبعث على الدهشّة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عندما كسر مقاتلو حماس الحصار الإسرائيلي على غزة برًّا وجوًّا وبحرًا في هجوم مفاجئ. لقد ظهرت البنية التحتية الضخمة التي بنتها إسرائيل من سياج وأبراج حراسة ومراقبة أنها ضعيفة، الأمر الذي أثار دهشة حتى القادة الفلسطينيين البارزين، الذين تذكروا كيف أن الوحدات العسكرية الإسرائيلية «تبخرت» تحت الهجوم. ومنذ ذلك الحين، تفاقمت الإخفاقات العسكرية الإسرائيلية. قد لا يزال الجيش الإسرائيلي يهيمن على السماء بالطائرات الأميركية، ويقتل المدنيين بطائرات مُسيَّرة صينية رخيصة الثمن، لكنه أظهر عجزه عن تحقيق إنجازات إستراتيجية في القتال البري، فقد عانى مرارًا وتكرارًا من أخطاء عملياتية كبرى في قطاع غزّة، واضطر إلى تقييد غزوه البري للبنان في عام 2024 في مواجهة مقاومة حزب الله. لقد ألحقت هذه الإخفاقات ضررًا بالغًا بالصورة السائدة للكفاءة العسكرية الأنيقة التي تتمتع بها إسرائيل، فضلًا عن الادعاء الاستثنائي الموازي بأن استخدام إسرائيل للحلول التكنولوجية الفائقة لحل المشاكل السياسية يوفر معيارًا قابلًا للتكرار بالنسبة للغرب.
ردًا على أزمة العلاقات العامة هذه، حاول السياسيون وقادة الأعمال الإسرائيليون، كما كان متوقعًا، العودة إلى سيناريوهم الاستثنائي المعتاد للابتكار الإسرائيلي على أمل تأمين المزيد من الاستثمارات الأجنبية للحفاظ على استمرار عمل الجيش (وقطاع الأسلحة). لاحظت الصحفية صوفيا غودفريند في أوائل عام 2024 أن المتحدثين العسكريين الإسرائيليين كانوا يحاولون على نحوٍ يائس تسويق إسرائيل مرة أخرى «بوصفها قوة عظمى ذات تكنولوجيا فائقة، والحديث عن الأسلحة الآلية وتكنولوجيا المراقبة الفائقة التي تُختبرُ في المعركة في حربها على غزة»، على أمل «أن تعمل نفس الشعارات القديمة على صرف الانتباه عن حقيقة أن إسرائيل بعيدة كل البعد عن تحقيق أهدافها المعلنة في القضاء على حماس». تُشير الأرباح المتزايدة لصناعة الأسلحة الإسرائيلية، وقدرة إسرائيل على مواصلة إبرام صفقات جديدة مع عمالقة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، والاستثمارات الأوروبية المستمرة في الاقتصاد الإسرائيلي، إلى أن هذه الإستراتيجية التي تصور الاعتماد على المساعدات على أنها شراكة، والاعتماد على الآخرين على أنه قوة، لا تزال قادرة على النجاح. ولكن خلال العامين الماضيين، بدأت الصورة العالمية لإسرائيل تتحرك على نحوٍ مطرد نحو التوافق مع طابعها الحقيقي: دولة قادرة تمامًا على استخدام الموارد الغربية لتنفيذ مذابح جماعية، ولكنها، على الرغم من كل ادعاءاتها بالتفوق، لا تستطيع أبدا أن تقف على قدميها وحدها حقًّا.
يقدم هذا التاريخ الطويل من الإنجازات العسكرية الإسرائيلية لليسار درسًا حاسمًا. ويشير إلى أنه في حين أننا بحاجة إلى أن نأخذ على محمل الجد السيطرة العميقة التي تتمتع بها إسرائيل حاليًا على الشرق الأوسط، فإن القيام بذلك لا يتطلب الاستسلام لفكرة البراعة العسكرية الاستثنائية التي تتمتع بها الصهيونية. وبالإضافة إلى كونها غير صحيحة من الناحية الواقعية، فإن مثل هذه الرواية تخاطر بإسقاط وصف «قوة تكنولوجية وعسكرية»، على إسرائيل، وهي قوة لا تمتلكها إسرائيل على بصورة مستقلة، وكذا تحجب الطبيعة الحقيقية للقوة التي اكتسبتها إسرائيل في الواقع: الأسلحة الغربية والدعم السياسي الذي يمكّنها من الانخراط في وحشية جماعية غير مخففة.
أهمية ما نقوم به من توضيحٍ ليس نظريًا فقط، بل أننا ومن خلال توضيح الجذور الحقيقية للتدمير في الشرق الأوسط اليوم، فإن هذا يوجّه انتباه الناشطين نحو نقاط الاشتباك الصحيحة. إذا كانت الغالبية العظمى من الأسلحة المستخدمة ضد شعوب فلسطين وإيران ولبنان وسوريا واليمن، ومؤخرا قطر، ممولة من قبل الولايات المتحدة ومصنعة في الولايات المتحدة وليس نتيجة للابتكار الإسرائيلي، فإن طاقاتنا يجب أن توجه مباشرةً نحو قطع هذا التدفق من الأسلحة. وإذا كان الأمر كما لاحظت المقررة الخاصة للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز، فإن أقطاب صناعة الأسلحة الغربية هم الذين يزدادون ثراءً في نهاية المطاف من المجازر التي ترتكبها إسرائيل، وبالتالي فإن أرباحهم هي التي يجب أن تظل هدفنا دائمًا. وإذا كان الدعم الواسع النطاق من الحلفاء الأوروبيين والعالميين هو الذي أمّن الربحية لصناعة الأسلحة الإسرائيلية وساعدها في «الجريمة الجماعية» المتمثلة في الإبادة الجماعية، فإن هذا الغطاء السياسي العميق والدعم المالي هو الذي يجب أن يكون محور تدخلاتنا. وإذا كانت إسرائيل بالفعل، على حد تعبير الباحث ساري مقدسي، «إمبراطورية تابعة» وليست مركزًا للابتكار العسكري المستقل، فإن التخلص من علاقاتها مع داعميها سيكون مفتاحًا لوقف عنفها.
إن اللحظة التي تلت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر هي اللحظة المناسبة لمثل هذا العمل. وبالفعل، وتحت الضغط الناجم عن التعبئة الجماهيرية غير المسبوقة، بدأ بعض الزعماء الغربيين ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها عبئًا وليس أصلًا. أعرب المسؤول البحري الأميركي جيمس كيلبي عن قلقه من أن الدفاع عن إسرائيل يؤدي إلى استنزاف مخزونات الولايات المتحدة من أنظمة الدفاع الصاروخي الاعتراضية «بمعدل ينذر بالخطر». وعلى نطاق أوسع، أصبح ارتفاع تكلفة الوجود الأميركي في الشرق الأوسط مصدر قلق متزايد حتى بين اليمين الأميركي، حيث كسر أخيرًا ما أسماه إدوارد سعيد «آخر المحرمات الأميركية». وهذا هو الحال في أوروبا، حيث تصاحب العلاقات التجارية والأسلحة القياسية مع إسرائيل إشارات إلى الابتعاد العسكري عن إسرائيل —كما يتضح من قطع إسبانيا لنقل الأسلحة إلى إسرائيل، واتخاذ ألمانيا خطوات في هذا الاتجاه، ومنع المملكة المتحدة لإسرائيل من المشاركة في أحد أكبر معارضها التجارية للأسلحة.
وفي إسرائيل، أثارت هذه التطورات قلق الزعماء السياسيين ورجال الأعمال، الذين يشعرون بالقلق إزاء الشعور المتزايد بأن إسرائيل تمثل قوة مزعزعة للاستقرار وليس قوة ابتكار. لقد أصبح التهديد المتمثل في تحول العزلة السياسية لإسرائيل إلى عزلة مادية حقيقيًّا لدرجة أن نتنياهو تظاهر باعتناق هذا الاحتمال، مستشهدًا بعقيدة الاكتفاء الذاتي التي أعلنها أسلافه للإيحاء بأن إسرائيل يجب أن تصبح الآن «إسبرطة العظمى»، أي جزيرة من الكفاءة العسكرية والتكنولوجية، ولا تعتمد على أحد. وقد تساعد مثل هذه السرديات في حفظ ماء الوجه على المدى القصير. ولكن التاريخ يبين لنا أنه على الرغم من ادعاءاتها المستمرة بالاكتفاء الذاتي، فإن إسرائيل لا تستطيع الصمود في وجه أي انسحاب حقيقي للدعم الغربي. وهكذا، فمن خلال الاستمرار في الإصرار على أن إسرائيل ليست شريكًا لا غنى عنه يقدم الابتكار، بل مستعمرة تستهلك المساعدات ولا تقدم سوى التواطؤ في الإبادة الجماعية، يمكننا أن نتخذ خطوة مهمة نحو قطعِ الشرايين السياسية التي تدعمها.