رسالة مفتوحة إلى كريستيان ساندرز: صادرة عن اتحاد لجان الوحدة العمالية الفلسطينية – اتحاد لجان حق العودة/ سورية والمنظمات الجماهيرية الديمقراطية الفلسطينية ودائرة الوكالة في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

في ظل المرحلة شديدة الحساسية التي تمر بها الأونروا، ومع تولّيكم مهامكم كمفوض عام بالإنابة، نتوجه إليكم بهذه الرسالة انطلاقاً من مسؤوليتنا النقابية والشعبية تجاه اللاجئين الفلسطينيين في سورية، الذين يواجهون أوضاعاً معيشية واجتماعية غير مسبوقة، تتطلب موقفاً واضحاً وسياسات مختلفة تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجتها من جذورها.

لقد تجاوزت الأزمة حدودها التقليدية، ولم يعد مقبولاً التعامل معها بوصفها أزمة تمويل فقط، بل هي أزمة تمس جوهر دور الوكالة وعلاقتها باللاجئين، وخصوصاً في إقليم سورية الذي يعكس بوضوح حجم التراجع في وظيفة الأونروا.

يعيش اللاجئون الفلسطينيون في سورية واقعاً مركباً من الفقر الشديد، وانعدام فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية، إلى جانب استمرار آثار النزوح والدمار، وهو ما جعل الحياة اليومية داخل المخيمات أقرب إلى صراع مفتوح من أجل البقاء.

في مخيمات مثل مخيم اليرموك ومخيم حندرات وتجمع القابون، تتجسد هذه المعاناة بشكل صارخ، حيث ترتفع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتزداد حاجة العائلات للمساعدات، في ظل خدمات لم تعد قادرة على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية. إن استمرار هذا الواقع دون تدخل جدي يعمّق من حالة التهميش، ويهدد الاستقرار الاجتماعي داخل المخيمات.

لقد شهدت خدمات الوكالة في سورية تراجعاً واضحاً في برامج الإغاثة النقدية والغذائية، وفي مستوى الرعاية الصحية وتوفير الأدوية، وكذلك في قطاع التعليم وبرامج التشغيل المؤقت، وهو ما انعكس مباشرة على حياة العمال والعائلات الأكثر هشاشة. إن ربط هذه الخدمات بالأزمة المالية فقط، دون العمل على تحصين الحد الأدنى منها، يشكل تهديداً مباشراً لحقوق اللاجئين، ويحوّل الوكالة إلى مؤسسة إدارة عجز بدلاً من كونها أداة حماية.

من موقعنا كاتحاد عمالي، ومنظمات جماهيرية نؤكد أن غياب فرص العمل بات الخطر الأكبر الذي يواجه اللاجئين في سورية، حيث تحولت البطالة إلى حالة عامة، خصوصاً بين الشباب. إن أي معالجة جدية للواقع المعيشي لا يمكن أن تتم دون توسيع برامج التشغيل، ودعم المبادرات الاقتصادية الصغيرة، وفتح المجال أمام اللاجئين للاستفادة من فرص العمل ضمن برامج الوكالة وخارجها. إن الاكتفاء بالمساعدات دون خلق فرص إنتاج هو تكريس للفقر وليس حلاً له.

وفي هذا السياق، فإن إعادة إعمار المخيمات، وعلى رأسها مخيم اليرموك، تمثل مدخلاً أساسياً لإعادة التوازن الاجتماعي والاقتصادي، ولا يمكن التعامل معها كمشروع مؤجل أو خاضع للاشتراطات السياسية. إن إعادة الإعمار هي حق للاجئين ومسؤولية دولية، وأي تأخير في هذا الملف يعني تثبيت آثار التدمير وتعميق معاناة اللاجئين.

في المقابل، فإن العلاقة بين الأونروا واللاجئين في سورية شهدت تراجعاً ملحوظاً، نتيجة ضعف قنوات التواصل وتغييب ممثلي اللاجئين عن النقاشات المرتبطة بحياتهم اليومية. إن هذا النهج أدى إلى تآكل الثقة، وأضعف قدرة الوكالة على القيام بدورها. إن اللاجئين ليسوا مجرد متلقين للخدمة، بل هم أصحاب حق وشركاء في الدفاع عن الوكالة، ما يفرض إعادة بناء هذه العلاقة على أسس الشراكة والشفافية.

كما أن العاملين في الأونروا داخل سورية يتحملون أعباء مضاعفة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وأي إجراءات تمس حقوقهم، سواء عبر تقليص الرواتب أو إنهاء العقود، ستنعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات وعلى استقرار المؤسسة. إن تحميل العاملين كلفة الأزمة المالية ليس حلاً، بل تعميق للأزمة، ويقوض الثقة داخل المؤسسة نفسها.

ولا يمكن إغفال الضعف الواضح في الأداء الإعلامي للوكالة في سورية، حيث يغيب الخطاب القادر على نقل معاناة اللاجئين والدفاع عن حقوقهم، أو ربط هذه المعاناة بجذورها السياسية. إن غياب هذا الدور يترك الساحة مفتوحة لروايات أخرى، ويُفرغ الوكالة من بعدها التمثيلي، ويحوّلها إلى مجرد جهة إغاثية صامتة.

إن اللاجئين الفلسطينيين في سورية، وخاصة العمال والفئات الأكثر تضرراً، لم يعودوا قادرين على تحمّل مزيد من التراجع في الخدمات أو الحقوق. إن ما هو مطلوب اليوم ليس إدارة الأزمة، بل اتخاذ خطوات واضحة تعيد الاعتبار لدور الأونروا كجهة مسؤولة عن حماية اللاجئين والدفاع عن حقوقهم.

إننا في اتحاد لجان الوحدة العمالية الفلسطينية واتحاد لجان حق العودة – سورية، والمنظمات الجماهيرية الديمقراطية الفلسطينية نؤكد أن مسؤوليتكم في هذه اللحظة، سياسية وأخلاقية، وستُقاس بمدى قدرتكم على اتخاذ قرارات تنحاز لحقوق اللاجئين، وتضعهم في صلب السياسات، لا في هامشها، وتنتقل بالوكالة من موقع إدارة العجز إلى موقع حماية الحقوق.

2026 نيسان/ 14

disqus comments here