قيود إسرائيلية تهدد المساعدات وتنسف اتفاق وقف النار في غزة
أبرزت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، فرض السلطات الإسرائيلية شروطًا قاسية على عمل المنظمات الإنسانية في قطاع غزة، وهو ما أثار مخاوف واسعة من تقويض تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، والرامي إلى ضمان دخول المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون عوائق إلى القطاع.
ونبهت الصحيفة إلى أن سلطات الاحتلال تبرّر القيود الجديدة بمخاوف أمنية، بما في ذلك متطلبات تقديم قوائم مفصلة بأسماء الموظفين، وتحديد مصادر التمويل، وتقديم معلومات شاملة عن أنشطة المنظمات.
وأشارت إلى أن هذه المتطلبات لم تكن جزءًا من الأعراف السابقة للعمل الإنساني في النزاعات، وقد اعتبرتها مصادر حقوقية وعاملون في المجال الإنساني قيودًا غير مسبوقة تعرقل أداء المنظمات وتضعف قدرتها على الاستجابة لحاجات المدنيين في ظل الأوضاع الإنسانية المتدهورة.
قالت واشنطن بوست إن هذه الإجراءات تأتي في وقت لا يزال فيه الوضع الإنساني في غزة حادًّا، بعد أشهر من الحرب التي أسفرت عن دمار واسع ونقص حاد في الغذاء والدواء والوقود والمستلزمات الطبية.
وقد نصّ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى بوساطة أميركية، على ضرورة دخول المساعدات الإنسانية بشكل كامل إلى القطاع، دون قيود تعوق وصولها. لكن القيود الإسرائيلية الجديدة، بحسب الصحيفة، تعرقل عمل المنظمات وتشكّل تهديدًا مباشرًا لتنفيذ أحد الركائز الأساسية للاتفاق.
وذكرت الصحيفة أن النقطة الأكثر جدلًا هي شرط تقديم قوائم الموظفين، بمن فيهم الفلسطينيون العاملون داخل غزة والضفة الغربية، وهو ما اعتبرته طواقم الإغاثة تهديدًا لخصوصية موظفيها وقد يعرضهم لمخاطر أمنية.
كما يشمل مطلب الاحتلال الإسرائيلي تقديم معلومات دقيقة عن التمويل وأنشطة المنظمات، وهو ما يعتبره العاملون في المجال الإنساني تدخلاً في استقلاليتهم وعملهم المهني.
تواطؤ أمريكي
نقل التقرير عن أثينا ريبون، التي تمثل أكثر من 100 منظمة تعمل في غزة والضفة الغربية، وصفها للأمر بأنه “مخيّب للآمال”، مشيرة إلى أنه من المؤسف أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تمارس نفوذًا أكبر للضغط على الحكومة الإسرائيلية لضمان تطبيق كامل لبنود اتفاق وقف إطلاق النار.
وقالت ريبون إن هذا التأثير ينعكس سلبًا على المرحلة الثانية من تنفيذ وقف إطلاق النار، وعلى ما يصفه الأميركيون بـ“مسار السلام المقترح”.
وأوضحت الصحيفة أن القيود الجديدة ليست حالة معزولة، بل تأتي في سياق تغيّر شامل في السياسات الإسرائيلية تجاه المنظمات غير الحكومية الدولية التي تعمل في غزة. وقد برّرت إسرائيل هذه السياسات بقضايا أمنية، زاعمةً أن بعض المواد أو المعلومات قد يُساء استغلالها من قبل جماعات مسلحة.
لكن منظمات حقوق الإنسان ترى في هذه التبريرات ذريعة لإعاقة وصول المساعدات الإنسانية وعدم احترام التزامات الاتفاق الدولي.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الإجراءات قوبلت برفض وانتقادات من جانب المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة، التي حذّرت من أن منع أو تقييد دخول المساعدات من شأنه أن يزيد من معاناة المدنيين في غزة، الذين يواجهون نقصًا حادًا في الاحتياجات الأساسية بعد الدمار الواسع الناجم عن الحرب.
ويشمل هذا نقص الغذاء والدواء والماء النظيف والوقود الضروري لتشغيل المستشفيات وخدمات الإسعاف.
وأكد صحفيون ومحللون أن القيود الإسرائيلية تُلقي بظلالها على الجهود الإنسانية بشكل عام، وقد تؤدي إلى تعطيل الخدمات الأساسية التي تعتمد عليها الأعداد الكبيرة من المدنيين في غزة.
وفي هذا الإطار، هناك خشية من أن تتطور العقبات البيروقراطية إلى أزمة إنسانية أكبر إذا لم يتم التراجع عنها أو تعديلها بما يضمن حرية وبدون قيود غير معقولة في عمل المنظمات الإنسانية.
من جانبها، نقلت الصحيفة عن مصادر دبلوماسية غربية قولها إن عدم تدخل الإدارة الأميركية بشكل أكبر لممارسة نفوذها في هذا الملف يعكس ضعفًا في التوازن بين الضغوط الأمنية الإسرائيلية والاحتياجات الإنسانية في غزة.
وقد عبر بعض هؤلاء الدبلوماسيين عن قلقهم من أن الإصرار على تطبيق هذه الشروط في وقت حرج قد يقوض اتفاق وقف إطلاق النار نفسه، ويعيد إشعال الاحتقان بدل تهدئته.
وتضمن تقرير الصحيفة إشارة إلى أن هناك خوفًا من أن تصبح القيود الجديدة معيارًا تُفرض به شروط عمل المنظمات الإغاثية في النزاعات المقبلة، وأن يؤدي ذلك إلى تراجع العمل الإنساني العالمي في مناطق تشهد الصراعات، ما يعرض المدنيين لمخاطر أكبر ويضعف قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للأزمات الإنسانية.
وتختتم واشنطن بوست تقريرها بالقول إن المعركة الحالية ليست فقط على الأرض في غزة، بل أصبحت معركة على شروط وكيفية وصول المساعدات الإنسانية، وتحديد من يملك الحق في العمل ضمن هذه الظروف، وكيف يمكن ضمان أن تظل المعونات الإنسانية بعيدة عن الاعتبارات الأمنية والسياسية التي تعيقها.