مخيمات شمال الضفة 2025.. هدم وتهجير وإعادة هندسة الديموغرافيا

مع نهاية عام 2025، برزت مخيمات شمال الضفة الغربية كمثال صارخ على سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تجاوزت نطاق العمليات العسكرية الاعتيادية، لتصبح استراتيجية ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي.

هذه السياسات شملت الهدم الواسع، تهجير السكان، شق البنى التحتية، ومحاولة محو فكرة المخيم الفلسطيني كرمز للهوية والذاكرة والوجود الوطني.

اجتياحات مستمرة وهدم ممنهج

شهدت مناطق شمال الضفة الغربية خلال عام 2025 سلسلة من الاجتياحات العسكرية المكثفة، والتي طالت مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، ما أدى إلى دمار واسع في المباني والبنية التحتية، ونزوح آلاف السكان.

ولم تعد هذه الاجتياحات أحداثًا أمنية عابرة، بل جزء من سياسة طويلة الأمد تهدف لتغيير طبيعة المخيمات ديموغرافيًا وجغرافيًا، عبر تحويلها إلى مناطق شبه خالية يمكن السيطرة عليها أمنياً وسياسياً.

مخيم جنين: هدم وتحويل جغرافي

شهد مخيم جنين تصعيدًا غير مسبوق في الاجتياحات والهدم، ضمن ما يُعرف بسياسة القتل الناعم، التي تهدف إلى الفصل بين واقع الضفة وغزة دون أحداث كبيرة مثل أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

ويوضح رئيس مخيم جنين السابق نضال العبيدي أن الاحتلال يواصل القتل والهدم والتشريد في الضفة رغم غياب المواجهات الواسعة، حيث تُهدم البيوت، وتُصادر الأراضي، ويُقتلع الزيتون، فيما تتوسع المستوطنات بشكل متسارع، ما عمّق حالة الغضب والاختناق لدى الفلسطينيين.

ويضيف في حديثه لـة: أنّ ما يجري في جنين ومخيمها هو استعمار جديد بأدوات مختلفة، يقوم على التدمير البطيء والمنهجي، والمخيم ليس في جزيرة معزولة بل في قلب المدينة، وعمليات الهدم والتهجير طالت أحياء كاملة داخل المدينة ومحيطها.

وإلى جانب التهجير القسري، مارس الاحتلال ما وصفه العبيدي بـ”التهجير الناعم”، عبر إغراءات الهجرة إلى دول مثل كندا، وضغوط اقتصادية وأمنية خانقة.

ويوضح أن أقل من 60% فقط من أهالي المخيم يمكنهم العودة اليوم وفق الشروط الإسرائيلية المفروضة، مشيرًا إلى أن نحو 40% من المخيم تعرض لهدم كلي أو جزئي بعد شق عشرات الشوارع العسكرية.

ويشير إلى أن عددًا كبيرًا من المنازل المتضررة بات غير صالح للسكن، في ظل غياب شبه كامل للبنية التحتية، وأن عدد النازحين من المخيم والمناطق المحيطة يُقدر بنحو 20 ألف فلسطيني، في وقت يتراوح عدد سكان المخيم الأصلي بين 15 و17 ألف نسمة.

ويشدد العبيدي على أن محاولات تصفية فكرة المخيم وإلغاء هويته السياسية والوطنية لن تنجح، مهما اشتد الهدم والتهجير، لأن المخيم ليس جغرافيا فقط، بل ذاكرة وموقف وهوية لا تُقتلع.

كارثة إنسانية في مخيم طولكرم

 

في مخيم طولكرم، لم تتوفر حتى اللحظة أرقام دقيقة حول حجم الدمار الكلي الذي تسبب به العدوان الإسرائيلي، نتيجة صعوبة دخول المخيم ومنع الاحتلال الوصول إليه، ومع ذلك، يؤكد رئيس اللجنة الشعبية للمخيم، فصيل سلامة، أن المخيم يشهد أوضاعًا إنسانية كارثية.

ويشير سلامة في تصريح له إلى أن عدد النازحين من المخيم بلغ مع نهاية عام 2025 نحو 15 ألف نازح، بالإضافة إلى ألفي نازح من الحي الشرقي الملاصق للمخيم.

ويضيف أن قوات الاحتلال أقدمت على هدم نحو ألف شقة سكنية بشكل كامل، ما يعني أن ألف عائلة فقدت منازلها، في حين تعرضت قرابة 2500 شقة سكنية لأضرار جزئية بدرجات متفاوتة.

ولم يسلم القطاع التجاري من الاستهداف، إذ تم تدمير أو تفجير نحو 500 محل تجاري بالكامل، إلى جانب تدمير 480 مركبة تدميرًا كليًا.

ويوضح سلامة أن البنية التحتية في المخيم تعرضت لتدمير كامل، بما يشمل الشوارع وخطوط الكهرباء والمياه والهاتف، ما أدى إلى شلل تام في مختلف مناحي الحياة.

وأدى العدوان إلى تعطّل المراكز الشبابية والصحية والمجتمعية، إضافة إلى المدارس ورياض الأطفال، ما تسبب في توقف كامل للحياة داخل المخيم.

ويلفت سلامة إلى أن العودة إلى المخيم باتت صعبة جدًا في ظل غياب البنية التحتية والخدمات الأساسية، واستمرار هدم مئات المنازل، ما ينذر بأزمة إنسانية طويلة الأمد.

مخيم نور شمس: محو تدريجي للهوية والبنية

وبينما يعاني مخيم جنين من الهدم والتهجير، يواجه مخيم نور شمس في طولكرم نفس السياسة الممنهجة، التي تهدف لتدمير البنية العمرانية ومحو الهوية الاجتماعية والسياسية.

ويقول رئيس اللجنة الشعبية بمخيم نور شمس نهاد الشاويش، إن المخيم تعرّض خلال الأعوام الأخيرة لعملية تدمير ممنهجة، طالت أكثر من 35% من الكتلة العمرانية، بفعل الاقتحامات العسكرية المتكررة، وعمليات الهدم المباشر، وشق الطرق العسكرية داخل الأحياء المكتظة.

ويضيف الشاويش في تصريح له  أنّه “منذ عام 2021 وحتى منتصف 2025 نفذت قوات الاحتلال أكثر من 120 اقتحامًا عسكريًا للمخيم، تخللها تدمير كلي أو جزئي لما لا يقل عن 420 منزلًا، بينها منازل هُدمت بالكامل وأخرى أصبحت غير صالحة للسكن”.

ويشير إلى أن البنية التحتية تعرضت لضرر جسيم، حيث دُمّرت أكثر من 60% من شبكات المياه والصرف الصحي، إضافة إلى تضرر شبكات الكهرباء والاتصالات بشكل واسع، ما جعل الحياة اليومية شبه مستحيلة للسكان.

وتسبب العدوان المتكرر في نزوح قسري لأكثر من 7,000 مواطن، أي ما يزيد عن 40% من إجمالي السكان، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، دون توفير أي بدائل سكنية.

ويؤكد الشاويش أن سلطات الاحتلال لا تزال ترفض السماح بعودة النازحين، وتفرض شروطًا تعجيزية تشمل التدقيق في الخلفيات العائلية، ووجود أسرى أو شهداء أو مطلوبين، ما يمنع عمليًا عودة مئات العائلات بشكل جماعي.

ويشير معطيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى أن الوكالة تقدم خدماتها في 19 مخيمًا بالضفة الغربية لنحو 913 ألف لاجئ مسجل، بينهم نحو 48 ألف طالب وطالبة، فضلًا عن تقديم خدمات صحية من خلال 43 مركزًا صحيًا، ما يبرز حجم التحديات التي تواجه المخيمات المتضررة.

تصعيد أوسع وسيطرة ديمغرافية

من جهته، يتحدث الخبير في شؤون الاستيطان نظمي سلمان عن مخطط إسرائيلي لإقامة قواعد عسكرية في شمال الضفة الغربية، قرب مخيم جنين، ضمن خطة أوسع لتعزيز السيطرة على المنطقة.

ويشرح في مقابلة صحفيه  أن الاحتلال يدرس شرعنة 36 بؤرة استيطانية رعوية، ويخطط لبنية تحتية ضخمة بقيمة نحو 2.7 مليار دولار، تشمل نقل مقر قيادة لواء “منشيه” إلى قواعد جديدة شمال الضفة، تحديدًا قرب بلدة صانور جنوب جنين.

ويرى سلمان أن هذه السياسات تهدف إلى إعادة تشكيل هوية المخيمات الفلسطينية، وتحويلها إلى أحياء مدنية، وشطب البعد السياسي الذي تمثله كمناطق للجوء والمقاومة، مع توسيع التمدد الاستيطاني في المناطق القريبة لضبط السيطرة وتعزيز النفوذ الديموغرافي والجغرافي في شمال الضفة.

إعادة هندسة المخيمات

وحذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من استمرار الدمار في شمال الضفة، مؤكدة أن العمليات العسكرية منذ يناير/ كانون ثاني 2025 أفرغت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وتسببت في تهجير أكثر من 32 ألف فلسطيني.

وأشار مدير شؤون “أونروا” في الضفة الغربية، رولاند فريدريك، إلى أن المخيمات تحولت إلى “مدن أشباح بعد أن كانت نابضة بالحياة”، موضحًا أن الدمار الممنهج يعزز السيطرة طويلة المدى للاحتلال، وسط دعوات إلى إعادة الإعمار والسماح للسكان بالعودة.

وفي الإطار ذاته، تشير دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) بعنوان “عمليات الهدم في مخيمات شمال الضفة الغربية: الأهداف الإسرائيلية الاستراتيجية” إلى أن ما يحدث في مخيمات شمال الضفة يمثل مشروعًا متكاملًا لإعادة هندسة هذه المخيمات.

وذكرت الدراسة أنّ الاحتلال انتقل بعد تهجير السكان، من العمليات العسكرية المباشرة إلى التخطيط الهندسي المنهجي، عبر منع إعادة بناء المنازل المدمرة، والحفاظ على الطرق واسعة ومفتوحة لضمان حرية حركة القوات العسكرية مستقبلًا.

بالإضافة لإقامة منظومات مراقبة دائمة شملت أبراجًا وكاميرات ونقاط تحكم، في خطوة غير مسبوقة منذ عقود.

وتحذّر الدراسة من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى فرض احتلال دائم للمخيمات، أو حكم عسكري طويل الأمد، أو الانسحاب لاحقًا وفق شروط سياسية تؤثر على قضية اللاجئين وحق العودة، في ظل استهداف متزامن لوكالة “أونروا” ودورها الأساسي في دعم السكان.

disqus comments here