كتب إبراهيم نوار : هل يجرؤ نتنياهو على تحدي ترامب في نصف غزة؟

تسيطر القوات الإسرائيلية على أكثر من نصف غزة سيطرة كاملة، كما تسيطر عمليا على كل خطوط الحدود البرية والبحرية والجوية للقطاع، بما في ذلك ممر فيلادلفيا الذي يفصل قطاع غزة عن مصر. وعلى أساس هذه السيطرة راحت إسرائيل تستعد لنسف المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام، باشتراط استعادة الجثة الأخيرة من جثث قتلى عملية طوفان الأقصى الفلسطينية، ونزع سلاح حماس، وإزالة كل البنية العسكرية الفلسطينية تماما. ومن الواضح أن إعلان تلك الشروط الثلاثة جاء في توقيت خاطئ، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، رغم عدم خلافها مع الشروط الثلاثة من حيث المبدأ.

التوقيت الخاطئ ارتبط بحوار نتنياهو مع صحيفة «الإيكونوميست» البريطانية الذي كشف فيه الغطاء عن أنه ينفذ بالفعل خطة لتقليل اعتماد إسرائيل العسكري على الولايات المتحدة. مثل هذا الإعلان الصريح يعني أن العلاقات الإسرائيلية- الأمريكية من المرجح أن تتعرض لتغييرات جوهرية من الآن وحتى 2030، وقد يصل ذلك إلى فك الارتباط العسكري بين الطرفين، وهو الارتباط الذي تميزت به العلاقة منذ عام 1967 على الأقل. إسرائيل تعلن أنها دخلت «مرحلة الفتوة»، وغادرت «مرحلة الطفولة» التي كانت تعتمد فيها على أطراف خارجية. ومن شأن هذه التغييرات، في حال تحقيق سيناريو نتنياهو، أن تترك تداعيات على نظرة قطاع كبير من العرب إلى إسرائيل على أنها مجرد دمية تلعب بها الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها، أو أنها كما يقال «حاملة الطائرات التي لا تغرق»، التي تقوم بدور المحافظة على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. تصريح نتنياهو يعني أن إسرائيل تتجه إلى تمييز مصالحها عن المصالح الأمريكية لأول مرة.
ثم جاءت بعد ذلك، المزايدة على الموقف الأمريكي من إيران بالقول، إن ترامب تراجع عن تقديم مساعدات مباشرة إلى المحتجين، بعد أن نصحه نتنياهو بذلك. وقد علق مسؤول رسمي أمريكي، من دون ذكر اسمه، على ترويج «نصيحة نتنياهو» بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتعمد ترويج ذلك، حتى إذا فشل الموقف الأمريكي من إيران في تحقيق نتائج عملية سوف يردد «ألم أقل لكم»، أما إذا نجح، فإن نتنياهو سوف يدعي أن له الفضل في هذا النجاح. وأخيرا انفجر الخلاف بين نتنياهو وترامب على الملأ، بعد أن أعلن ترامب يوم الجمعة أسماء أعضاء «مجلس السلام» الذي يضم كما يتردد بقوة في الإعلام الإسرائيلي «شخصيات كثيرة معادية لإسرائيل». على وجه الخصوص تنتقد إسرائيل، وجود تركيا وقطر في المجلس، وكذلك في اللجنة التنفيذية لمجلس السلام، وهي اللجنة التي من المفترض أن تسهم في رسم سياسة إدارة الحياة اليومية في غزة برئاسة المبعوث السابق للأمم المتحدة ملادينوف.
وإذا كانت خطة إسرائيل الأصلية، هي نسف المرحلة الثانية من عملية بناء السلام في غزة، فإن نتنياهو لن يتوقف عن محاولة تنفيذ تلك الخطة بكل الطرق الممكنة ومنها استئناف الحرب. المعضلة هنا هي أن نتنياهو سيجد صعوبة شديدة في ترويج خطابه السياسي وادعاءاته على ترامب، من خلال وسائل الإعلام الأمريكية الأكثر نفاذا في الخطاب السياسي والإعلامي العالمي. ومن الصعب على ضوء الخلافات التي طفحت على السطح خلال الأيام الماضية، أن ينجح نتنياهو في تبرير استئناف الحرب، إلا إذا استطاعت أجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلية هندسة عملية عسكرية من الجانب الفلسطيني، تبرر العودة للحرب مرة أخرى، مستغلة وجود مواقف متعارضة جزئيا بين حماس والجهاد الإسلامي، في شأن تقييم خطة ترامب لبناء السلام، إضافة إلى وجود عملاء لها بين الفلسطينيين داخل قطاع غزة، يمكن الاعتماد عليهم وقت اللزوم وإلصاق الاتهام بالمقاومة الفلسطينية. في هذه الحال ستقول إسرائيل إن أمنها هو مسؤوليتها تفعل في سبيل تحقيقه ما تشاء، حتى إذا اختلف ذلك مع وجهة النظر الأمريكية.

ولذلك فمن الضروري في الوقت الحاضر إعادة التأكيد على الالتزام بالتهدئة، وتأكيد الالتزام بالتعاون مع الإدارة الفلسطينية الانتقالية برئاسة علي شعث، واستمرار الحوار عن قرب مع كل من مصر وقطر وتركيا، بشأن القضايا الشائكة، التي تحتاج إلى حلول واضحة لا لبس فيها. وفي الوقت نفسه، من الضروري تطوير أوراق عملية ومفاهيمية لدى الجانب العربي والمقاومة بشأن آليات تسليم أسلحة المقاومة، بما في ذلك إعادة تعريف هذه الأسلحة بوصفها أداة من أدوات تحقيق الاستقلال الوطني وإقامة دولة فلسطينية. وفي هذا السياق من الضروري الاستفادة من تجربة تسليم سلاح الجيش الجمهوري الأيرلندي في أيرلندا الشمالية، من حيث الارتباط بين تسليم السلاح لجهة دولية مستقلة، ووجود إعلان سياسي لبناء السلام وفقا لخطط متوازية ومترابطة. ومع ذلك فإن المعضلة الرئيسية التي تواجه خطة السلام في غزة، تتمثل في سيطرة جيش الاحتلال على مساحة تزيد عن أكثر من نصف القطاع، كما تتمثل في وجود خطوط سهلة للنفوذ الإسرائيلي والتأثير في النصف الآخر. إن التنظيم الهيكلي لمجلس السلام واللجنة التنفيذية والإدارة الفلسطينية، وصدور ميثاق مبادئ دور وعمل مجلس السلام لا يضمن في حد ذاته نجاح دور تلك المنظمات في تحقيق السلام في غزة. ومن المرجح أن تعرقل الحكومة الإسرائيلية أي محاولات للإعمار فيما يعرف بالمنطقة الحمراء، التي تسيطر عليها حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من جماعات المقاومة الفلسطينية، بزعم أن حماس تستفيد من إعادة الإعمار في إعادة بناء هياكلها التنظيمية والإدارية والعسكرية. ونستطيع القول بلا مبالغة إن قدرة الرئيس الأمريكي في الضغط على إسرائيل في المنطقة المحتلة من القطاع هي قوة محدودة جدا. هذا يعني عمليا أن الهيكل السياسي الانتقالي لعملية بناء السلام لن تكون له ولاية قانونية على المنطقة، التي تسيطر عليها إسرائيل عسكريا في شرق وجنوب قطاع غزة. وإذا حاولت واشنطن الضغط على تل أبيب، فإن الأخيرة ستثير قدرا كبيرا من المشاكل والتحديات، بهدف تعطيل تنفيذ برنامج المرحلة الثانية، وتعليق المشروع بأكمله على تسليم الجثة الأخيرة، ونزع سلاح حماس، وتدمير البنية الأساسية العسكرية في غزة.
في هذا السياق فإن الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل سيصبح منطقة اختبار مفتوحة بين شعبية ترامب ومدى شعبية نتنياهو وحكومته، الأمر الذي من شأنه أن يزيد حدة الاستقطاب السياسي بين المتطرفين، الذين يرون أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني صراع صفري، كما يعبر عن ذلك سموتريتش وبن غفير «إما نحن وإما هم»، والمعتدلين الذين يرون إمكانية التوصل إلى صيغة للتعايش. ومع ذلك فإن نتنياهو لا يستطيع أن يغامر بدخول مواجهة سياسية مباشرة مع الرئيس الأمريكي قد يخسرها، لأن ذلك قد يكلفه حلمه بأن يستمر في مقعد الحكم للمرة السابعة، إذا أجريت الانتخابات في وقت يشهد خلافا حادا مع الولايات المتحدة. ومع ذلك من الضروري أن نتذكر بأن نتنياهو كان أحد اللاعبين في المعركة الشهيرة بين أسحق شامير وجورج بوش الأب، أوائل تسعينيات القرن الماضي، ومن المحتمل أن يكرر هو معركة شامير، على أمل أن يخسر ترامب المواجهة كما خسر بوش الأب، ولكن بطريقة أخرى. في كل الأحوال ستجري الانتخابات العامة في موعد أقصاه شهر أكتوبر من العام الحالي، وربما يحتاج نتنياهو إلى دعم البيت الأبيض، أكثر من أي وقت مضى. الخطورة في حال تعطيل قرارات مجلس السلام، وإدارة بناء السلام وعدم امتداد تطبيقها إلى النصف الذي تحتله إسرائيل من غزة، هو تثبيت الاحتلال الإسرائيلي في تلك المنطقة، وتدمير احتمال إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والنمو فيما تبقى من أرض فلسطين المحتلة. هذا السيناريو يعني أن أقصى ما يمكن أن يحققه الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة هو مجرد الحصول على حق إدارة شؤونهم المحلية في المناطق ذات الأغلبية الفلسطينية، مع استمرار النشاط الاستيطاني الإسرائيلي ومحاولات تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى الخارج.
إن صلابة التنسيق بين الدول العربية والإسلامية الممثلة في مجلس السلام، برئاسة ترامب، مثل قطر وتركيا ومصر والأردن، يمكن أن يلعب دور العامل المرجح في تنفيذ برنامج بناء السلام في غزة كلها، بما في ذلك النصف المحتل. ومن الممكن بناء فريق دبلوماسي مشترك، من أجل وضع تصورات للبرنامج التنفيذي، وبناء موقف لدعم هذه التصورات من جانب دول مثل كندا وبريطانيا والولايات المتحدة. المستوى الأعلى من التنسيق يتعلق باتخاذ إجراءات تصاعدية ضد إسرائيل في حال الإصرار على تعطيل تنفيذ قرارات مجلس السلام أو رفضها تماما.

كاتب مصري

disqus comments here