كتب “اسماعيل الريماوي” العيد على وقع التصعيد: الاستيطان يهاجم الحياة الفلسطينية

في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه أيام العيد مساحة للسكينة والتراحم، تحولت مدن وقرى الضفة الغربية إلى ساحات مفتوحة لاعتداءات المستوطنين، في مشهد يكشف بوضوح عن طبيعة المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، حيث لم يعد العنف الاستيطاني استثناءً، بل أصبح أداة يومية منظمة تُدار بعناية وتُنفذ تحت مظلة رسمية.

ما شهدته مناطق الخليل وجنين وبيت لحم ونابلس ورام الله وسلفيت خلال أيام قليلة ليس مجرد سلسلة حوادث منفصلة، بل تعبير واضح عن سياسة متكاملة تهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها، عبر استهداف كل ما يرمز إلى بقائهم وصمودهم، سياسية فرض الخوف على الناس في حياتهم وتنقلاتهم، فحين تُطلق قطعان المستوطنين في الشوارع للاعتداء على السكان، وفي الحقول لتدمير المزروعات، وتُجرف أراضي الزيتون التي تشكل ذاكرة وهوية، وتُهاجم المنازل وتُحرق المركبات، فإن الرسالة تتجاوز الأذى المباشر لتصل إلى محاولة كسر الإنسان نفسه.

اللافت في هذه الاعتداءات ليس فقط وحشيتها، بل ذلك التداخل الواضح بين المستوطن والجيش، حيث تتحرك المجموعات الاستيطانية تحت حماية قوات الاحتلال، بل وفي كثير من الأحيان بمرافقتها المباشرة، هذا التماهي يكشف أن ما يجري ليس انفلاتًا، بل سياسة رسمية غير معلنة، تُستخدم فيها أدوات غير تقليدية لفرض السيطرة وتوسيع النفوذ دون الحاجة إلى قرارات سياسية معلنة قد تستدعي ضغوطًا دولية.

تأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية ودولية معقدة، حيث تتراجع القضية الفلسطينية على سلم الأولويات العالمية، في ظل انشغال القوى الكبرى بصراعات أخرى، ما يمنح الاحتلال مساحة أوسع للمضي قدمًا في مشاريعه دون محاسبة حقيقية، وفي هذا الفراغ يتحول المستوطن إلى رأس حربة في تنفيذ مشروع التوسع، مستفيدًا من غياب الردع، ومن واقع سياسي فلسطيني مأزوم يعاني من التشتت والانقسام وضعف القدرة على الفعل.

لكن في المقابل، فإن تصاعد هذه الاعتداءات يحمل في طياته مؤشرًا آخر، يتمثل في إدراك الفلسطينيين المتزايد لطبيعة ما يُحاك ضدهم، حيث بدأت تتعالى الدعوات لتصعيد المواجهة، ليس فقط كرد فعل، بل كخيار وجودي في مواجهة مشروع يستهدف اقتلاعهم من أرضهم. فالمسألة لم تعد تتعلق بحادثة هنا أو هناك، بل بصراع مفتوح على الجغرافيا والهوية والمستقبل.

إن ما يجري في الضفة الغربية اليوم هو محاولة لإعادة رسم الخريطة بالقوة، وفرض واقع يجعل من الاستيطان أمرًا لا رجعة فيه، لكن التاريخ أثبت أن الشعوب التي تتمسك بأرضها، رغم كل محاولات الإخضاع، تملك دائمًا القدرة على قلب المعادلات، مهما طال الزمن وتعاظمت التحديات.

في ظل هذا المشهد، تبدو الضفة الغربية أمام اختبار قاسٍ، ليس فقط في قدرتها على الصمود، بل في قدرتها على تحويل الألم إلى فعل، والاعتداء إلى دافع لإعادة ترتيب الأوراق، بما يعيد للقضية مركزيتها، ويكسر حالة التهميش التي يحاول الاحتلال فرضها، فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي والإرادة، وعلى من يملك القدرة على فرض روايته في مواجهة واقع يُصنع بالقوة كل يوم.

disqus comments here