حرب المياه في الضفة الغربية… سياسة احتلال ممنهجة لخنق الحياة وفرض التهجير الصامت
لم تعد المياه في الضفة الغربية موردًا طبيعيًا فحسب، بل تحوّلت إلى أداة ضغط وسياسة ممنهجة ينتهجها الاحتلال والمستوطنون لخنق حياة الفلسطينيين ودفعهم قسرًا إلى الرحيل.
ومن خلال تخريب شبكات المياه، والسيطرة على الينابيع، وتحويل مصادر المياه لصالح المستوطنات، تتفاقم معاناة الفلسطينيين اليومية في تأمين أبسط حقوقهم الإنسانية، وسط واقع يحوّل العطش إلى وسيلة تهجير صامت.
ومنذ احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، عمل الاحتلال على حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المائية عبر أوامر عسكرية وضعت معظم مصادر المياه تحت سيطرته المباشرة. وتشير معطيات سلطة المياه الفلسطينية إلى أن الفلسطينيين يُمنعون من استغلال أكثر من 85% من مصادرهم المائية، ما جعل أزمة المياه بنيوية ومزمنة.
مخطط سياسي معلن
ويرى مراقبون أن الاعتداءات على مصادر المياه تأتي ضمن مخطط سياسي يستهدف تفريغ التجمعات الفلسطينية، عبر محاصرتها ومنع وصول المياه إليها وتحويل مصادرها لصالح بؤر استيطانية، وهو ما انعكس مؤخرًا في تصريحات لوزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، الذي أشاد بدور المستوطنين في السيطرة على آبار المياه في عين سامية قرب رام الله.
مساران متوازيان للانتهاكات
ويوضح مدير عام التخطيط في سلطة المياه الفلسطينية، عادل ياسين، أن الانتهاكات الإسرائيلية في ملف المياه تسير في مسارين متوازيين؛ الأول ميداني يتمثل في اعتداءات المستوطنين على الينابيع والآبار وخطوط النقل ومحطات الضخ، فيما يتمثل المسار الثاني في قيود إدارية وأمنية تعرقل تطوير البنية التحتية الفلسطينية، وتدفع الفلسطينيين للاعتماد على شراء المياه من شركة “ميكوروت”.
وأشار ياسين إلى تكرار عمليات كسر الخطوط الرئيسية، وتدمير المضخات، وتخريب أنظمة التحكم، وتطويق الينابيع أو تحويلها لصالح المستوطنات، إضافة إلى استخدام التهديد والعنف لمنع السكان من الوصول إلى مصادر المياه.
نماذج للهجوم المركّز
ويُعد حقل آبار عين سامية من أبرز نماذج الهجوم المنظم على مصادر المياه، إذ يزوّد نحو 19 قرية فلسطينية ويخدم ما يقارب 70 ألف نسمة، وقد تعرّض لسلسلة هجمات وتخريب أدت إلى اضطراب التزوّد ودفع السكان للاعتماد على شراء المياه بالصهاريج.
كما تُظهر مناطق الأغوار، ومنها نبع العوجا وبردلة، آثارًا مباشرة لحفر آبار عميقة وتنفيذ ضخ مكثف أدى إلى خفض منسوب المياه وتجفيف مصادر محلية، ما انعكس على مياه الشرب والزراعة وسقي المواشي.
التهجير الصامت
من جانبه، يؤكد المشرف العام لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، أن السيطرة على ينابيع المياه تُعد جزءًا أساسيًا من مخطط تهجير صامت يستهدف التجمعات البدوية والرعوية، عبر حرمانها من مقومات البقاء، وعلى رأسها المياه.
ويشير مليحات إلى أن هذه السياسات تُنفذ بتنسيق بين المستوطنين وسلطات الاحتلال وشركة “ميكوروت”، من خلال هدم الآبار وخزانات المياه، وتحويل مجاري الينابيع، وفرض واقع قسري يدفع السكان إلى الرحيل دون قرارات رسمية معلنة.
ووفق تقارير حقوقية، يبلغ متوسط استهلاك الفرد الإسرائيلي 247 لترًا يوميًا، مقابل 82.4 لترًا للفرد الفلسطيني في الضفة الغربية، وينخفض إلى 26 لترًا فقط في التجمعات غير الموصولة بالشبكة، في مشهد يعكس فجوة صارخة في الحق بالحياة والمياه.