حرب الإبادة الإسرائيلية تخلّف جيلًا جديدًا من الصم في غزة

تسببت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في نشوء أزمة صحية صامتة لا تقل خطورة عن القتل والدمار، حيث أدت كثافة القصف والانفجارات إلى إصابة آلاف الأطفال والبالغين بفقدان السمع الجزئي أو الكلي، ما ينذر بتكوّن جيل جديد من ذوي الإعاقة السمعية في منطقة تعاني أصلًا من انهيار شبه كامل في منظومتها الصحية.

وبحسب تحقيق ميداني أجرته صحيفة لوموند الفرنسية، فإن التعرض المتكرر للانفجارات، سواء القريبة أو المتوسطة، أدى إلى أضرار جسيمة في الأذن الداخلية والعصب السمعي لدى عدد كبير من سكان القطاع.

وتشير تقديرات منظمات محلية متخصصة إلى أن عشرات الآلاف يعانون اليوم من درجات متفاوتة من فقدان السمع، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال.

وبحسب التحقيق فإن الضرر لا ينتج فقط عن الإصابات المباشرة أو الشظايا، بل عن موجات الضغط الصوتي الهائلة المصاحبة للغارات الجوية والقصف المدفعي، وهي موجات قادرة على تمزيق الشعيرات الدقيقة في الأذن الداخلية أو إحداث تلف عصبي دائم، حتى في غياب جروح ظاهرة.

ووصف أطباء محليون هذه الإصابات بأنها “إعاقات غير مرئية”، لكنها ذات أثر طويل الأمد على حياة المصابين.

فرص تأهيل معدومة

يروي التحقيق حالات لأطفال فقدوا قدرتهم على السمع فجأة بعد غارات استهدفت أحياءهم.

وقال إنه في كثير من هذه الحالات، لم تُشخَّص الإصابة فورًا بسبب انشغال الأسر بالبقاء على قيد الحياة، أو بسبب غياب المرافق الطبية القادرة على إجراء فحوصات سمع متخصصة. ومع مرور الوقت، تبيّن أن الضرر دائم، وأن فرص العلاج أو التأهيل باتت شبه معدومة.

وذكر التحقيق أن المشكلة تتفاقم بسبب الانهيار الواسع للقطاع الصحي في غزة. فالمستشفيات القليلة التي ما زالت تعمل تفتقر إلى أجهزة فحص السمع، وأطباء الأنف والأذن والحنجرة، وأخصائيي السمعيات.

أما أجهزة السمع، فهي نادرة جدًا، وإن وُجدت، فإن صيانتها أو توفير بطارياتها يكاد يكون مستحيلًا في ظل القيود المفروضة على إدخال المعدات الطبية.

أرقام الإصابات بالأضعاف

تسلط لوموند الضوء على دور مؤسسات محلية مثل مركز “أطفالنا” (Atfaluna)، المتخصص في رعاية الصم وضعاف السمع، والذي يعمل منذ التسعينيات في غزة. إلا أن المركز نفسه تعرض لأضرار جسيمة خلال الحرب، وفقد جزءًا من طاقمه وإمكاناته، ما قلّص قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

ويؤكد العاملون في المركز أن عدد الحالات الجديدة يفوق بأضعاف ما كانوا يتعاملون معه قبل الحرب.

ولا تقتصر تبعات فقدان السمع على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى التعليم والحياة الاجتماعية.

فالأطفال المصابون يواجهون صعوبات كبيرة في التعلم، خاصة في ظل تعطل المدارس، وغياب برامج الدمج والدعم النفسي والتربوي. ويؤدي ذلك إلى عزلة متزايدة، واضطرابات نفسية، وتأخر في النمو اللغوي والمعرفي.

ويحذّر مختصون نقلت عنهم الصحيفة من أن عدم التدخل العاجل سيحوّل هذه الإصابات إلى إعاقة دائمة، ما سيحمّل المجتمع الغزي أعباء إضافية لعقود مقبلة. فالتأهيل السمعي، حتى في الظروف الطبيعية، يتطلب سنوات من المتابعة والدعم، وهو أمر غير متاح حاليًا في غزة.

كما يشير التحقيق إلى أن القيود الإسرائيلية على إدخال المعدات الطبية، بما فيها أجهزة السمع والمواد اللازمة لصيانتها، تُعد عاملًا رئيسيًا في تعميق الأزمة. فحتى الحالات التي يمكن إنقاذها أو تحسينها طبيًا تُترك دون علاج، ما يحوّل الضرر المؤقت إلى عاهة مستدامة.

ويخلص تحقيق لوموند إلى أن حرب الإبادة في غزة لا تخلّف فقط شهداء وجرحى، بل تُنتج آثارًا صحية بعيدة المدى، تصيب الأطفال بشكل خاص، وتُعيد تشكيل الواقع الإنساني للقطاع. جيل جديد ينشأ اليوم مثقلًا بإعاقات لم يخترها، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية، ما يطرح أسئلة ثقيلة حول الكلفة الإنسانية للحرب، ليس فقط في الحاضر، بل في المستقبل أيضًا.

disqus comments here