هآرتس:هل كادت ثورة (1936) أن تشكّل اللحظة المفصلية في الصراع العربي – الإسرائيلي؟

بعد أيام قليلة من حرب الأيام الستة، حاول دافيد بن غوريون الاتصال هاتفيًا بموسى العلمي، أحد أبرز قيادات المجتمع الفلسطيني الذي كان يقيم آنذاك في لندن. كان خط الهاتف معطّلًا: “لم يسمعني، مع أنني كنت أسمعه”، كتب بن غوريون في يومياته، “ثم تحسّن الخط قليلًا فسمعني، لكنني لم أسمعه”. إنها حكاية معروفة؛ كثيرًا ما يستخدمها باحثو الصراع لتجسيد صعوبات الحوار بين الإسرائيليين والفلسطينيين. أورِن كيسلر يفعل الأمر نفسه. كتابه “1936: الثورة الكبرى وجذور الصراع في الشرق الأوسط”، الذي صدر بالإنجليزية عام 2023 وتُرجم إلى عدة لغات، يستند، من بين أمور أخرى، إلى مواد لم تُنشر سابقًا بالعبرية.

كيسلر، وهو صحافي يقيم بين تل أبيب ونيويورك، يعرّف أسلوبه بأنه “تاريخ سردي”، وعلى خلاف معظم المؤرخين الأكاديميين يبني روايته حول شخصيات عدد من الأفراد البارزين، غالبيتهم من الجانب العربي للصراع. هذا الميل إلى التعمّق في شخصيات ملموسة قد يزيد من التشويق وعدد القرّاء، لكنه لدى كيسلر يأتي أحيانًا من دون ما يكفي من التقدير والحذر، وعلى حساب معلومات وتحليلات ضرورية للفهم. والنتيجة كتاب سلس ومكتوب بإتقان، لكنه غير مُحكم ولا شامل، كُتب أساسًا لقرّاء لا يعرفون الكثير عن إسرائيل. وفي نسخته العبرية، يكون ذلك مزعجًا في غير مرة.

على خلفية هزيمة العرب عام 1948، بما في ذلك النكبة وإقامة دولة إسرائيل، درج كثيرون على وصف الثورة العربية الكبرى بالفشل. صحيح أن البريطانيين قمعوا الثورة بمساعدة حرّاس يهود جُنّدوا لهذا الغرض، لكن كيسلر يقرّر، وبحق، أن الثوّار نجحوا في إجبار الإمبراطورية البريطانية على التراجع عن وعد بلفور، ثم على مغادرة فلسطين. وهنا جواب على السؤال الأبدي: من طرد البريطانيين — “الهاغاناه” أم “إتسل” أم “ليحي”؟ الجواب هو أن العرب هم من طردوهم، أو بالأدق دفعوهم إلى أن يطردوا أنفسهم.

بدأت الثورة بإضراب عام، كان شبه شامل، ترافق مع عنف شديد يضعه كيسلر في صلب كتابه، تحت عناوين مثل “يوم الدم في يافا”، “الأحد الأسود”، “الأرض المشتعلة” و”الثورة تزداد توحشًا”. السرد يبرّر هذه العناوين، لكنه يتقدّم من دون أن يسبقه تمهيد كافٍ: تخطيط، تجنيد، تسليح، تمويل، استخبارات، واتخاذ قرارات. في مرحلة متأخرة نسبيًا من السرد، تُذكر فجأة جلسة جمعت قادة “العصابات المسلحة الست الكبرى في البلاد”. من هي هذه “العصابات”؟ كيف تنظّمت وأين؟ من موّلها؟ والأهم: من كانوا المقاتلون الذين خدموا فيها، ولماذا انضمّوا إليها أو جُنّدوا؟

يضع كيسلر الثورة في تشابك الصراعات والخلافات التي مزّقت المجتمع العربي؛ ويكتب أنه لولا أن البريطانيين دفعوا بالمفتي الحاج أمين الحسيني إلى الواجهة “لكان على الأرجح قد طواه النسيان التاريخي”. غير أن معارضة العرب للصهيونية رافقتها منذ بداياتها الأولى، كما كتب أحد أبرز قيادات المجتمع العربي في القدس، رئيس البلدية السابق يوسف الخالدي، إلى تيودور هرتسل نفسه، قبل ما يقرب من أربعين عامًا على اندلاع الثورة العربية. هذه الرسالة، المحفوظة اليوم في الأرشيف الصهيوني، لا يعرفها كثير من الإسرائيليين، ولا يذكرها كيسلر. كذلك لا يمنح حيّزًا كافيًا للتحوّل العميق الذي شهدته البلاد في أعقاب الاحتلال البريطاني، ولا سيما بعد وصول النازيين إلى الحكم في ألمانيا: ففي السنوات الثلاث التي سبقت اندلاع الثورة، كاد عدد اليهود الذين استقروا في البلاد أن يضاعف العدد الإجمالي القائم. وكلما ازداد العدد، تصاعدت عدائية العرب.

في مقدّمة الكتاب يشكر كيسلر اثنين من أصدقائه أسهما في تزويده بمعارف باللغة العربية. غير أنه ليس واضحًا إلى أي حدّ يتقن هذه اللغة؛ إذ يعتمد أساسًا على مصادر باللغة الإنجليزية. وربما يفسّر ذلك اختياره وضع شخصيتين عربيتين في قلب الكتاب، كلتاهما مندمجتان في ثقافة الإمبراطورية البريطانية وقيمها، وكلتاهما من خرّيجي جامعة كامبريدج: جورج أنطونيوس وموسى العلمي — شخصيتان آسرَتان بلا شك، لكنهما في الحقيقة ليستا ممثلتين ولا محوريتين.

يكتب كيسلر أن أنطونيوس كان “أكثر العرب موهبة في فلسطين، وربما أكثرهم اضطرابًا نفسيًا”. وقد ألّف كتابًا لا يزال يُعدّ حتى اليوم حجر الأساس في الوعي القومي الفلسطيني؛ كما شارك من حين إلى آخر في اتصالات سياسية، بما في ذلك محادثات مع دافيد بن غوريون. غير أنه، بخلاف بن غوريون، كان يمثّل في الأساس نفسه. أمّا العلمي فكان قانونيًا وموظفًا رفيعًا في حكومة الانتداب البريطاني؛ انشغل كثيرًا بالتفكير في حلّ الصراع، وحاول من دون نجاح تنظيم مفاوضات بين بن غوريون والمفتي الحسيني، لكن تأثيره، شأنه شأن أنطونيوس، ظلّ هامشيًا. لكلٍّ منهما ما يبرّر كتابة سيرة ذاتية عنه، وقد نالها بالفعل، لكن من يريد التعرّف إلى الثورة العربية الكبرى لا يحتاج إلى معرفة أن والدة أنطونيوس كانت “بوهيمية غريبة الأطوار”، كما يروي كيسلر، ولا أن زوجته، مثله، لم تكن جميلة “بالمعنى المتعارف عليه للكلمة”، إذ كانت قصيرة القامة ولها أنف كبير. وقد انتهى زواجهما بالطلاق.

عن العلمي يكتب كيسلر أن له أخًا بالتبنّي، يهوديًا. كان يمكن أن يكون ذلك سبقًا صحافيًا لو كان صحيحًا: فقد حدث أن نساء يهوديات سلّمن أطفالًا للرضاعة لدى جارات عربيات، والعكس أيضًا. أحيانًا نشأت عن ذلك علاقة مستمرّة بين الأطفال، لكنها لم تكن تبنّيًا. كذلك، يواجه كيسلر صعوبة في التمييز بين المهمّ والهامشي لدى شخصيات أخرى: فهو يذكر عن رامزي ماكدونالد أنه وُلد غير شرعي، ويشير إلى أن شقيقتي نيفيل تشامبرلين لم تكونا متزوّجتين.

ما بين فلسطين وPalestina

غالبًا ما تتطلّب الكتب عن الصراع، المترجمة إلى العبرية من لغات أخرى، قدرًا من التسامح. فمصطلح “عواصف في النقب” يُستخدم في التأريخ العبري لوصف البوغرومات التي وقعت في القرن التاسع عشر في أوروبا الشرقية، وإذا كان أحد الموظفين البريطانيين قد استعمله أيضًا لوصف “الإرهاب العربي”، فمن الأفضل التخلّي عنه في النسخة العبرية. رئيس بلدية طبريا، زكي الحداديف، الذي قُتل على يد عرب، كان يهوديًا، كما هو معروف، لكن كيسلر يعرّفه بأنه كان “عربيًا أيضًا”. ربما ينجح ذلك بالإنجليزية؛ في إسرائيل لا حاجة إلى هذا الالتباس. كذلك لا حاجة لتقديم بن غوريون: نعم، ذاك الذي ترأّس حزب “مباي”، واسمه الكامل “حزب عمّال أرض إسرائيل”.

وفي إسرائيل يمكن أيضًا الاستغناء عن شرح ماهية يوم التاسع من آب (تِشَعاه بِآف). يسرد كيسلر سلسلة كوارث حلّت بالشعب اليهودي في هذا اليوم عبر التاريخ، من بينها طرد اليهود من إنجلترا (1290)، وفرنسا (1306)، وإسبانيا (1492). تشات، سؤال ثمين: هل هذا صحيح؟ تشات: “سؤال ممتاز”. الجواب: صحيح إلى حدّ ما — لكنه غير ذي صلة فعلية بأفعال المفتي. نعم، الاسم الأول للمفتي — أمين — يعني بالعبرية “جدير بالثقة”، وكتاب تاريخ الهاغاناه يرد في هوامش المصادر في نهاية الكتاب بأحرف لاتينية على النحو: Sefer Toldot. في الكتاب أخطاء يمكن التعايش معها، لكن كان من الأفضل تفاديها.

في هذه الأيام، يصعب قراءة كتاب مترجَم عن الصراع من دون التساؤل عن الموقف السياسي لمؤلفه: “معنا” أم “ضدّنا”؟ وبما أن كيسلر يرى في الثورة العربية الحلقة الأولى في الصراع، ويمدّ سرده حتى “النكبة الثانية”، فإن نقطة الاختبار البديهية هي ما يكتبه عن النكبة الأولى. هنا يتهرّب كيسلر: “تفاصيل هذا الصدام، وقبل كل شيء أسباب مغادرة أو طرد نحو 700 ألف لاجئ، موضع خلاف مرير، وتتجاوز نطاق البحث في هذا الكتاب”.

على غرار مؤلفين آخرين، يكتب كيسلر “أرض إسرائيل” فقط عندما يكون المقصود هو وجهة النظر اليهودية الصريحة، ويستخدم في الغالب اسم “فلستينة” أو “فلستينة–أرض إسرائيل”. ولا سبب، بطبيعة الحال، لعدم استخدام الاسم العبري للبلاد أيضًا عند الحديث عن سكانها العرب، فهذا — شئنا أم أبينا — اسمها. كما يكتب كيسلر “عرب فلستينة”، بحجة أن “هذا هو الاسم الذي عُرفوا به في حينه، بما في ذلك على ألسنة ممثليهم”. كل هذا يعكس — لا عند كيسلر وحده — تردّدًا غريبًا اكتسب طابعًا غرائبيًا بعد حرب الأيام الستة، حين أصبح “الفلسطينيون” علامة على اليسارية، و”فلستينيون” و”أرض إسرائيل” علامة على القومية. يسعى كيسلر إلى ألا يكون “معنا” ولا “معهم”، بل أولًا وقبل كل شيء مع القصة نفسها، وهي مقاربة تُحسب له.

الأطروحة المركزية في الكتاب هي أن الثورة فشلت أساسًا لأن العرب لم يكونوا موحّدين بل غارقين في صراعات داخلية، بخلاف اليهود. في هامشٍ يقتبس كيسلر المؤرخ هليل كوهين، الذي يرى أن حجم الخلافات الداخلية بين العرب مُبالَغ فيه. وبما أن هذه هي الأطروحة الأساسية، كان يجدر به التطرّق أيضًا إلى الانقسامات داخل المجتمع اليهودي، وفحص مدى تأثيرها: بن غوريون في مواجهة جابوتنسكي، بن غوريون في مواجهة برل كتسنلسون، الخلاف حول التقسيم، قضية “ألطلينا”، تفكيك البلماح، المتدينون في مواجهة العلمانيين، الأشكناز في مواجهة الشرقيين، الأراضي والمستوطنات. في غياب كل ذلك، يظهر اليهود كأمّة موحّدة. حتى اغتيال رابين — وهو بالتأكيد ليس تعبيرًا عن وحدة وطنية — لا يَرِد ذكره في الكتاب.

السؤال الجوهري الذي يبقى بلا إجابة هو ما إذا كانت هناك في أي وقت إمكانية للتوصّل إلى اتفاق مع العرب، أي ما إذا كانت هناك فرصة ضائعة. المحادثات بين قادة عرب ويهود، كما يصفها كيسلر، تشير إلى أنه منذ ثلاثينيات القرن الماضي لم يعرف حتى أكثر المعتدلين في كل طرف أن يطرحوا ما يمكن أن يقبله أكثر المعتدلين في الطرف الآخر. ومع ذلك، لا يحسم كيسلر موقفه هنا أيضًا، بل يترك الكلمة الأخيرة لموسى العلمي: “ما زلت أؤمن، حتى الآن، بأن في هذه البلاد إمكانية للسلام”. لا شيء مما كُتب في الكتاب يدعم هذا الإيمان، لكن هكذا هي العادة في أميركا: في النهاية، لا بدّ من قول شيء متفائل.

disqus comments here