دوي فضائح وثائق إبستين يتمدد: الأوروبيون يحاسبون والأميركيون في حرب سياسية

تجاوز تأثير وثائق جيفري إبستين، المجرم المُدان بجرائم جنسية والمنتحر في عام 2019، الداخل الأميركي، باتجاه القارة الأوروبية، مع الكشف عن تورّط شخصيات سياسية ومصارف واتحاد صحافي، وتداول أسمائهم في الوثائق. وعلى الرغم من أن أعداد المتورطين في الولايات المتحدة أكبر بكثير من الأوروبيين، إلا أن دويّ فضائح وثائق إبستين في القارة القديمة اتخذ بعداً أكثر من أميركا الغارقة في تصفية الحسابات السياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين. ويمكن تفسير سبحة الاستقالات التي تتوالى في أوروبا بعجز المتورطين في فضائح إبستين عن الاحتماء خلف مناصبهم أو أحزابهم لمحاولة التفلت من المساءلة السياسية والأخلاقية، خصوصاً بعد أن تحولوا إلى عناوين رئيسية للأخبار.

استقالات بسبب وثائق إبستين

وهو ما تجلّى في حصول العديد من الاستقالات، مثل الوزير السابق بيتر ماندلسون في بريطانيا، ووزير الثقافة الفرنسي السابق رئيس معهد العالم العربي في باريس جاك لانغ الذي يتم التحقق بتورطه وابنته كارولين. وتُضاف إلى ذلك استقالة ميروسلاف لايتشاك، المستشار الأمني لرئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، بعد كشف مراسلاته مع إبستين التي تضمنت محادثات غير لائقة. كما استقالت السويدية جوانا روبنشتاين من منصبها رئيسة مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في السويد، بعد ثبوت زيارتها جزيرة إبستين في العام 2012.

أما في النرويج، فقد شهدت زلزالاً سياسياً بسبب وثائق إبستين مع تعليق عمل الدبلوماسية مونا يول، سفيرة في العراق والأردن، مؤقتاً إلى حين انتهاء التحقيقات، وذلك بسبب وجود اسمها في وصية إبستين، حيث زُعم أنه ترك مبلغ 10 ملايين دولار لأطفالها. مع العلم أنها زوجة تيري رود-لارسن، أحد مهندسي اتفاقيات أوسلو الذي يرد اسمه مراراً في وثائق إبستين. وتعد أحد مهندسي اتفاقية أوسلو للسلام في عام 1993. وقد أقرّ الاثنان بوجود علاقة شخصية ومالية مع إبستين، وجرى تعليق مهام مونا يول الدبلوماسية، سفيرة في العراق والأردن، مؤقتاً إلى حين انتهاء التحقيقات. وتزايد الجدل بعد كشف هيئة البث العام النرويجية أن إبستين أوصى لطفليهما بمبلغ عشرة ملايين دولار، خمسة ملايين لكل منهما. وتجرى التحقيقات حالياً لمعرفة طبيعة الخدمات التي قُدمت مقابل هذا الإرث المثير للريبة فيما يلتزم لارسن الصمت وكأنه غير معني بكل ما يتسرب.

وفتحت الشرطة النرويجية تحقيقاً بتهمة “الفساد الجسيم” ضد رئيس الوزراء الأسبق ثوربيورن ياغلاند، الذي أظهرت الرسائل المسربة أنه طلب من إبستين مساعدة مالية لشراء شقة، كما كشفت الوثائق أنه أقام في شقق إبستين في نيويورك وباريس بين عامي 2015 و2018. وياغلاند كان يرأس لجنة جائزة نوبل للسلام، وسكرتيراً عاماً لمجلس أوروبا، ما جعل تورطه فضيحة أخلاقية كبرى للنرويج. وخضع بورغه برنده، وزير الخارجية النرويجي السابق ورئيس منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، لمراجعة مستقلة من مجلس إدارة المنتدى. وأيضاً اعتذرت ولية العهد ميته ماريت بفعل ورود اسمها أكثر من ألف مرة في وثائق إبستين.

وزادت هذه الفضيحة من تعقيد موقف العائلة المالكة، خصوصاً أنها تزامنت مع بدء محاكمة ابنها ماريوس بورغ هويبي في قضايا جنائية أخرى. أما في الولايات المتحدة، فقد تحولت القضية إلى حملة لتصفية الحسابات بين الجمهوريين والديمقراطيين، بدءاً من تزايد ضغط الجمهوريين في الكونغرس على الرئيس الأسبق بيل كلينتون وزوجته هيلاري، ودعوتهما إلى جلسة استماع بسبب الوثائق. وهو ما دفع آل كلينتون، الموافقان على الجلسة، لطلب بثها علناً واستدعاء كل من ورد اسمه في الوثائق. مع العلم أن وزارة العدل الأميركية أعلنت، مساء الجمعة، أنها ستسمح لأعضاء الكونغرس بالاطلاع على ملفات غير منقّحة تتعلق بوثائق إبستين، اعتباراً من اليوم الاثنين، وذلك وفقاً لرسالة وُجّهت إلى المشرّعين. وجاء في الرسالة، التي حصلت عليها وكالة أسوشييتد برس، أن المشرّعين سيتمكنون من مراجعة النسخ غير المنقّحة لأكثر من ثلاثة ملايين ملف.

في المقابل، ردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً، أنه ليس متورطاً في أي قضية ضمن وثائق إبستين، حتى إنه اعتبر، مساء الجمعة، أن الوثائق الجديدة “لا تدينه، بل تبرئه”. وأضاف أن هذه النتائج جاءت “على عكس ما كان يأمله اليسار الراديكالي”، الوصف الذي يطلقه على الديمقراطيين. وظهر الفارق بين الأوروبيين والأميركيين في ما حصل في حالة الأمير أندرو البريطاني، الذي حرمه شقيقه الملك تشارلز في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من كل ألقابه الملكية، وطرده من قصر ويندسور. وهو أمر غير شائع في تاريخ الملكية البريطانية، لأنه نادراً ما يُجرّد فرد من ألقابه الملكية بهذه الطريقة. وذلك بسبب تورط أندرو في وثائق إبستين، حتى إنه في فبراير/شباط 2022، توصّل الأمير أندرو إلى تسوية مالية خارج القضاء مع فيرجينيا جوفري، وهي إحدى المدعيات في قضية إبستين وانتحرت في إبريل/نيسان 2025، من دون أن يقر بالجريمة المنسوبة إليه، وهي اعتداؤه عليها وهي قاصرة. في السياق، يواجه السفير البريطاني السابق في الولايات المتحدة الوزير السابق بيتر ماندلسون مطالبات بإعادة مستحقاته الوظيفية التي حصل عليها بعد عزله من منصبه سفيراً.

غضب بريطاني

وذكرت وكالة الأنباء البريطانية “بي إيه ميديا”، الجمعة الماضي، أنه كان قد تم عزل ماندلسون، الذي ينتمى لحزب العمال، بسبب صلته بإبستين، ولكن تزايد الغضب في ويستمنستر (مقر البرلمان البريطاني) بعدما كشفت أحدث الوثائق أنه قام بتسريب معلومات لصديقه أثناء عمله وزيراً بالحكومة. وقال حلفاء رئيس الوزراء كير ستارمر إنه يتعين على ماندلسون إعادة مستحقاته التي جاءت من أموال دافعي الضرائب أو التبرع بها لصالح للضحايا. وتقدر المستحقات التي حصل عليها ماندلسون بعد عزله في سبتمبر/أيلول الماضي بنحو 55 ألف جنيه إسترليني (75 ألف دولار) قبل حساب الضرائب والخصومات، حسب ما ذكرت صحيفة صنداي تايمز.

كذلك، أظهرت وثائق، نُشرت أمس الأحد، أن مصرف يو.بي.إس السويسري فتح حسابات مصرفية لغيلين ماكسويل، حبيبة إبستين، في عام 2014، أي بعد أشهر قليلة من قرار مصرف جيه.بي مورغان تشيس إنهاء علاقته مع إبستين. وساعدها المصرف السويسري أيضاً في إدارة ما يصل إلى 19 مليون دولار في السنوات التي سبقت إدانتها بتهمة الاتجار بالجنس في عام 2021. في ألمانيا، أفادت مجلة دير شبيغل، أمس الأحد، بأن السلطات الفيدرالية في الولايات المتحدة كشفت أن غيلين ماكسويل كانت تحمل بطاقة صحافية دولية صادرة في ألمانيا عن اتحاد الصحافيين الألمان، وهو أكبر اتحاد للصحافيين في العالم، وكان مكتوباً أسفل اسمها على البطاقة “DJU in Ver.di, Germany”، في إشارة إلى أن اتحاد الصحافيين الألمان تابع لنقابة قطاع الخدمات الموحدة. وأوضح التقرير أن البطاقة الصادرة باسم ماريون غيلين نويل ماكسويل، تضمنت صورة شخصية لها، وحدد تاريخ انتهاء صلاحيتها في 15 سبتمبر 2017. وأشار التقرير إلى أن امتلاك ماكسويل بطاقة صحافية أثار التساؤلات، لافتاً إلى أن اتحاد الصحافيين الألمان يمنح هذه البطاقة حصراً لأعضائه، وأن شرط الحصول عليها هو ممارسة العمل الصحافي. وأضاف أن ماكسويل لم يكن معروفاً عنها أنها عملت في مجال الصحافة، لا سيما في ألمانيا. كما ذكر التقرير أن ماكسويل قدّمت هذه البطاقة الصحافية، إلى جانب رخصة قيادة بريطانية، وثيقةَ هوية في أحد فروع شركة بريد “يو بي إس” (UPS) في مدينة بوسطن الأميركية، ولذلك أُدرجت هذه الوثائق ضمن ملفات التحقيق في قضية إبستين.

وأمس الأحد، وافقت الحكومة الفرنسية على استقالة الوزير الأسبق جاك لانغ من رئاسة معهد العالم العربي في باريس، بعد كشف صلته بإبستين. وصرحت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون لإذاعة فرانس إنفو “أعتقد أن جاك لانغ اتخذ القرار الوحيد الممكن، القرار الوحيد المأمول به في الحال الراهنة. أعتقد أن الوضع كان لا يحتمل”. وتزايدت الدعوات إلى استقالة لانغ بعد نشر وثائق إبستين. ورضخ لانغ (86 عاماً) للضغوط المتزايدة، واقترح أول من أمس السبت الاستقالة من رئاسة معهد العالم العربي في باريس، في خطوة قبلها وزير الخارجية جان نويل بارو وأعلن بدء البحث عن خلف له.

disqus comments here