بمنظور إسرائيلي: استهداف فنزويلا يقيّد إيران ويخنق شريان النفط المتجه إلى الصين
إيران لن تتخلى عن أميركا اللاتينية وستحاول تعميق تأثيرها في نيكارغوا وكوبا، معاقل مقاومة الولايات المتحدة. والحرب ضد المخدرات مجرد ذريعة. ومن خلفها يدور صراع أكبر بكثير حول الطاقة والتكنولوجيا وسيطرة عالمية”.
ركزت التقارير والتحليلات في إسرائيل اليوم، الأحد، بشأن الهجوم الأميركي على فنزويلا، أمس، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقله إلى الولايات المتحدة بادعاء محاكمته، على أن هدف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هو السيطرة على نفط فنزويلا وهو أكبر احتياطي نفط في العالم، وعلى أن هذا الهجوم يحمل رسالة تهديد إلى كل من إيران والصين وحزب الله.
وأشار المحلل العسكري في القناة 12، نير دفوري، إلى أن جهاز الأمن الإسرائيلي تابع بترقب الهجوم الأميركي في فنزويلا، “الذي من شأنه التأثير أيضا على الحلبة الإيرانية وحزب الله. واعتقال الرئيس مادورو يشكل استهدافا هاما للمحور بين فنزويلا وإيران وحزب الله. ولتنفيذ تهديد ترامب يوجد وزن هائل في الشرق الأوسط، ويقدرون في إسرائيل أن العملية الأميركية ستشكل عاملا للجم إيران”.
ووفقا لصحيفة “هآرتس”، فإنه “في إسرائيل يرون بالهجوم الأميركي في فنزويلا كضربة للمحور الإيراني الذي استقر في فنزويلا في العقود الأخيرة. ونظام الرئيس مادورو اعتُبر في إسرائيل بوابة إيران إلى دول أميركا اللاتينية، وطوال العقود الأخيرة طرأ تموضع واسع في فنزويلا لعناصر الحرس الثوري الإيراني وحزب الله”.
وأضافت الصحيفة أن “التقديرات في إسرائيل هي أن لحزب الله سيطرة في هذه الدولة وأن قياديين في الحرس الثوري الإيراني حصلوا على جنسية محلية تسمح لهم بالتنقل بدون حاجة إلى تأشيرة دخول في أنحاء أميركا الجنوبية، وبذلك جرى توسيع تأثير إيران في المنطقة”.
وتنظر إسرائيل إلى فنزويلا التي قطعت علاقاتها معها، في العام 2009، “ليس فقط أنها معادية لإسرائيل، وإنما كدولة صديقة لإيران أيضا. والجمهورية الإسلامية هي إحدى الحليفات المركزية لرئيس فنزويلا السابق، هوغو شافيز، ولمادورو وجرى بين الدولتين تعاون اقتصادي وعسكري واسع. ومساء أمس، لم يخفوا في إسرائيل سعادتهم على إثر العملية العسكرية الأميركية لإسقاط نظام مادورو”.
وكتب وزير الخارجية الإسرائيلي، غدعون ساعر، في منصة “إكس” أن ترامب تصرف “كزعيم العالم الحر”، وادعى رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أن العدوان على فنزويلا هو “خطوة شجاعة من أجل الحرية والعدالة”.
ونقلت الصحيفة عن الباحث في برنامج إيران والمحور الشيعي في “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، داني سيترينوفيتش، قوله إن “إيران لن تتخلى عن أميركا اللاتينية وإنما ستحاول تعميق تأثيرها في نيكارغوا وكوبا، التي تعتبر معاقل لمقاومة الولايات المتحدة، على خلفية تعزز قوة اليمين في القارة وصعود عدد من الزعماء المؤيدين لترامب في الفترة الأخيرة”.
وأشارت الصحيفة إلى أنه “في إسرائيل رحبوا بصعود اليمين في عدة دول في جنوب أميركا في الفترة الأخيرة، ويأملون بأن العملية الأميركية ضد مادورو والضغط الذي يمارسه ترامب ضد زعيم كولومبيا اليساري، غوستاف بترو، سيعزز هذا التوجه. وتفضل الحكومة الإسرائيلية أن ترى في الحكم في فنزويلا خصم مادورو، إدموندو غونزاليس”.
صراع ضد الصين ونظام عالمي جديد
يدعي ترامب أن العدوان على فنزويلا يأتي في إطار الحرب ضد المخدرات، لكن “هذه مجرد ذريعة. وهذه قصة مريحٌ بيعها للجمهور الأميركي والجهاز القضائي. ومن خلفها يدور صراع أكبر بكثير حول الطاقة والتكنولوجيا وسيطرة عالمية”، حسب تحليل للباحث الإسرائيلي في التاريخ السياسي الأميركي، د. كوبي باردا، المنشور في صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
وشدد باردا أن “استهداف منشآت عسكرية ومطارات وأنظمة كهربائية لا تهدف إلى ردع عصابات وإنما إلى شلّ نظام. وترامب سعى إلى عزل فنزويلا عن محور الطاقة الصيني بالأساس. إن فنزويلا هي مفترق طرق الطاقة. وفي العقد الأخير، تم ضخ قرابة 90% من نفطها إلى الصين، وليس كسوق حر وإنما كتسديد ديون. وهذا منح بكين إمدادات طاقة رخيصة، واستقرار وحماية من مخاطر جيوسياسية. وهذا تجاوز لخط أحمر بالنسبة لترامب. دولة عظمى منافسة تستقر من ناحية الطاقة في قلب النصف الغربي للكرة الأرضية”.
وأضاف أن “الهدف من الغارات الجوية والحصار البحري والإعلان عن فنزويلا أنها دولة إرهاب ليس إسقاط النظام خلال يوم واحد، وإنما وقف الإنتاج والتصدير وتجفيف الأنبوب الذي يربط بين كاراكاس وبكين. وفنزويلا لم تكن حليفة أيديولوجية لبكين فحسب، وإنما مصدر طاقة مصيري. نفط رخيص ودائم ومحمي من ضغوط دولية. والقبض على مادورو وشلّ التصدير ليسا ضربة للنظام في كاراكاس فقط وإنما فقدان مورد إستراتيجي للصين. فسلسلة الإمدادات التي بنيت طوال سنين توقفت مرة واحدة”.
وأشار باردا إلى أن “إستراتيجية ترامب في أميركا الجنوبية مبنية على شبكة من الزعماء المحليين الذي يرى بهم شركاء طبيعيين، يقدمون له ولاء شخصيا وأسلوب حكم مشابه وصدام مباشر مع نخب ليبرالية ومؤسسات دولية. وهذا ليس تحالفا رسميا وإنما شبكة”.
وتابع أن “الطاقة ليست الوقود فقط. فهي الأساس للذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، ولحوسبة السحابة والتفوق التكنولوجي. ومن يسيطر على ضخ الطاقة يسيطر على وتيرة الابتكار، ومن يسيطر على الوتيرة يسيطر في العقود المقبلة. والصين بنت نفسها حول سلاسل إمدادات مستقرة. وكانت فنزويلا إحداها. وترامب فكك هذه الحلقة”.
وشدد باردا أن “فنزويلا لم تكن انحرافا عن السياسة الأميركية وإنما عودة إليها. ليست حربا ضد المخدرات وإنما استخدام المخدرات كذريعة. ليست عملية عسكرية موضعية وإنما خطوة عميقة تربط بين الطاقة والحكم وتحالفات شخصية في الصراع العالمي ضد الصين. والغرب، في هذه المرحلة على الأقل، ينتصر”.
وأشارت رئيسة قسم دراسات إسبانيا والبرتغال وأميركا اللاتينية في الجامعة العبرية في القدس، بروفيسور كلوديا كيدار، بمقالها في “هآرتس”، إلى أن العدوان الأميركي على فنزويلا يأتي بعد أشهر من التهديدات والحصار البحري الكامل على فنزويلا وهجمات الجيش الأميركي ضد زوارق وناقلات نفط من فنزويلا إلى كوبا وروسيا بالأساس إلى الصين.
وأضافت كيدار أنه “يصعب التقليل من شدة وأهمية هذه الأحداث. فليس فقط أن الولايات المتحدة هاجمت علنا من أجل الإطاحة برئيس خلال ولايته، وإنما هاجمت دولة ذات سيادة أيضا، واعتقلت الرئيس وزوجته ونقلتهما إلى الولايات المتحدة من أجل تقديمهما إلى محكمة أميركية. ورغم أن للولايات المتحدة تاريخ طويل في التدخل الفظ في أميركا اللاتينية، وبضمن ذلك في فنزويلا نفسها، لكن أحداث الأمس غير مسبوقة”.
وتابعت أنه “بالرغم من أن ترامب أعلن صراحة أنه يريد وضع يده على نفط فنزويلا، لكن من الجائز أنه تكمن في الأحداث الدراماتيكية، أمس، دوافع أخرى، يصعب التعرف عليها بشكل مؤكد حاليا. هل هذه طريقة لنقل رسالة إلى دول أخرى مثل إيران تهدد بالتدخل بشؤونها الداخلية. لكن، ربما، أن هدفه الحقيقي هو إثارة حماس قاعدته الانتخابية التي تشمل مجموعة كبيرة من ذوي الأصول اللاتينية الذين يعارضون الأنظمة اليسارية في فنزويلا وكوبا. هل هذه المرحلة الأولى في الطريق إلى إسقاط حكومة كوبا وإضعاف محور أميركا اللاتينية – إيران؟ الإجابة ستتضح عندما نرى من سيحل مكان مادورو وأي تأثير سيكون للولايات المتحدة على انتخاب رئيس فنزويلا الجديد وكيف سيتعامل ترامب معه”.
ولفتت كيدار إلى أنه “يجب التساؤل حول ما إذا لدى إدارة ترامب خطوط حمراء لتدخله في أميركا اللاتينية، وهل سيضع المجتمع الدولي خطوطا حمراء أمام الولايات المتحدة، وهل نشهد تشكل نظام عالمي جديد، يحل مكان النظام العالمي الذي تبلور منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؟”.