بدائل حماس الاستراتيجية في المرحلة المقبلة: مقاربة “الريد تيمينغ”

بعد أكثر من ثلاثة أشهر على تثبيت تفاهمات وقف إطلاق النار، وتبادل الرهائن والأسرى، والانسحاب الإسرائيلي الجزئي من قطاع غزة، تدخل حركة “حماس” واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ تأسيسها: مرحلة لا تُقاس فيها الخيارات بمعايير “الربح والخسارة” التقليدية، بل بمعيار وجودي عنوانه: كيف تبقى الحركة فاعلًا سياسيًا وعسكريًا دون أن يتحول بقاؤها إلى عبء مستحيل؟

ضمن هذا السياق، يعرض الباحث الأميركي بريان مايكل جينكينز مقاربة تحليلية تعتمد أسلوب “المحاكاة الخصمية” (Red Teaming) لتفكيك الخيارات الاستراتيجية المحتملة أمام “حماس” في المرحلة المقبلة، بعيدًا عن إغراءات التنبؤ السهل، وبهدف توسيع نطاق التفكير وإدراك ما يمكن أن يُفاجئ الخصوم والحلفاء والجمهور معًا.

“الريد تيمينغ”: من اختبار الخطط إلى قراءة العقل

تقوم مقاربة “الريد تيمينغ” على مبدأ بسيط: فهم الخصم من الداخل. كيف يرى الواقع؟ ما هي أهدافه؟ ما القيود التي تحكمه؟ وما الذي يعتبره نجاحًا أو هزيمة؟

لا تسعى هذه المنهجية إلى تقديم “توقع واحد” لمسار الأحداث، بل إلى بناء سلة بدائل تشمل خيارات “غير بديهية” أو حتى صادمة، لأن الهدف هو اختبار الافتراضات السائدة وتجنب ما يسميه الكاتب “فشل الخيال”؛ أي العجز عن تخيّل سيناريوهات كان يمكن منعها أو الاستعداد لها.

ورغم أن أدوات التفكير “كالفريق الأحمر” بدأت في التمارين العسكرية التقليدية (قوات حمراء ضد زرقاء)، إلا أن انتقالها إلى المعنى المعاصر ترسّخ خلال الحرب الباردة، حين صار فهم الأيديولوجيا والعقلية السوفييتية شرطًا لتجنّب حرب نووية كارثية. لاحقًا، ومع تصاعد الإرهاب المعاصر منذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت قراءة عقلية التنظيمات المسلحة ضرورة لأن هذه التنظيمات لا تتحرك وفق مؤشرات تقليدية (حشود عسكرية أو خطوط جبهة واضحة)، كما أن الكثير من التهديدات تكون “طموحية” أكثر منها قابلة للتنفيذ.

لماذا يصعب التنبؤ بـ“حماس”؟

يؤكد الكاتب أن “حماس” ليست “جيشًا نظاميًا” يمكن قياس سلوكه في نمط واحد. فهي في آن واحد:
    •    تنظيم سياسي وحركة اجتماعية وخدماتية
    •    بنية عسكرية متعددة المستويات
    •    شبكة تعبئة ورمزية قائمة على “هوية المقاومة”
    •    كيان يعمل في بيئة ضبابية في غزة، تحت ضغط عسكري وإنساني وإقليمي

كما أن أهداف الحركة ليست ثابتة دائمًا: هل أولوية “حماس” هي تحرير الأرض؟ أم تثبيت الحكم؟ أم شرعية الشارع؟ أم البقاء التنظيمي كغاية مستقلة؟

الكاتب يرجّح أن ما يميّز المرحلة المقبلة هو تصاعد مركزية هدف “النجاة التنظيمية” (Organizational Survival)، ما يفتح الباب أمام خيارات قد تبدو غير متوقعة.

7 أكتوبر: لحظة انعطاف… وكلفة وجودية

ينطلق المقال من أن هجوم 7 أكتوبر لم يكن عملية كبيرة وحسب، بل كان رهانًا استراتيجيًا على:
    •    عنصر الصدمة
    •    الاختراق الميداني
    •    خلط الأوراق سياسيًا وإقليميًا

لكن هذا الرهان نفسه وضع الحركة أمام كلفة “كارثية” محتملة، حيث تظهر مفارقة حاكمة:
    •    إذا لم تُظهر “حماس” قدرة على الصمود، قد تخسر الردع والهيبة والبيئة الحاضنة
    •    وإذا واصلت التصعيد، قد تصل الكلفة إلى مستوى يهدد وجودها ذاته

هنا يبرز سؤال المرحلة المقبلة: كيف تحافظ “حماس” على المعنى السياسي لبقائها، دون أن يصبح بقاؤها مستحيلًا؟

كيف ترى “حماس” مفهوم النصر؟

وفق مقاربة “الريد تيمينغ”، لا تقيس “حماس” النصر والهزيمة بمعايير الدول. فقد تعتبر نفسها منتصرة إذا:
    •    بقيت الحركة قائمة تنظيميًا
    •    احتفظت بصورة “المقاومة”
    •    منعت خصومها من فرض نزع سلاح نهائي

حتى لو كانت الخسائر البشرية والمادية كبيرة. وبالتالي، فإن مشاريع “اليوم التالي” في غزة—وخاصة نشر قوة تثبيت دولية ونزع السلاح والتسريح والانسحاب الكامل—لا تُقرأ داخل الحركة كإجراءات إدارية، بل كخطط قد تؤدي إلى تفكيك جوهرها وتحويلها إلى “تنظيم منزوع القدرة”.

الضرورات الخمس التي قد تحكم قرار الحركة

يفترض الكاتب أن خيارات “حماس” ستحكمها مجموعة “ضرورات”:
    1.    البقاء التنظيمي: استمرار القيادة والشبكات والبنية
    2.    الحفاظ على هوية المقاومة: باعتبارها مصدر الشرعية
    3.    رفض نزع السلاح بوصفه إلغاءً للحركة
    4.    الحفاظ على قدرة إعادة البناء: بشرًا وتنظيمًا وتسليحًا
    5.    إدارة الانقسام الداخلي: بين براغماتيين ومتشدّدين، وبين الداخل والخارج

ومن هنا، تصبح “التعددية الداخلية” عنصرًا أساسيًا في عدم اليقين: قد لا يعرف قادة الحركة أنفسهم مسارهم النهائي، أو قد لا يتفقون عليه.

ثلاثة مسارات استراتيجية محتملة

يوزع الكاتب خيارات “حماس” على ثلاثة اتجاهات كبرى:

1) نهج تصادمي (المواجهة)
يقوم على استمرار تبني المقاومة المسلحة كخط ثابت، أو إبقائها كتهديد دائم حتى في فترات التهدئة.
ميزة هذا المسار أنه يحافظ على صورة الحركة ويمنع خصومها من الادعاء أنها “هُزمت”. لكن مخاطره عالية: قد يقود إلى تصعيد جديد وردّ إسرائيلي واسع بما يعني دمارًا بشريًا وإنسانيًا أكبر، وربما إضعافًا إضافيًا للقدرة التنظيمية.

2) نهج سلمي/تكيّفي (هدنة طويلة واندماج سياسي)
يفترض أن “حماس” قد تتجه إلى قبول مسار سياسي على شكل هدنة طويلة (Hudna) مع تعليق الكفاح المسلح مؤقتًا، مقابل مطالب سياسية من بينها المشاركة في إصلاح السلطة الفلسطينية من الداخل، وربما الدفع باتجاه صيغة حكومة فلسطينية موحدة.

ضمن هذا المسار، قد تحاول الحركة تقديم نفسها كنموذج “تسوية” شبيه بتجارب أنهت نزاعات في دول أخرى (مثل أيرلندا الشمالية). وفي سياق المصالحة الوطنية، قد تعود دعوات الإفراج عن مروان البرغوثي كعامل يمكن استثماره لتوحيد الشرعية الفلسطينية.

3) استراتيجية مرنة وانتهازية (الترجيح الأكثر واقعية)
لا يطرحها الكاتب كحل وسط، بل كاستجابة طبيعية لبيئة شديدة الضبابية. في هذا السيناريو، قد تعتمد “حماس” سياسة “عدم الحسم الآن”، عبر:
    •    الاحتفاظ بالبنية التنظيمية وإعادة البناء البطيء
    •    تخفيف الاحتكاك إذا ارتفعت الكلفة
    •    تصعيد محدود منخفض الشدة عند الحاجة
    •    تفريغ ترتيبات “اليوم التالي” من مضمونها تدريجيًا دون مواجهة مفتوحة

وقد يتجسد ذلك في تغيير شكل العنف نحو عمليات أصغر، أقل استعراضًا، وأكثر صعوبة في الردع والاستهداف—مع استعادة الشبكات الاجتماعية والخدماتية لكسب الشارع.

يصل المقال إلى نتيجة مركزية: لا أحد يستطيع الجزم بما ستفعله “حماس”، وربما لا تعرف الحركة نفسها أو لا تتفق قياداتها داخليًا وخارجيًا على مسار واحد. لهذا، فإن الخطأ التحليلي الشائع هو البحث عن “توقع واحد”، بينما الأجدى هو اعتماد التفكير متعدد المسارات.

وفق منهج “الريد تيمينغ”، تبدو خيارات “حماس” في المرحلة المقبلة وجودية: بين مواجهة عالية الكلفة، أو تسوية مشروطة، أو مرونة تكتيكية تُبقي أوراق الحركة حيّة. وفي كل الحالات، فإن الرهان الأساسي للحركة لن يكون على “النصر العسكري”، بل على القدرة على البقاء كفاعل وتأجيل لحظة الإقصاء النهائي.

disqus comments here