عصفور يكشف عن أسرار قرار اغتيال ياسر عرفات كنقطة تحول خطيرة في المسار الوطني
القاهرة: أكد حسن عصفور، وزير شؤون المفاوضات الفلسطيني الأسبق وأحد مهندسي اتفاق أوسلو، أن القضية الفلسطينية خسرت بغياب الرئيس الراحل ياسر عرفات زعيمًا استثنائيًا، مشددًا على أن استهدافه لم يكن حدثًا عرضيًا بل قرارًا إسرائيليًا سياسيًا اتُخذ عقب فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000.
وقال، إنه ابن قطاع غزة، وبالتحديد من قرية عبسان في خان يونس، مؤكدًا أن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر كان بالنسبة له رمزًا أسطوريًا يمثل كل شيء في حياتهم.
وتحدث "عصفور"، خلال لقاء مع الإعلامي سمير عمر، في برنامج "الجلسة سرية"، المذاع على القاهرة الإخبارية، عن تلقيه خبر وفاة عبدالناصر قائلًا: "كنت في العراق أدرس هندسة زراعية عندما علمت بخبر وفاة عبد الناصر، كان الأمر صعب التصديق، الهزة التي شعرت بها كانت وجدانية أكثر منها سياسية، لأن عبدالناصر كان يمثل بالنسبة لنا الثورة الفلسطينية والانطلاقة بعد نكسة 1967، وأعاد للفلسطيني حضوره وأعطاه رمزية جديدة".
وأضاف: "بالنسبة لي شخصيًا، طفولتي السياسية كانت ناصرية بالكامل، عبدالناصر لم يكن مجرد سياسي تقليدي، بل كان رمزًا لكل شيء: سياسي، أب، مفكر، قائد وزعيم، وجدانيًا هو خالد بالنسبة لنا، ولم يكن فقط بالنسبة لي، بل بالنسبة لكل من عاش تلك المرحلة".
وأشار إلى أن عبدالناصر لعب دورًا كبيرًا في استنهاض الروح الوطنية الفلسطينية بعد هزيمة 1967، وأن إرثه استمر فيما بعد من خلال قيادة أبو عمار، مؤكدًا أن هذا الإرث وُجِد ليبقى وينتصر.
زعيم فريد ورحيله خسارة كبيرة للعالم العربي
اعتبر "عصفور"، أن وفاة "عبدالناصر" كانت خسارة كبيرة ليس للقضية العربية فقط، بل للحالة العربية بأكملها.
وقال: "الزعامة ليست شيئًا عاديًا، ليس كل يوم يولد زعيم، لدينا رؤساء كثيرون، بعضهم جيد وبعضهم أقل كفاءة، لكن الزعيم الحقيقي لا يظهر كل يوم، عبدالناصر كان زعيمًا فريدًا من نوعه".
وأضاف أن عبدالناصر كان مختلفًا عن أي قائد آخر، حتى عن ياسر عرفات، الذي جمع بين الثائر والسياسي، بينما عبدالناصر كانت زعامته رجل دولة وزعيمًا للعالم الثالث: "عبد الناصر كان أحد الرموز الثلاثة لحركة التحرر في العالم الثالث إلى جانب نهرو وتيتو، وهذه المرة كانت الأولى والأخيرة من نوعها".
الفكر والحركة الاجتماعية ضروريان ومستمران رغم الظروف
وقال وزير شؤون المفاوضات الفلسطيني الأسبق إن الحركة التاريخية والاجتماعية مستمرة دائمًا ولا يمكن أن تتجمد، مؤكدًا أن التفكير الجدلي والحركي ضرورة في السياسة والحياة اليومية.
وأضاف "إذا تجمدت الحركة أو الفكر، تضيع، الفكر مثل الضوء الذي أعطى الإنسانية أفقًا جديدًا للتفكير، ولا يزال أساسه صحيحًا بنسبة 100%".
الانتقال إلى السلطة أثّر جزئيًا على مكانة ياسر عرفات
ويرى أن الانتقال الذي شهده ياسر عرفات من مرحلة الثائر إلى رجل الدولة والمسؤولية السياسية أثّر جزئيًا على مكانته وزعامته.
وأضاف: "لم يكن عرفات رجل دولة بالمعنى الكامل مثل عبدالناصر، والحسابات التي فرضتها المرحلة جاءت لأننا لم نصبح دولة بالمعنى الحقيقي بعد، بل كنا حالة كيانية انتقالية.. ففي 1994 وضعنا حجر الأساس للسلطة، وكانت أول مواجهة عسكرية معنا وبين دولة الاحتلال في هبة النفق عام 1996، حيث شاركت أنا شخصيًا في الاشتباكات كعضو في المجلس التشريعي".
تلقيت رسالة تهديد واضحة لياسر عرفات
قال المفكر السياسي الفلسطيني إن واقعة نقل رسالة تهديد خطيرة إلى الرئيس الراحل ياسر عرفات تعود إلى قمة كامب ديفيد عام 2000، عقب الخلاف حول مسألة السيادة على القدس والحرم القدسي.
وأوضح عصفور أن الخلاف تمحور حول الطرح الإسرائيلي بشأن السيادة على الحرم القدسي فوق الأرض وتحتها، وهو ما رفضه عرفات بشكل قاطع، مؤكدًا أن السيادة الفلسطينية يجب أن تكون كاملة، وأنه لا يمكن القبول بأي صيغة تنتقص من ذلك.
وأضاف عصفور أن الرسالة نُقلت إليه مباشرة من قبل أمنون شاحاك وشلومو بن عامي، قائلًا إن صيغة الرسالة كانت واضحة وصريحة، وتحمل دلالة خطيرة: "قيل لي إن من لا يؤمن بثقافتهم ووجودهم في حائط البراق لا مكان له بينهم".
وأشار إلى أنه نقل الرسالة مباشرة إلى ياسر عرفات، وحرص على إبلاغه بتفاصيلها في مكان مفتوح خارج قاعة الاجتماع، لتجنب التسجيل أو التنصت، موضحًا: "فهمت من مضمون الرسالة أنها لا تعني الإقصاء السياسي فقط، بل تعني إنهاء وجود ياسر عرفات بالكامل، أي اغتياله".
وأكد عصفور أنه حاول خلال النقاش البحث عن أي مخرج، إلا أن الرسالة لم تحتمل أكثر من معنى واحد، وهو استهداف عرفات بشكل مباشر.
موقف ياسر عرفات من القدس كان قاطعًا وتم كسره لاحقًا باتفاق كيري 2017
قال المفكر السياسي إن نقاشه مع عرفات حول السيادة الفلسطينية على القدس كان من أصعب المواقف، مؤكدًا أن عرفات تمسك بسيادة كاملة على القدس دون أي تنازل.
وأوضح عصفور تفاصيل النقاش مع عرفات خلال قمة كامب ديفيد 2000: "حاولت إقناعه بإيجاد حل وسط، وقلت له أعطنا إشارة وسنحاول أن نجد لك ما يريحك، لكن النقاش استمر نحو ساعة، وكان أصعب مرة ناقشت فيها أبو عمار، في النهاية قال لي عبارته الشهيرة: كل فلسطين الـ27 ألف كيلومتر مربع لي، ما بتلزمني بدون القدس سيادة كاملة".
وأضاف عصفور أن موقف عرفات كان مدفوعًا بالذاكرة التاريخية لمحاولات اليهود بناء الهيكل مكان الحرم القدسي: "كان في ذهنه أن أي اعتراف بالوجود السيادي في هذه المنطقة قد يكون ضوءًا أخضر لبناء الهيكل على حساب الحرم، لذلك تمسك الموقف بشكل قاطع".
وأشار عصفور إلى أن الموقف الفلسطيني الذي تبناه عرفات تم كسره لاحقًا باتفاق كيري عام 2017، الذي اعترف ضمنيًا بسيادة إسرائيلية على الحرم القدسي، معتبرًا أن هذا الاتفاق شكّل اختراقًا لمبدأ عرفات وفتح الباب لتجاوزات لاحقة: "حتى الآن، الواقع يعامل الحرم ككل وكأنه الهيكل، بغض النظر عن إدارة الأوقاف الفلسطينية، وهذا يتعارض مع مبدأ السيادة الفلسطينية على القدس كما أراده عرفات".
اتهام عرفات برفض السلام خاطئ
قال "عصفور"، إن قرار التخلص من "عرفات" لم يكن وليد لحظة، بل اتُّخذ بشكل واضح عقب فشل قمة كامب ديفيد عام 2000، وتم تنفيذه بعد نحو أربع سنوات.
وأوضح عصفور، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك أعلن فور مغادرة الوفد الفلسطيني قمة كامب ديفيد، أنه "لم يعد هناك شريك في عملية السلام"، وهو ما اعتبره استكمالًا مباشرًا لرسائل سابقة نقلها كل من شلومو بن عامي وأمنون شاحاك، ومؤشرًا على إغلاق الملف السياسي مع عرفات نهائيًا.
وأشار عصفور إلى أن اتهام عرفات برفض السلام غير دقيق، موضحًا أن ما جرى كان خلافًا جوهريًا حول مفهوم السيادة، لا رفضًا للمفاوضات: "أبو عمار لم يرفض بالمعنى الحقيقي، بل كان لديه تصور واضح بأن الحقوق الدينية لا تعني السيادة السياسية، يمكن لأي طرف ممارسة شعائره الدينية، لكن تحت السيادة الفلسطينية، وهذا مبدأ سياسي وفكري، وليس تعنتًا".
وأضاف أن تحميل عرفات مسؤولية فشل المفاوضات هو قراءة خاطئة تبناها بعض السياسيين العرب والفلسطينيين، مؤكدًا أن القضية لم تكن مسألة صواب أو خطأ، بل اختلاف جذري في مفهوم السيادة.
اغتيال ياسر عرفات قرار سياسي إسرائيلي مباشر
شدد المفكر السياسي الفلسطيني على أن الأمر لم يكن "تمهيدًا" بل "قرار مباشر"، موضحًا: "ما جرى لم يكن تمهيدًا للاغتيال، بل قرار بالاغتيال، إسرائيل هي التي اغتالت ياسر عرفات بقرار سياسي علني، وليس قضية جنائية تحتاج إلى لجان وتحقيقات".
ونفى عصفور بشكل قاطع أي تورط فلسطيني، مباشر أو غير مباشر، في عملية اغتيال عرفات، معتبرًا أن التركيز على فرضيات داخلية يشكل تشويشًا وتبرئة غير مباشرة للفاعل الحقيقي.
وأكد أن حصار المقاطعة الذي انتهى بوفاة عرفات في 11 نوفمبر 2004 جاء في سياق خطة أوسع بدأت منذ عام 2000، مشيرًا إلى تصريحات علنية لرئيس جهاز الشاباك حينها عامي أيالون، تحدث فيها عن تنسيق مبكر بين إيهود باراك وأرييل شارون قبل اقتحام المسجد الأقصى.
إيهود باراك عدوّ السلام وأول من قوض اتفاق أوسلو
وأكد "عصفور" أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، الذي صرّح في قمة كامب ديفيد بعدم وجود شريك فلسطيني، هو نفسه الذي عارض اتفاق أوسلو منذ بداياته وانتقد اتفاقات السلطة الفلسطينية ورفضها.
وأوضح عصفور، أن باراك، بصفته رئيس أركان الجيش الإسرائيلي عام 1993، كان من أوائل المعارضين لاتفاق أوسلو، رغم أن العرف العسكري يمنع قادة الجيش من التدخل في الشأن السياسي، مشيرًا إلى أنه أول رئيس أركان يعلن بعد توقيع الاتفاق أن أوسلو يشكل خطرًا على الأمن القومي الإسرائيلي.
وأضاف أن معارضة باراك لأوسلو كانت موقفًا ثابتًا منذ عام 1993، خلافًا للصورة التي قُدّمت عنه لاحقًا باعتباره قائدًا إسرائيليًا يسعى إلى السلام، معتبرًا أن هذه الصورة غير دقيقة، مؤكدا أن باراك كان، "عدوًا لعملية السلام"، بل إنه ألحق بها ضررًا يفوق ما قام به بنيامين نتنياهو، الذي اكتفى بالتعطيل وعدم التنفيذ".
وأشار عصفور إلى أن باراك قاد سياسات وإجراءات عسكرية هدفت إلى تقويض السلطة الفلسطينية واتفاق أوسلو، معتبرًا أن الأحداث التي وقعت في 28 سبتمبر 2000 شكّلت الأساس بصعود الفاشية الإسرائيلية لاحقًا.
أبو مازن لم يملأ فراغ الزعامة بعد رحيل عرفات
قال "عصفور" إن وفاة عرفات شكّلت خسارة كبيرة للقضية الفلسطينية، على مستوى القيادة والتاريخ النضالي والإمكانات، وبعد رحيله استقال مباشرة في مارس 2005، لافتًا إلى أنه بعد استلام محمود عباس أبو مازن للرئاسة في يناير، كان الوضع معقدًا للغاية بعد أربع سنوات من المواجهة، ومع زعيم صعب جدًا على أي شخص أن يملأ هذا الفراغ.
وتابع عصفور أن الزعامة الحقيقية لدى الفلسطينيين كانت تتمثل في شخصيتي أبو عمار وأبو إياد، مع تأثير محدود لبقية القادة: "أبو عمار بفارق كبير، ثم أبو إياد، أما البقية من القادة المؤثرين فلا يصلون إلى مستوى الزعامة العامة التي تؤثر على القرار الكلي".
قرار إجراء انتخابات 2006 الفلسطينية وتأثير الضغط الدولي
قال "عصفور" إن "أبو مازن" تلقى خبر انسحاب شارون من قطاع غزة دون أي اتصال مسبق: "فقلت له ما حكوا مع الخارج، قال لي: نهائي، لم يتصل أحد ولم يبعثوا لك أي شيء، أنا سمعت زيي زي الآخرين، الرسالة كانت واضحة: بدهمش إيانا".
وأشار إلى أن أبو مازن كان يفكر في إجراء انتخابات لمجلس تشريعي، لكنه نصحه بتأجيلها نظرًا للظروف الصعبة: "قلت له: أي انتخابات؟ إحنا حنخسر، لأن الجو العام كان محاصرًا ومدمرًا منذ أربع سنوات، وحماس كانت تحصل على تمويل من دول الخليج والأمريكيين، وحتى جزء من الأمن كان يتلقى أموالًا من حماس".
وأضاف أن التمثيل الانتخابي كان متوازنًا بين فتح وحماس، وأن فوز حماس لم يكن دليلاً على تفوق شعبيتها: "في يناير 2006، كانت القائمة النسبية تقريبًا متساوية بين فتح وحماس، والفردي حماس مرشح واحد مقابل 6 من فتح، وهذا كان يعني فوز مرشح حماس، لكن الحقيقة أن الشعب الفلسطيني كان متساويًا تقريبا، وفتح كانت الأقوى بنسبة بسيطة جدًا".
وقال عصفور بالتأكيد على أن التضليل الإعلامي ساهم في المبالغة في شعبية حماس: "الفوز لم يكن دليلًا على أن حماس أكثر شعبية، كما يروج البعض، بل فتح ظلت الأقوى رغم كل الظروف الصعبة".
وختم عصفور بالتأكيد على أن ما جرى بعد عرفات شكّل نقطة تحول خطيرة في المسار الوطني الفلسطيني، وأن التنازلات المتعلقة بالقدس والسيادة أسهمت في إضعاف الموقف الفلسطيني وفتحت الباب أمام الوقائع التي تشهدها المدينة اليوم.