الترامبية في صميمها الميكافيللي
الترامبية هي تجسيد عملي لمبادئ نيكولو ميكافيلي، ترتكز سياسة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب على المبدأ الميكافيلي «الغاية تبرر الوسيلة»، والقبول باستخدام وسائل غير أخلاقية، يوظف المكر والخداع ومبادئ القوة والسيطرة، كأسلوب يعتمد عليه في خلق واقع جديد، وقيادة أقوى دولة في العالم، حيث تعطي الأولوية للنجاح والسلطة والمصالح والمكاسب، مهما كانت النتائج على الآخرين، باعتبار القيم والأخلاق قيوداً تعيق النجاح، والسياسة تتطلب براغماتية ولا تتطلب أخلاقاً، كانت هذه الرؤية أساساً للعديد من القرارات الاستراتيجية التي اتخذها ترامب.
كتبت صحف أميركية مقالات عن جوانب شخصية الرئيس الأميركي، وُصف بأنه يجسّد عملياً الفكر الميكافيلي، قال الكاتب بواشنطن بوست ديفيد إغناشيوس: إن ترامب يجسد معظم صفات القائد السياسي الناجح التي نص عليها كتاب «الأمير» الشهير لنيكولو ميكافيلي، فترامب مثل ميكافيلي يفهم أن القيادة لا صلة لها بالأخلاق، بل هي ممارسة السلطة بالقوة التامة، وهدفها إنشاء دولة قوية ومسيطرة، وليست فاضلة، وأن ترامب يكذب بسهولة، ويمكنه التنمر على الآخرين إذا وجد إلى ذلك طريقاً، كما أنه شره للجنس، ويتفاخر بذلك، وكل هذه الصفات يمجدها ميكافيلي.
من أجل تحقيق شعار ترامب «أميركا عظيمة مرة أخرى» تتيح مقولة «الغاية تبرر الوسيلة» لترامب استخدام أي وسيلة قوة، أو غدر وخداع، ويصبح شعار «القوة من أجل السلام» مبدأ ميكافيللي، السلام «غاية» يبرر القوة المفرطة «وسيلة»، حيث لا يتردد ترامب في اتباع سياسة الأرض المحروقة، وفي استخدام أي وسيلة قتل، وإعادة الشعوب إلى العصر الحجري حسب وعيده وتصريحاته النارية، وإطلاق تغريدات إعلامية متناقضة مضللة وكاذبة، مثل اتهام الرئيس مادورو في تهريب المخدرات تبريراً لنهب النفط الفنزويلي، ولا يتوانى عن اتخاذ ضغوطات وعقوبات لا إنسانية، تؤثر على حياة الناس والعيش الكريم للشعوب التي يراها معادية أو لا تخضع لشروطه في سلب خيراتهم ولا سيما النفط، مستخدماً البراغماتية المتطرفة التي تحقّق المصالح السياسية وتلغي القيمة الأخلاقية تماماً، والاعتماد على استراتيجيات فرق تسد والوطنية الضيقة كخلق أزمة جوار وعداء في منطقة الخليج، واستخدام نفعي للتحالفات لصالح الولايات المتحدة دون اكتراث بمصالح الدول المعنية، بما يتوافق مع فلسفة ميكافيلي المستندة إلى «الغاية تبرر الوسيلة» مثل محاولته جرّ دول حلف شمال الأطلسي للمشاركة في حربه العدوانية على إيران التي تفتقد الشرعية، ومطالبة دول الخليج الحليفة دفع كل تكاليف حرب العدوانية على إيران.
يؤكد ترامب أنه لا أحد يستطيع هزيمة الجيش الأمريكي، نظراً لامتلاكه التقدم التكنولوجي، والقدرة على استخدام القوة المفرطة في القتل والتدمير، وإرهاب الدولة عبر أساطيلها التي تجوب البحار والمحيطات، وانتشار قواعدها العسكرية في شتى أنحاء العالم. يتفاخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوة الجيش الأمريكي، مؤكداً أن تطوره بالشكل الحالي يرجع له شخصياً، يركز في خطاباته على التطور العسكري الفائق، واصفاً جيشه بأنه «الأقوى في التاريخ» و«الأحسن في العالم». معتبراً أن القوة العسكرية الأمريكية لا مثيل لها، وذلك في سياق سياسة عدوانية تهدف إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية والتغول على الشعوب. فالقوة العسكرية مركزية في المبادئ الميكافيللية، وتحظى بمكانة هامّة في النظام السياسي للدولة، وفق ما جاء في كتاب «الأمير» وأعاد ميكافيللي التأكيد على ذلك في كتابه «المطارحات»، إذ قال: «ولا يمكن ان توجد قوانين صالحة إلا حيثما وجدت أسلحة قوية، وحيثما وجدت أسلحة قوية توجد قوانين صالحة». يعمل ترامب بوصية ميكافيللي: «أن يضع نصب عينيه دائماً أن احتفاظه بسلطته يتوقف على القوات العسكرية»، فهل يمكن أن يكون القائد صاحب الفكر الميكافيللي مجرم حرب؟. يتصف الشخص الميكافيللي بأنه غير مهتم بالأخلاق والقيم الإنسانية، وأنه عديم التعاطف مع الحالات الانسانية، هذا الفكر يبرر استخدام أي وسيلة، بما فيها القوة المفرطة، العنف، والخداع، لتحقيق الغايات السياسية، والحفاظ على التفوق الأميركي وتعزيز مصلحة واشنطن، وقد عُني مكيافيللي في كتابه «المطارحات» بهذه المشكلة وانتهى من دراسته للتاريخ الروماني إلى أن أساس الدولة هو التنظيم العسكري السليم، يقول: «ويجب ألا يكون للأمير أي هدف أو رأي أخر، ولا ان يُعنى بدراسته أي شيء غير الحرب وتنظيمها وضبطها».
ينظر ميكافيللي إلى السياسة البراغماتية كسلوك متقلب، ويرى أن الحاكم لن يفتقر أبداً للأسباب كي ينكث بوعده، وسيجد الكثير من أدوات التلاعب والخداع للتنصل من الالتزامات، ولا يجب أن تتمتع المواقف بالثبات والإخلاص الدائم، ولا يجب على الحاكم أن يلتزم بتصريحاته إذا كان ذلك يضر سلطته، أو إذا زالت الأسباب التي دفعته للوعد، أوسع مثال لذلك الوعود والخطابات الانتخابية، وتعهده بتنفيذها حال فوزه بالرئاسة، المعتقد الثابت أن لا ثبات في السياسة، والمبادئ الثابتة هي المبادئ الميكافيللية، والوعود تُنقض إذا تعارضت مع مصلحة السلطة، والتراجع عن الوعود الأكثر احتمالاً، والمهم هو النجاح في الانتخابات.
في حملته الانتخابية تعهد بخفض الأسعار ودعم الاقتصاد، وخفض صريح للتضخم، لكن ارتفعت أسعار السلع، وتراجعت ثقة المستهلكين، وانكمش الاقتصاد الأمريكي، قال سيد البيت الأبيض إنه سيبرم اتفاقيات تجارية مع عشرات الدول، من بينها الصين، على أمل أن يسهم ذلك في استقرار السوق العالمية، ولم يبرم ترامب أي اتفاقيات، لكنه فرض على الصين ودول أخرى عقوبات ورسوماً جمركية، واستمر عجز الميزان التجاري الأميركي عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد، وسجل العام 2025 عجزاً قياسياً قارب 1،24 تريليون دولار، بزيادة 2.1% عن العام السابق. وسط توترات تجارية ورسوم جمركية، لم تكن فقط الرسوم الجمركية التي فرضها ذات تأثير سلبي على الأسعار، بل إن تداعيات حربه على إيران أدت إلى أزمة هددت الاقتصاد العالمي.
تعهد ترامب بإحداث تغيير جذري على صعيد السياسة الخارجية، وتعزيز الشراكات الدولية لتحقيق الاستقرار العالمي، ومواجهة مختلف التحديات، ومنع قيام الحرب العالمية الثالثة، وتحقيق السلام في أوروبا والشرق الأوسط، لكن سياسة ترامب العملية كرست العدوانية على الصعيد الخارجي، بحروب تجارية، وحروب عسكرية.
لا تركن إلى الثقة في أصحاب الفكر الميكيافيلي، وتوقع منهم الغدر والخيانة، الثقة في أصحاب الفكر الميكيافيلي ضعف سياسي وسذاجة سياسية، والبديل هو الحذر الدائم. تتوقع إيران الخديعة الثالثة من إدارة ترامب التي شنت حربين غير متوقعتين خلال مفاوضات كانت كفيلة بالوصول إلى اتفاق سلمي، ولا يتوقع الفلسطينيون أن يحسم ترامب موقفه من قيام دولة فلسطينية مستقلة، ويتوقع منه أن يستمر في الدعم الثابت والمطلق لإسرائيل، وتمكينها كقوة إقليمية مهيمنة.