المدير التنفيذي لـ«هيومن رايتس ووتش»: الديمقراطية تتراجع بوتيرة متسارعة عالميًا
إلّا أن التقرير السنوي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر هذا الأسبوع، ذهب أبعد ليطرح علامات استفهام عن مستقبل الديمقراطيات الغربية، متحدثا عن ملامح أزمة لم يأت بها ترامب وحده، لكنه توّج مسارا انحداريا بدأ منذ عقود وبات يهدد إرثًا عُدّ شرعية لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبنت عليه السردية الغربية شعاراتها الليبرالية الكبرى وسياساتها – وبررت خلالها حروبا ومآسي – فالتقرير الذي عنون مقالته الافتتاحية «هل تنجو حقوق الإنسان في عالم ترامبي»، ذهب إلى خلاصات حول كيفية المواجهة، داعيا إلى بناء تحالف عالمي يضم ليس فقط «الديمقراطيات العريقة» كما وصفها، بل دولًا أخرى، مسمّيا جنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية من ضمنها، وواضعا علامات استفهام حول دور الهند في ظل إدارة ناريندرا مودي لمواجهة «الخطر» الذي تشكله إدارة ترامب، وإلى جانبها الصين وروسيا، التي يقول التقرير إنها تقوّض حقوق الإنسان.
وفي حوار مع «القدس العربي»، يقول المدير التنفيذي للمنظمة فيليب بولوبيون، إن الديمقراطية تراجعت في العالم وعادت في أحسن أحوالها إلى حقبة ثمانينيات القرن الماضي، واضعا عودة ترامب إلى المشهد السياسي، في سياق نقطةَ تحوّل وتهديد أوسع للنظام الدولي القائم على القواعد، الذي تأسس بعد عام 1945.
فالخطوات التي اتخذها ترامب في السنة الأولى من ولايته الثانية تقوّض منظومة حقوق الإنسان العالمية، وهي في مواجهة مفتوحة مع المؤسسات الأممية بما فيها أجهزة العدالة الدولية، وتشكل- إلى جانب الصين وروسيا كما يحرص في كل إجاباته على التذكير- خطرا على الحقوق وعلى المدافعين عنها. كما أن صعود حركات اليمين المتطرف والحركات الشعوبية يسهم في تضييق المساحات المدنية، وفي تآكل خطير في الحيّز الديمقراطي.
ويتناول تقرير «هيومن رايتس ووتش» الفظائع المرتكبة في أكثر من مكان في العالم ومن بينها فلسطين حيث يصف ما يجري فيها بأنها أعمال إبادة يرتكبها الجيش الإسرائيلي بدعم أمريكي، وجرائم تشمل الفصل العنصري والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين.
مع ذلك خلا تقرير «هيومن رايتس ووتش» من أي إشارة إلى المسار الحالي للصهيونية- وتطورها في إسرائيل الذي أفضى إلى صعود أكثر الأجنحة تطرفا وعنصرية وفاشية في النظام السياسي الإسرائيلي إلى سدة الحكم، وتأثيرها على حقوق السكان الأصليين الفلسطينيين في وطنهم- وفي الأراضي المسلوبة عام 1948 خلافا للقانون الدولي ولقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، ومن اضطهادهم المنهجي والسياسات التمييزية بحقّهم.
خلا حتّى من تناول مفصّل لتأثير ذلك ليس فقط على الفلسطينيين، بل على اليهود ـ واليهود الديمقراطيين – الذين يصبحون يوما بعد يوم أسرى ووقودًا وجلادين في نظام مؤدلج يغرق في فاشيته الصريحة، ويقوّض بحسب فئات كبيرة من المعلقين الإسرائيليين أنفسهم الحريات داخل الدولة، وينمّي خطاب الكراهية والعنصرية، ويشكل عامل زعزعة لاستقرار الشعوب في الإقليم كله، بل ويدفع فئات من اليهود إلى الهجرة المعاكسة. لكن الذي فجّر أزمة في «هيومن رايتس ووتش» كان إسقاط ذكر حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وإنكار إسرائيل هذا الحق بوصفه جريمة ضد الإنسانية، ما أدى إلى استقالات احتجاجية داخل المنظمة تزامن مع إعلان التقرير السنوي. وبعد الحوار مع بولوبيون الذي أجري قبل إعلان استقالة مدير فريق إسرائيل / فلسطين عمر شاكر، والباحثة ميلينا الأنصاري، عادت لتوجه سؤالا إليه عن تجميد المنظمة تقريرا كان يفترض صدوره في كانون الأول/ديسمبر الماضي، لكن المدير التنفيذي جمّده، لتأتي إجابته المكتوبة – في آخر الحوار – توضيحا بهذا الخصوص.
وفيما يلي نص الحوار الكامل:
○ يركّز تقريركم على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مصوّرا عودته إلى المشهد السياسي رمزًا لتهديدٍ أوسع يطال النظام الدولي القائم على القواعد، الذي ترسّخ منذ عام 1945. فما الذي دفع منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى هذا التركيز الصريح على ترامب في التقرير؟
• من الواضح لنا أنّه خلال الأشهر القليلة الماضية، عمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فعليًا على تقويض النظام العالمي القائم على القواعد. وهذا النظام، الذي يستند إلى عقود من التقدّم في الاتفاقيات ومعاهدات حقوق الإنسان، وإلى مؤسسات مثل مجلس حقوق الإنسان أو المحكمة الجنائية الدولية، إذا ما تعرّض للتهديد، فإن المنظومة بأكملها التي تعتمد عليها حركة حقوق الإنسان من أجل تعزيز الحقوق تصبح مهدَّدة اليوم. إنّه وقتٌ خطيرٌ على حقوق الإنسان، ووقتٌ خطيرٌ على حركة حقوق الإنسان. ونحن ندعو فعلًا الدول في أنحاء العالم كافة إلى النهوض وتشكيل تحالف جديد لحماية النظام الذي اعتمد عليه العالم لتعزيز الحقوق.
○ حذّر التقرير من أن عددًا متزايدًا من الحكومات يستخدم سردية الأمن القومي، ومكافحة الإرهاب، وضبط الهجرة، لتبرير فرض قيود واسعة على الحقوق والحريات الأساسية. هل يمكننا القول إن هذه السردية حوّلت التدابير الاستثنائية إلى أدوات دائمة للحكم؟ وما المخاطر التي يطرحها هذا النهج على سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان على المدى الطويل؟
• هذه واحدة من أقدم الحيل في سجلّ الحكومات التي ترغب في تقييد الحقوق: الادعاء بوجود حالة طوارئ أو ضرورة ملحّة، ثم اتخاذ ذلك ذريعة لتقييد الحقوق الأساسية للسكان. وكثيرًا ما تتحوّل تلك التدابير المؤقتة إلى تدابير دائمة، فتقوّض حقوق الإنسان والديمقراطيات على المدى الطويل. ونحن دائمًا شديدو التحفّظ عندما تبدأ الحكومات باستخدام هذه التدابير الاستثنائية. فثمّة حيّز لها في القانون الدولي، لكن ينبغي أن تكون لمدة محددة لا تتجاوز حالة الطوارئ الحقيقية. كما يجب أن تكون القيود على الحقوق متناسبة مع الأهداف المنشودة. غير أنّها كثيرًا ما تُستخدم، على نحو منافق للغاية، لمجرّد توسيع السلطة التنفيذية وتقييد حقوق السكان وحرياتهم. وكما نرى، ومع تراجع الديمقراطية في أنحاء العالم، للأسف، فإنها أداة استُخدمت مرارًا في بلدان كثيرة حول العالم.
○ عندما تبدأ الحكومات بلعب دور شرطي العالم، فتقرّر من هو مذنب ومن يستحق العقاب، كما في حالات مثل فنزويلا في ظل مادورو وما يحدث في إيران. ماذا يعني ذلك لمستقبل القانون الدولي؟ ونحن نرى إدارة ترامب تلعب دور الشّرطي، تحت شعار استهداف عصابات وكارتلات المخدرات، لتبرير أعمال عسكرية..
• لا أعتقد أنه يمكن حماية نظام حقوق الإنسان، أو حركة حقوق الإنسان، أو الدفاع عنهما، من قبل أي حكومة واحدة، مهما ادّعت من نوايا. ولحماية حقوق الإنسان في العالم حمايةً ذات معنى، نحتاج إلى أن نرى ائتلافًا من الدول، دولًا ديمقراطية لا تزال تؤمن بحقوق الإنسان، وبالمعايير، وبالعدالة الدولية، لتجتمع في حماية النظام بأكمله، وهو نظام قائم على الضوابط والتوازنات، ولا ينبغي إساءة استخدامه لمتابعة أجندات سياسية أو مصالح وطنية. نحن نؤمن حقًا بأنه لكي يبقى النظام العالمي القائم على القواعد، ولكي تبقى حركة حقوق الإنسان جزءًا من هذا النظام العالمي القائم على القواعد، نحتاج إلى أن نرى دولًا، قوى وسيطة، ديمقراطية حقًا، وتحاول حقًا إحراز تقدم في حقوق الإنسان، تجتمع معًا وتحمي هذا النظام.
○ وفقًا للتقرير، فإن القانون الدولي وآليات المساءلة يتعرضان لضغوط متزايدة من دول قوية. كيف تسهم الهجمات على المؤسسات متعددة الأطراف ومؤسسات العدالة الدولية، ومحاولات نزع الشرعية عن المحاكم الدولية، في تقويض نظام العدالة الدولية؟
• تواجه حركة حقوق الإنسان اليوم ما يشبه عاصفة شبه كاملة. فلقد شهد العالم خلال العشرين عاما الماضية تراجعا ديمقراطيا، أصبح أقل ديمقراطية، وهو أمر سيّئ بوضوح لحقوق الإنسان. ثم توجد روسيا والصين، اللتان أصبحتا خلال العشرين عامًا الماضية أقل حرية في الداخل، ولكنهما عملتا أيضًا على تقويض حقوق الإنسان والديمقراطية عالميًا في بقية أنحاء العالم، بما في ذلك داخل المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة في نيويورك أو جنيف.
والآن لدينا إدارة أمريكية في ظل دونالد ترامب تُظهر ازدراءً علنيًا لحقوق الإنسان، وتحاول علنًا تقويض النظام نفسه، من خلال الدفاع عن الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية. إن كل هذه القوى مجتمعة تشكّل تهديدًا وجوديًا حقيقيًا لحركة حقوق الإنسان، ولهذا نؤمن حقًا بأن على الدول في أنحاء العالم، التي لا تزال تؤمن بحقوق الإنسان وبالتعددية، أن تجتمع معًا لحماية هذا النظام. وإلا، فإنه معرّض للانهيار.
○ في السياق نفسه، تضيق المساحات المدنية عالميًا بسرعة مع التشريعات التي تفرض القيود، والضغط على التمويل، وتجريم عمل المنظمات المستقلة. هل تعتقد أن هذا يشكّل تهديدًا بنيويًا لقدرة المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان على الاضطلاع بدور المراقبة والمساءلة؟
• بالتأكيد. إن تقليص الحيّز المتاح للمجتمع المدني تهديدٌ حقيقي لحقوق الإنسان والديمقراطية على مستوى العالم. عندما تحاول الحكومة قمع المعارضة، وقمع تعبير لا تتفق معه، فإنها تذهب دائمًا وراء الصحافيين المستقلين، ومنظمات حقوق الإنسان، والمجتمع المدني، والنقابات العمالية، والأحزاب السياسية، وأشياء من هذا القبيل.
نرى ذلك في أنحاء العالم، إذ إن المساحة التي نستطيع نحن، بوصفنا منظمة لحقوق الإنسان، أن نعمل فيها بحرية، تتقلص، وتتقلص بسرعة. خلال الأشهر القليلة الماضية فقط، على سبيل المثال، أصبحت حقوق الإنسان – التي جُعلت غير مرغوب فيها في روسيا – تنطوي على عقوبات شديدة فعلًا علينا إذا حاولنا القيام بعمل في إطار حقوق الإنسان في روسيا، وهو ما لا يوقفنا بالطبع، لكنه يجعل العمل أكثر صعوبة وأكثر خطورة.
كان لدينا مكتب في هونغ كونغ. لم نعد قادرين على العمل هناك. وكان مديرنا لإسرائيل وفلسطين موجودًا في إسرائيل. لم يعد ذلك ممكنًا. لم يعد وجودنا في مصر ممكنًا. والآن علينا أن نقلق بشأن وجودنا في الولايات المتحدة، مع إدارة ترامب التي تهدد علنًا المؤسسات، على سبيل المثال، ومنظمات المجتمع المدني التي لا تتفق معها.
إذن، العالم الذي يمكننا أن ننجز فيه العمل يضيق بسرعة، وهذا تهديدٌ مكشوف لحقوق الإنسان.
○ يشير التقرير إلى تصاعد الهجمات على حرية الصحافة، والحرية الأكاديمية، وحريتي التعبير والتجمع عبر مناطق مختلفة من العالم. كيف يحلل التقرير هذه الاعتداءات على الحريات العامة؟
• إنه اتجاه عالمي لا يدركه فعليًا إلا عدد قليل جدًا من الناس، وهو أنه خلال السنوات العشرين الماضية كانت الديمقراطية تتراجع في العالم. ووفقًا لأفضل الأكاديميين في هذا المجال، فإن العالم اليوم عاد إلى مستويات الديمقراطية التي كانت تقريبًا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
وهذا يشكّل بالفعل تهديدًا لحركة حقوق الإنسان. وهو تهديد للحريات الأساسية في أنحاء العالم كافة. والطريقة التي يحدث بها ذلك، أي «دليل اللعب»، يكون دائمًا نفسه. يبدأ الأمر بحكومات تحاول ترسيخ سلطتها فتلاحق دائمًا الأصوات المستقلة التي لا تحبها.
وغالبًا ما يكونون نشطاء حقوق الإنسان، والأكاديميين، والصحافيين المستقلين، وأشخاصًا يبدأون حركات سياسية، وأحزابًا سياسية، وأي شكل من أشكال التعبير الذي يهدد سلطتهم. وبكل أسف، إنه اتجاه عالمي. وهذا الاتجاه العالمي يتجلى في وقت تتعرض فيه المؤسسات الدولية التي بُنيت على مدى عقود لحماية هذه الحقوق ومحاولة منع هذا الاتجاه، للهجوم الآن، وهي تتعرض للهجوم من روسيا والصين، ولكن أيضًا من إدارة ترامب.
○ يربط التقرير أيضًا تآكل الحريات الأساسية بصعود حركات اليمين المتطرف وبالحركات الشعبوية في بلدان عدة. هل يمكنك أن تشرح أكثر؟
• لقد رأينا في الولايات المتحدة، ولكن أيضًا في عدة بلدان في أوروبا الغربية، صعودًا لحركات شعبوية لديها نزعات «لا ليبرالية» تحاول، على سبيل المثال، شيطنة المهاجرين وجعلهم مسؤولين عن جميع مشكلات المجتمعات التي يعيشون فيها. وقد رأينا ذلك مع ترامب في الولايات المتحدة، الذي يلقي باللوم حقًا على أجزاء كاملة من السكان في مشكلات، مثل الأمن في البلاد. لكننا نرى ذلك أيضًا مع أحزاب سياسية مثل «الجبهة الوطنية» في فرنسا أو «حزب البديل من أجل ألمانيا»، في ألمانيا، أو نايجل فاراج في المملكة المتحدة، أو فيكتور أوربان في هنغاريا. كل هذه الحركات لديها كثير من الاتجاهات المشتركة. أحدها هو اتخاذ فئات من السكان «كبش فداء»، ومحاولة تقييد حقوقهم بوصف ذلك وسيلة يُزعم أنها تزيد الازدهار الاقتصادي أو الأمن في هذه البلدان. هذه الاتجاهات بالنسبة لنا خطيرة لأنها تميل إلى تضييق الحيز المتاح للتعبير الحر، وحرية التجمع، والحريات والحقوق الأساسية التي يريدها الناس.
○ في «هيومن رايتس ووتش»، قلتم إن ما يحدث في فلسطين يرقى إلى فعل إبادة جماعية، أو أفعال إبادة جماعية. وفي الوقت نفسه، نرى مظاهرات كبيرة حول العالم، بما في ذلك مشاركة أبناء وأحفاد ناجين من الهولوكوست، يهتفون «لن يتكرر أبدًا»، وهي عبارة صيغت بعد عام 1945. ومع ذلك، فإنهم اليوم يعبّرون عن شكّ عميق في معناها. هل تشاركهم شكوكهم؟
• لا شكّ أن المعركة العالمية ضد جرائم الفظائع، وضد الإبادات الجماعية، والتطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية، قد تراجعت تراجعًا كبيرًا. قبل عشرين عامًا، في عام 2005، اعتمدت دول من أنحاء العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يُسمّى «مسؤولية الحماية». و«مسؤولية الحماية» فكرة تقول إن العالم لن يقف بعد اليوم متفرجًا بينما تُرتكب الفظائع في بلدان أخرى. بعد عقود، عادت الجرائم والفظائع في العالم. عادت في غزة وفي الضفة الغربية مع قيام الحكومة الإسرائيلية بارتكاب أفعال إبادة جماعية، وتطهير عرقي، وجرائم ضد الإنسانية.
عادت في السودان، في دارفور، مع قيام القوات المتحاربة بارتكاب مجازر مروعة واغتصاب. لقد عادت في أوكرانيا، حيث ترتكب الحكومة الروسية جرائم حرب على نطاق واسع. إذا نظرت إلى رد الفعل الدولي تجاه هذه الجرائم الهائلة، فإنه لا يرقى إلى المستوى المطلوب حقًا. في الحقيقة، أعتقد أن عبارة «لن يتكرر أبدًا»، ومعناها، قد أُفرغا قليلًا، ونحن بحاجة إلى أن نرى صحوة من المجتمع الدولي ليبدأ في أخذ هذا الوضع على محمل الجد مرة أخرى. قبل عشرين عامًا، عندما كانت دارفور تشتعل، كان ذلك قضية كبيرة تشغل الولايات المتحدة.
كان لديك أشخاص مثل جورج كلوني يتحدثون علنًا، وكان لديك أشخاص يحتجّون في الجامعات. وكانت الإدارة الأمريكية تضغط على الأمم المتحدة وعلى المجتمع الدولي للتدخل، لفعل شيء ما، لوقف المجازر. اليوم، لا يحدث تقريبًا شيء، وهذا تعبير مؤسف عن حال العالم وعن مدى التراجع الذي وصلنا إليه.
○ أنت تقول إن العالم خذل فلسطين، وخذل السودان؟
• لقد خذل العالمُ السودانَ بلا شك، وخذل أوكرانيا بلا شك، وخذل فلسطين بلا شك. تُرتكب كل هذه الجرائم مع إفلات شبه كامل من العقاب. إذا نظرتَ إلى رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، فهو يواجه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية. وبدلًا من دعم المحكمة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على بعض قضاتها ومدّعيها العامين.. أو خذ مثلا الرئيس فيكتور أوربان، فبدلًا من اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي عندما ذهب إلى هنغاريا، اختار أوربان بالفعل الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. بلا شك نشهد تراجعا. في الواقع، المجتمع الدولي والولايات المتحدة، على وجه الخصوص، لا يقومان بما يكفي لإيقاف هذه الفظائع.
○ هناك دول، وقطاعات من المجتمعات، بعضها عربي وإسلامي، ولكن ليس حصرًا، تنتقدكم في «هيومن رايتس ووتش» لاعتمادكم نهجًا تقول إنه يتعارض مع احترام الثقافة المحلية والدينية. عندما تتناولون قضايا معينة. ألا تأخذون أيضًا في الاعتبار أن ثقافة الناس مهمة في إعادة تعريف حقوق الإنسان وأولوياتها؟
• بالطبع، سياقاتنا الثقافية مهمة، لكن هناك حقوق إنسان عالمية نعتقد أنها تنطبق في كل مكان، بغضّ النظر عن الثقافة. الناس في أنحاء العالم يريدون حقوقهم، وينبغي أن تكون غير قابلة للتفاوض. لقد قُبلت من قبل دول في أنحاء العالم. وهي موجودة لحماية كل واحد منا، بغضّ النظر عن السياق الذي نعيش فيه. لذا يحدث كثيرًا أن الحكومات المترددة في منح الناس حقوقهم تحاول إيجاد أعذار لتقييد حريات الناس. وغالبًا ما تستخدم أمورًا مثل السياق المحلي، أو الثقافة، أو الدين، أيًا يكن. لكن بغضّ النظر عن السياق الفردي، نحن نؤمن بقوة بأن حقوق الإنسان عالمية. إنها تنطبق في كل مكان على الجميع، وينبغي أن تكون غير قابلة للتفاوض.
○ لقد تحدثتَ أو أثرتَ قضايا الهجمات على الأقليات الدينية أو المجتمعات الدينية مثل المسلمين. ويتناول التقرير الهجمات على المسلمين في عدة مواضع، لكنكم لم تُكرّسوا محورًا بشأن الإسلاموفوبيا. لماذا؟
○ مع تحوّل العالم إلى مزيد من الاستبداد، في كثير من البلدان، يتم اتخاذ الأقليات الدينية أو الإثنية كبش فداء، ويتم الانتقام منها. نرى ذلك في بلدان كثيرة حول العالم. نرى ذلك مع الإيغور في الصين. نرى ذلك مع الأقليات المسلمة في الهند. ونراه، للأسف، في بلدان كثيرة حول العالم. نرى تصاعدًا في الإسلاموفوبيا. ونرى تصاعدًا في معاداة السامية. وكل هذه الاتجاهات خطيرة للغاية ومُدمّرة حقًا لحركة حقوق الإنسان. ونحن نفعل كل ما في وسعنا لمواجهتها.
○ لكن ألا تعتقد أن الإسلاموفوبيا الآن تهدد الناس، لا أتحدث عن الدول العربية أو الإسلامية فقط، بل عن المسلمين في أوروبا وفي الدول الغربية؟
• شهدنا منذ سنوات عديدة في أوروبا والدول الغربية، تصاعدًا في الإسلاموفوبيا، وشهدنا تصاعدًا في معاداة السامية. ومع رؤيتنا لهذه الاتجاهات «غير الليبرالية» التي تحاول تقسيم الناس وجعل الأقليات مسؤولة عن علل بعض هذه المجتمعات، فإن الكراهية في تصاعد، وهو أمر يقلقنا للغاية ونفعل كل ما في وسعنا لمواجهته.
○ ذكرتَ أن الديمقراطية ليست في حد ذاتها ضمانة لحقوق الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تظل شرطًا ضروريًا لحمايتها. لدينا تجربة الربيع العربي التي جعلت كثرًا يعتقدون بأن ما يسمّى «الحكم الرشيد» في بعض البلدان قد يكون أفضل من صندوق الاقتراع، من منظورك، كيف تقيّم هذا الطرح، وماذا يمكن استخلاصه من هذه التجربة؟
• لا شك أن الديمقراطيات ليست مثالية. لقد ارتكبت بعض الدول الديمقراطية انتهاكات خطيرة جدًا لحقوق الإنسان على مر السنين. نرى ذلك مع الولايات المتحدة اليوم، على سبيل المثال. ومع ذلك، فإن الديمقراطية هي أحد أنظمة الحكم التي تضمن حقوق الناس على أفضل وجه، وبالتأكيد تمنحهم فرصة لأن يكون لهم رأي في كيفية تمثيلهم وكيفية حكمهم. وبوصفها شكلًا من أشكال الحكم، فهي من الأشكال التي ربما تحمي الحقوق على أفضل نحو. تحاول بعض الدول دفع الأمور في الاتجاه المعاكس لهذه الفكرة، عبر تقديم الحجة بأنها تستطيع أن تحقق لشعوبها ما تريد من دون منحهم حقوقًا. لكن في الواقع، حتى الدول السلطوية التي تكون، مثلًا، ناجحة اقتصاديًا، فهي ليست ناجحة فعلا لأنها تقيّد حقوق الناس. نحن نؤمن بأنه في نهاية المطاف، مهما كان السياق، فإن الناس يريدون حرية التعبير. ويريدون ألّا يُستهدفوا من قبل حكومات بلدانهم بسبب التعبير عن آرائهم. ويريدون أن تُحترم حرياتهم الأساسية. ولذلك نؤمن ونرى أن الديمقراطية، تاريخيًا، كانت أحد أشكال الحكم التي تضمن الحقوق على أفضل وجه.
○ يقول عمر شاكر، المدير المستقيل لفريق إسرائيل/فلسطين، إنكم قمتم بتعليق أو سحب تقرير كان قد أُعدّ للنشر في الرابع من كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي ويتناول إنكار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، رغم أنه خضع لمراجعة مسبقة وفقًا لسياسات «هيومن رايتس ووتش». وقد أدى ذلك إلى استقالته واستقالة ميلينا الأنصاري من الفريق. لماذا حدث ذلك؟ وما هو الموقف الصريح لـ«هيومن رايتس ووتش» من حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا عامي 1948 و1967، والمتحدرين منهم؟
• التقرير الذي تشير إليه يتناول مجموعة من القضايا التي هي في آن واحد مهمة ومعقدة. وقد حدّدنا الحاجة إلى مزيد من العمل لتعزيز البحث، لأن من مسؤوليتنا التأكد من أن الأساس المبني على الوقائع، لتكون تقييماتنا القانونية تفي بالمعايير العالية من الصرامة التي تعتمدها «هيومن رايتس ووتش». وبناءً على ذلك، قررنا تأجيل النشر إلى حين استكمال مزيد من التحقيق والتحليل. وهذه العملية جارية، ولا يمكنني استباق نتائجها قبل اكتمالها. ومع ذلك، يمكنني أن أؤكد منذ الآن ما يلي: ليس فقط أن حق العودة حق غير قابل للتصرف للفلسطينيين من جميع الأجيال – وأعني بذلك أولئك الذين طُردوا من أراضيهم ومنازلهم ابتداءً من عام 1948، وكذلك نسلهم الذين حافظوا على روابط مناسبة مع المنطقة المعنيّة – بل إن إنكار هذا الحق يعكس جهودًا إسرائيلية أوسع تهدف إلى حرمان الفلسطينيين من حقوقهم، وهو ما أدى إلى ارتكاب جرائم متعددة ضد الإنسانية وثّقناها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الفصل العنصري، والتهجير الجماعي، والاضطهاد، والإفناء.