تفاصيل "المهمة السرية" لإنقاذ الأرشيف التاريخي للاجئين الفلسطينيين
كشفت تقارير صحفية وتصريحات لمسؤولين في وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عن تفاصيل عملية معقدة استمرت 10 أشهر لإنقاذ الأرشيف الحيوي للوكالة، الذي يضم ملايين الوثائق التي تسجل أجيالاً من التاريخ الفلسطيني الحديث، ونقلها من قطاع غزة والقدس الشرقية إلى العاصمة الأردنية عمان.
أفادت تقارير ميدانية بانتهاء مراحل عملية سرية استغرقت 10 أشهر لإنقاذ الأرشيف الحيوي للاجئين الفلسطينيين التابع لمنظمة الأمم المتحدة، وهو الأرشيف الذي يضم ملايين الوثائق التي تسجل أجيالاً من الصدمات التاريخية، حيث جرى تأمينها ونقلها من قطاع غزة والقدس الشرقية.
عقبات جغرافية وسياسية
كان من المفترض أن تكون الرحلة من القدس الشرقية إلى عمان يسيرة عبر البحر الميت والنقاط الحدودية، إلا أنها تحولت في أوائل صيف 2024 إلى عقبة شبه مستحيلة أمام العاملين في وكالة "الأونروا" الذين سعوا لحماية كميات هائلة من المحفوظات ذات الأهمية الحيوية لعقود من التاريخ الفلسطيني الحديث.
وشملت العملية، التي وُصفت بالحساسة والخطيرة، العشرات من موظفي الوكالة في أربعة بلدان مختلفة، وتضمنت رحلات لإنقاذ الوثائق تحت القصف، ومسؤولين ينقلون مظاريف غير مميزة إلى مصر، وصناديق ثمينة نُقلت جواً في طائرات عسكرية.
ضغوط في القدس الشرقية
تزامن ذلك مع تحول مجمع الأونروا في القدس الشرقية إلى محور لجهود إسرائيلية متضافرة لطرد الوكالة وهدفاً للجماعات اليمينية. وأكد روجر هيرن، أحد كبار المسؤولين المشرفين على العملية، أن تدمير هذه الوثائق كان سيكون كارثياً، كونها الدليل الوحيد الذي يثبت وجود الفلسطينيين في أماكن معينة في حال الوصول لحل عادل للصراع.
تاريخ الأرشيف ومخاطر الفقدان
تأسست الأونروا عام 1949 لرعاية 750 ألف لاجئ، ومع بداية الحرب الأخيرة في غزة عقب هجوم حماس، كانت أرشيفات المنظمة منتشرة في دول عملها.
وفي صناديق متربة بمدينة غزة، كانت تُحفظ بطاقات التسجيل الأصلية وشهادات الميلاد والزواج والوفاة التي تسمح للفلسطينيين بتتبع أصول عائلاتهم في المناطق التي أصبحت الآن داخل إسرائيل.
ورغم جهود الرقمنة السابقة، بقيت مئات الآلاف من السجلات التاريخية في شكل ورقي فقط عام 2023، عرضة للحرائق أو التدمير المتعمد. ووصف جان بيير فيليو، أستاذ دراسات الشرق الأوسط، هذه الوثائق بأنها "حاسمة للتجربة الفلسطينية"، حيث تضم شهادات عن كيفية إجبار الناس على الفرار عام 1948 وممتلكاتهم التي دُمرت.
المرحلة الأولى: الإنقاذ من غزة
بعد أيام من دخول القوات الإسرائيلية لغزة وأوامر إخلاء مكاتب الوكالة، غادر الموظفون الدوليون خلال ساعات دون المحفوظات.
وأوضح سام روز، القائم بأعمال مدير شؤون الأونروا في غزة، أنه كان هناك خطر حقيقي من قيام الإسرائيليين بتدميرها أو ضياعها في انفجار.
كما كشف المسؤولون عن تعرض نظام التسجيل الرقمي لاختراق إلكتروني قبل أشهر من الحرب، مما زاد القلق من فقدان النسخ الرقمية والأصلية معاً.
وتحت وطأة الغارات الجوية والقصف الذي أسفر عن مقتل أكثر من 70 ألف شخص، قاد فريق صغير شاحنات مستأجرة في ثلاث رحلات لنقل الوثائق من مدينة غزة إلى مستودع في رفح.
الخروج عبر مصر إلى الأردن
بسبب القيود المفروضة على خروج المحفوظات، تم تكليف موظفين يحملون جوازات سفر دولية بإخراج الوثائق ضمن أوراقهم الشخصية دون لفت الأنظار.
وعلى مدى ستة أشهر، جُمعت الوثائق في مصر ونُقلت بواسطة مؤسسة خيرية أردنية عبر طائرات عسكرية تابعة للمملكة كانت تعود من مهمات إغاثية، حيث غادرت الشحنة الأخيرة قبل أسبوعين فقط من السيطرة الإسرائيلية على رفح في مايو 2024.
حظر الوكالة والرقمنة في عمان
في القدس الشرقية، ومع تصاعد الاتهامات الإسرائيلية والمضايقات التي وصلت لحرق مكاتب الوكالة، تم نقل مجموعة أخرى من الوثائق سراً إلى الأردن قبل صدور القوانين الإسرائيلية في يناير 2025 التي منعت الوكالة من العمل.
وفي عمان، أطلقت الأونروا بتمويل من لوكسمبورغ جهداً واسعاً لرقمنة 30 مليون وثيقة بمشاركة 50 موظفاً يعملون في قبو مزدحم.
ويهدف المشروع إلى بناء خرائط لنزوح عام 1948 وتوفير أشجار العائلات للاجئين، وهي مهمة قد تستغرق عامين إضافيين.
واختتمت الدكتورة آن عرفان، مؤرخة الشرق الأوسط، بالتأكيد على أن هذا الأرشيف له أهمية خاصة للفلسطينيين كشعب عديم الجنسية يفتقر لأرشيف وطني موحد، مشيرة إلى أن هذه المحفوظات تفتح سبلاً للتحقيق في تجربة اللجوء ودور المجتمع الدولي، وهو تاريخ يمتلك تداعيات حقيقية في الحاضر.