التحديات المركّبة للعاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة
في الوقت الذي تنهار فيه البنى التحتية وتتداعى فيه مقومات الحياة الأساسية، تتجلى إرادة الإنسان في أبهى صورها عندما يحوّل الإعاقة من مساحة للانتظار والاستهلاك إلى ساحة للعطاء والإنتاج، في قطاع غزة، لا تقف قضية ذوي الإعاقة عند حدود تلقي المساعدات والرعاية الشاملة، بل تتعداها إلى شريحة واسعة من العاملين والمتطوعين الذين يصرون على البقاء في قلب سوق العمل والميدان الإغاثي، بالرغم من أهوال الظروف المحيطة. في أوقات الأزمات الكبرى، حين تتهاوى البنى التحتية وتتساوى المعاناة بين الجميع، يبرز نوعٌ فريد من الصمود الإنساني؛ صمودٌ لا يكتفي صاحبه بالبحث عن النجاة والتقوقع على الذات، بل يندفع نحو الميدان ليكون يداً تبني وسنداً يغيث، وإن الحديث عن أصحاب الهمم العاملين والمتطوعين في هذه المرحلة ليس مجرد إشادة رمزية بشجاعتهم، بل هو تسليطٌ للضوء على قضية حقوقية واقتصادية بالغة الأهمية تتطلب استيعاباً ودعماً مجتمعياً ومؤسسياً طارئاً. في غزة، لا تقف قضية ذوي الإعاقة عند حدود الشفقة أو الرعاية التقليدية، بل تمتد إلى تجربة ملهمة تشمل العشرات من العاملين والمتطوعين من أصحاب الهمم الذين يصرون على البقاء في قلب الميدان الإغاثي والإنساني وسوق العمل، وغير أن هذا الصمود الظاهر، الذي يبهر الناظرين، يحمل في طياته أبعاداً مسكوباً عليها الكثير من الصمت، تتجسد في تحديات نفسية واجتماعية وفيزيائية مركّبة تضاعف من ثقل كل خطوة قبل خطوها. تستند التجربة اليومية لهؤلاء الأفراد إلى معركة صامتة تبدأ من اللحظة الأولى للتحرك؛ فالشوارع المجرفة، والركام الذي يملأ الأحياء، وغياب المصاعد والوسائط المهيأة جعلت الحركة المستقلة أمنية صعبة المنال، وتزداد هذه المشقة قسوة مع التلف الشديد أو الضياع الذي لحق بالأجهزة التعويضية، والكراسي المتحركة، والمعينات السمعية والبصرية دون وجود بدائل في ظل الحصار وشح الإمكانيات، وهذه العقبات المادية لا تتوقف عند إرهاق الجسد وحده، بل تتسلل عميقاً إلى الوجدان، لتتحول إلى توتر نفسي حاد وقلق قهري مستمر من عدم القدرة على الاستجابة السريعة أو الهرب أثناء حالات الخطر والنزوح المفاجئ. ولا ينفصل الجانب النفسي عن نظيره الاجتماعي؛ إذ يجد العامل أو المتطوع من ذوي الإعاقة نفسه مشدوداً بين رؤيتين مجتمعيتين تفتقران إلى العدالة: إما نظرة اختزال تجعله مجرد "ضحية يرتجى العطف عليها"، فتتجاهل كفاءته المهنية وحقه في المشاركة الفعلية وتهمشه عند اتخاذ القرار، وإما نظرة مبالغة تراه "بطلاً لا ينكسر"، فتغفل عن احتياجاته الإنسانية الأساسية، ويُضاف إلى ذلك غياب شبكات الأمان الأسرية بسبب التشتت والنزوح، مما يضع الفرد أمام صراع نفسي ومجتمعي مرير؛ حيث يقضي نهاره في مد يد العون لغيره في مراكز الإيواء، بينما يعجز ليلاً عن تأمين أدنى مقومات الخصوصية والكرامة لنفسه في خيمة غير مهيأة. إن العبور من هذا الواقع الصعب لا يتطلب إبداء الإعجاب السلبي، بل يستوجب احتواءً مجتمعياً ومؤسسياً واعياً يتجسد في خطوات عملية وواضحة، يبدأ هذا الاحتواء من إيجاد مساحات آمنة للتفريغ الانفعالي والدعم النفسي المركّز، تتيح للعاملين والمتطوعين التعبير عن إنهاكهم دون خوف من الوصمة أو الاتهام بالضعف، جنباً إلى جنب مع تشكيل شبكات مساندة للأقران تبني الصلابة النفسية وتتبادل خيارات التكيف، وعلى المستوى الميداني، أصبح من الواجب الشامل تعديل بيئات العمل الميدانية، وتوفير الأدوات المساعدة ووسائل النقل الآمنة، وضمان التمثيل الفعلي لذوي الإعاقة في لجان إدارة الأزمات لتنسيق التدخلات وفق احتياجاتهم الحقيقية. إن إصرار ذوي الإعاقة على العمل والتطوع وسط أجواء الأزمات ليس مجرد رغبة في كسب العيش أو شغل الوقت، بل هو تأكيدٌ صارخ على المواطنة الفاعلة والكرامة الإنسانية؛ فواجب المجتمع، بمؤسساته وأفراده، ألا يكتفي بالإعجاب بصمودهم، بل أن يترجم هذا التقدير إلى سياسات احتواء، وتسهيلات ميدانية، ودعم نفسي ومادي مستدام؛ فحين نُمكّن فرداً من ذوي الإعاقة ليعمل أو يتطوع، نحن لا نساعده هو فقط، بل نُرمم كبرياء المجتمع ونبني قدرته على التعافي والصمود. أخيرا: إن العاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة ليسوا أبطالاً خارقين يتجاوزون الألم بلا ثمن، ولا ضحايا عاجزين يرتجون الشفقة؛ فهم طاقات إنتاجية وإنسانية حية، وصوتٌ صارخ يؤكد أن العطاء لا تحده الأجساد، وإن حفظ كرامتهم واستيعاب احتياجاتهم وتنمية التدخلات لصالحهم ليس مجرد استجابة لإعادة الإعمار، بل هو الاستثمار الأهم في الصمود الجماعي والمعيار الحقيقي لإنسانية المجتمع وقدرته على التعافي