الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الثلاثاء 17/3/2026 العدد 1564

الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

 

 

 

يديعوت احرونوت 17/3/2026

 

 

كيفية تحييد الورقة الإيرانية

 

 

بقلم: رون بن يشاي

 

يُعدّ إغلاق مضيق هرمز في الواقع أداة الضغط الاستراتيجي الرئيسية التي تستطيع إيران ممارستها، والتي تمارسها بالفعل، ضد الولايات المتحدة وحلفائها من دول الخليج العربي السنية. يُهدد إغلاق المضيق الاقتصادات الكبرى في آسيا وأوروبا، لأن نحو خُمس استهلاكها من الطاقة يمر عبر مضيق هرمز من دول الخليج المنتجة للنفط، بما فيها إيران.

يُأتي عشرة بالمئة من استهلاك الصين من النفط الذي تشتريه بأسعار زهيدة للغاية – أو ما يُمكن اعتباره تهريباً – من إيران، الخاضعة لعقوبات أمريكية قاسية تمنعها من تصدير النفط والغاز. وتحصل الهند على جزء كبير من الغاز المسال الذي تحتاجه – بشكل رئيسي للاستخدام المنزلي والطهي – من دول الخليج العربي: قطر والعراق والكويت وغيرها. ويُقدّر خبراء اقتصاديون أوروبيون أنه في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى، سترتفع أسعار النفط إلى 140 دولاراً للبرميل، مما قد يُسبب ركوداً في الاقتصاد العالمي ويُبطئ معدل النمو في معظم دول الاتحاد الأوروبي. وإذا استمر حصار المضيق لأكثر من بضعة أسابيع، يُقدّر الخبراء الاقتصاديون أنه سيُلحق ضرراً حقيقياً بالنمو العالمي.

ويُلحق حصار مضيق هرمز ضرراً بالغاً بدول الخليج العربي السنية، التي تستفيد من الارتفاع الحالي في أسعار الطاقة في السوق العالمية، لكنها مُضطرة إلى خفض إنتاجها النفطي لعدم قدرتها على تصديره، ولأن مستودعاتها النفطية ممتلئة بالفعل. تتمتع الولايات المتحدة باستقلالها في مجال الطاقة، وبالتالي لا تعاني بشكل مباشر من نقص الطاقة نتيجة حصار مضيق هرمز، إلا أن ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية يتسبب بالفعل في زيادة قدرها 40 سنتًا في سعر غالون البنزين أو الديزل في محطات الوقود الأمريكية. وهذا يُعدّ نبأً سيئًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وعد ناخبيه بخفض الأسعار قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بعد نحو ستة أشهر.

ومن المؤسف حقًا أن نرى الإيرانيين، بذكاء وحنكة، يُغلقون مضيق هرمز بشكل انتقائي منذ بداية الحرب، مُقللين بذلك من الخسائر المادية التي لحقت بهم، فضلًا عن الضرر الذي لحق بصورتهم الدولية. إنهم يُهددون بمهاجمة جميع ناقلات النفط والغاز التي تُحاول عبور المضيق، بل ويهاجمونها بالفعل، باستثناء تلك المتجهة إلى الصين والهند. في المقابل، لا تُمارس الصين أي ضغوط عليهم لفتح المضيق أو قبول المطالب الأمريكية. كما تتلقى إيران دعمًا سياسيًا من الصين في الأمم المتحدة، ومساعدات استخباراتية سرية، ووعدًا بالمساعدة في إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب. ردّت الهند، التي طلبت من إيران عدم عرقلة ناقلات الغاز المسال المتجهة إليها، بإعلانها عدم انضمامها إلى التحالف البحري الدولي الذي يسعى ترامب لتشكيله لتأمين مرور ناقلات النفط في قوافل عبر مضيق هرمز، رغم التهديد الإيراني.

لا يحتاج الإيرانيون إلى بذل جهد كبير لإغلاق المضيق، الذي يبلغ عرضه 21 ميلاً بحرياً (حوالي 38 كيلومتراً) في أضيق نقطة، ولا يضم سوى ممرين ملاحيين لناقلات النفط الثقيلة. ولا يقتصر تصرف الإيرانيين بسواحلهم الصخرية المطلة على المضيق لمئات الكيلومترات، بل يشمل أيضاً سبع جزر تُمكّنهم من استخدام وسائل وأساليب متنوعة ضد أي سفينة تحاول المرور رغماً عن إرادتهم. وتشمل هذه الوسائل صواريخ ساحلية، وصواريخ باليستية مضادة للسفن، وأنواعاً مختلفة من الألغام البحرية، وزوارق هجومية سريعة يمكن استخدامها أيضاً كطائرات انتحارية، وطائرات مسيّرة وطائرات هجومية مسيّرة، وقدرات تحت الماء تشمل غواصات مأهولة وغواصات آلية مزودة بأجهزة تفجير.

في الوقت الراهن، يتوخى الإيرانيون الحذر ويتجنبون استخدام معظم هذه الوسائل. وقد استهدفوا عدة ناقلات نفط بطائرات مسيرة انتحارية للتأكيد على جديتهم في تهديداتهم، لكنهم امتنعوا عن استخدام الصواريخ والزوارق الهجومية. ربما يحتفظون بهذه الوسائل لحالة تحاول فيها الولايات المتحدة فتح المضيق بالقوة، أو ربما يخشون من أن يؤدي إفراط الولايات المتحدة وإسرائيل في رد فعلهما إلى الإضرار بإنتاجهما النفطي وصادراتهما، الأمر الذي قد يدمر ما تبقى من الاقتصاد الإيراني.

الوضع الحالي مواتٍ لإيران، إذ توقفت حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز بشكل شبه كامل، باستثناء تلك المتجهة إلى الهند والصين. ولا يزال الغموض يكتنف احتمال زرع الإيرانيين ألغامًا في الخليج. وقد أفاد مسؤول رفيع في الجيش الإسرائيلي أعضاء لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست بزرع أكثر من عشرة ألغام بحرية كبيرة في مياه مضيق هرمز. ويبدو أن هذه الألغام ليست عادية تُفعَّل عند مرور السفينة فوقها، بل هي ألغام كبيرة يعتزم الإيرانيون تفعيلها عن بُعد متى شاؤوا. من جهة أخرى، يدّعي البنتاغون أنه لا يملك أي دليل أو معلومات استخباراتية موثوقة تُثبت زرع إيران ألغامًا في الخليج. ولكن إذا اضطرت القيادة المركزية الأمريكية (سانتاكوم) إلى فتح المضيق، فسيتعين عليها افتراض وجود ألغام بحرية واستخدام وسائل خاصة لتحييدها قبل بدء حركة ناقلات النفط هناك.

إذن، ما الذي يمكن للولايات المتحدة فعله؟ تُعدّ جزيرة خرج الإيرانية ورقة ضغط استراتيجية هامة، وربما بالغة القوة، حيث يتم تحميل 90% من النفط الإيراني المُصدّر على ناقلات. فإذا سيطرت الولايات المتحدة عسكرياً على منشآت النفط في الجزيرة، لن تتمكن إيران من تصدير النفط دون إذن ترامب، ما سيُشكّل ضغطاً هائلاً على النظام في طهران، وبشكل غير مباشر على الصين. قبل يومين، وفّرت القيادة المركزية الأمريكية خياراً للرئيس لاستخدام خرج كورقة ضغط لإجبار الولايات المتحدة على فتح مضيق هرمز: قصفت الطائرات الأمريكية جميع المنشآت العسكرية التي تحمي الجزيرة ومنشآت النفط، ما يُتيح لنحو 2200 جندي من مشاة البحرية، في طريقهم إلى الخليج، السيطرة على الجزيرة بسهولة تامة.

لكن واشنطن ليست في عجلة من أمرها لاستخدام هذه الورقة خشية أن ترد إيران بهجوم مضادّ، وتشنّ ضربات انتقامية مدمرة على منشآت وحقول النفط في الخليج، حلفاء الولايات المتحدة العرب. يمتلك الإيرانيون آلاف الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وطائرات مسيرة، وحتى حوامات، ما يمكنهم من إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بصناعة النفط العالمية، وهو ما لا ترغب فيه الولايات المتحدة.

الخيار الثاني هو مرافقة قوافل ناقلات النفط عبر مضيق هرمز وحمايتها. ستستغرق الاستعدادات لهذا الخيار عدة أسابيع على الأقل، وسيتعين على القيادة العسكرية الأمريكية في جنوب شرق آسيا (سانتكوم) تنفيذ عملية عسكرية تمهيدية لتحييد مراكز التهديد على الساحل الإيراني للمضيق والجزر السبع الواقعة في مياهه.

خيار آخر هو عملية عسكرية واسعة النطاق للسيطرة على كامل الساحل الإيراني المحيط بمضيق هرمز والجزر السبع واحتلاله، بهدف تحييد مراكز التهديد بجميع أنواعها من خلال الوجود الفعلي. إلا أن مثل هذه العملية تتطلب قوات إنزال ومقاتلين بريين يفوق عددهم بكثير 2200 جندي من مشاة البحرية- المارينز. قد تتعرض قوة بهذا الحجم لخسائر فادحة وتتخبط في الوحل كما حدث مع الرئيس بوش الابن في العراق، وهو وضع وعد ترامب ناخبيه بتجنبه بأي ثمن.

من بين الخيارات الثلاثة، يُرجّح أن يختار ترامب، بناءً على نصيحة جنرالاته، خيار مرافقة القوافل. ذلك لأن هذه العملية لا تُؤدي بالضرورة إلى تصعيد مباشر مصحوب بخسائر بشرية فادحة. أما عيبها الرئيسي فيكمن في الحاجة إلى حشد قوات بحرية وجوية متنوعة لضمان النجاح، والوقت اللازم للتحضير.

من الأسباب التي تدفع ترامب إلى إشراك قوات حلف شمال الأطلسي في مرافقة القوافل في مضيق هرمز، وجود كاسحات ألغام لدى بريطانيا وفرنسا وألمانيا يمكن أن تصل إلى المنطقة بسرعة نسبية. هذا يعني أنه سيكون من الممكن البدء فعلياً بعملية مرافقة القوافل في غضون أسبوع ونصف إلى أسبوعين على أقرب تقدير. إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لشهر ونصف إضافيين، فقد يتسبب ذلك، وفقًا لخبراء الاقتصاد، في ركود عالمي. ولهذا السبب يضغط ترامب على دول الناتو للانضمام إلى العملية. ويرى أنه إذا كان الاقتصاد العالمي يعاني من إغلاق مضيق هرمز، فسيكون من الأفضل للدول المتضررة المشاركة في فتحه.

إلا أن الأوروبيين والآسيويين لا يميلون إلى الاستجابة لدعوة ترامب. فهم لا يرغبون في الانزلاق إلى حرب إقليمية مع إيران لم يبدأوها، كما أنهم غير مقتنعين بضرورتها، وتعارض شعوبهم بشدة جرّ الولايات المتحدة لهم إلى هذه المعركة. في نهاية المطاف، يبدو أن الولايات المتحدة، بمساعدة إسرائيل – التي ستقدم الدعم الاستخباراتي بشكل أساسي – وبمساعدة سرية من الدول النفطية العربية، ستكون مضطرة للقيام بالمهمة. لا يستطيع ترامب إنهاء الحرب في ظل إغلاق إيران لمضيق هرمز، ما يوحي بأنها لا تزال قوة قادرة على مواجهة الولايات المتحدة بنجاح، بل وفرض إرادتها على جيرانها.

------------------------------------------

 

هآرتس 17/3/2026

 

 

الهدف من العملية البرية في لبنان هو ازالة التهديد وحماية سكان الشمال

 

 

بقلم: عاموس هرئيلِ

 

 اعلنت اسرائيل رسميا أمس بدء عملية برية واسعة النطاق في جنوب لبنان. وصرح وزير الدفاع يسرائيل كاتس بان العملية تهدف الى “ازالة التهديدات وحماية سكان الجليل والشمال”. كاتس، الذي يسعى الى تصوير نفسه كشخص يميني في كل عملية عسكرية منذ تعيينه، اعلن أن “مئات آلاف سكان جنوب لبنان الشيعة الذين تركوا بيوتهم لن يعودوا اليها في جنوب الليطاني حتى يتم ضمان سلامة سكان الشمال”.

 تصريحات كاتس نشرت بعد يوم على اعلان الجيش الاسرائيلي نقل الوية مشاة ومدرعات الى المنطقة الشمالية استعدادا لعملية برية في اعقاب السيطرة على اراضي في جنوب لبنان في بداية الشهر الحالي. بعض وسائل الاعلام افادت أول أمس بان الحكومة يتوقع ان توافق اليوم على امكانية حشد 450 ألف جندي احتياط، وهي خطوة فسرت ايضا بانها استعداد لهجوم كبير. وتاتي هذه الخطوات بالتزامن مع تقارير عن مساعي بداتها فرنسا في محاولة للتوسط في اتفاق جديد بين اسرائيل ولبنان، تلتزم بحسبه الحكومة اللبنانية والجيش في بيروت بنزع سلاح حزب الله، وفقا لالتزامات اتفاق وقف اطلاق النار الموقع في تشرين الثاني 2024 والذي لم ينفذ الا جزئيا.

 منذ بضعة ايام تتحدث مصادر سياسية وعسكرية في اسرائيل علنا عن استعداد الجيش الاسرائيلي للسيطرة على كل المنطقة الموجودة جنوب الليطاني. هذه خطوة طموحة ولكنها تنطوي ايضا على جانب مضلل. ففي الواقع تم تفكيك الكثير من البنى التحتية العسكرية لحزب الله الموجودة بين الحدود مع اسرائيل ونهر الليطاني منذ بدء الحرب في تشرين الاول 2023، ايضا تم قصف بعضها من الجو بعد وقف اطلاق النار. ان وجود حزب الله جنوب نهر الليطاني محدود، ويحتمل أن يتراجع بعض عناصره الذين يعملون حاليا في مجموعات صغيرة بدلا من وحدات كبيرة ومنظمة، نحو الشمال فور اتساع نطاق الهجوم.

 يحتل الجيش الاسرائيلي حاليا مواقع مرتفعة ومهيمنة في السلاسل الجبلية الموجودة بين الحدود ونهر الليطاني. ويتطلب التقدم شمالا نحو النهر  النزول جغرافيا الى مناطق خاضعة لسيطرته. لذلك الجيش قد يفرض السيطرة على مناطق اضافية شمال النهر. وقد تم اطلاق الكثير من المسيرات والصواريخ على الاراضي الاسرائيلية في الايام الاخيرة من مناطق في شمال الليطاني. بكلمات اخرى، التهديد الذي تشكله الاراضي التي تعلن اسرائيل عن نية احتلالها، هو تهديد محدود جدا. وحتى لو لم تكن المقاومة المتوقعة في المنطقة بنفس الحدة السابقة، فان الانتشار الواسع على مساحات كبيرة مع مرور الوقت من المرجح ان يتسبب في مواجهات طويلة الامد وغير فعالة.

 من جهة اخرى، يتبلور الان توافق مفاجيء في الاراء. الحكومة تهتم بابقاء نار المواجهة مشتعلة على جبهات اضافية، لا سيما مع عدم وضوح حجم الانجاز ومدة الحرب مع ايران. هيئة الاركان في الجيش الاسرائيلي تنشغل باظهار الحزم والهجوم (يبدو انه منذ مذبحة 7 اكتوبر لم يبق وعي كاف حول تفاصيل هذا الامر)، بينما يتشكل في وسائل الاعلام، الى درجة كبيرة بين عامة الناس، اجماع واسع على ضرورة ازالة خطر قصف المناطق الشمالية نهائيا، بعد ان تبين ان الحرب السابقة في لبنان لم تحل المشكلة بشكل كامل.

 

 ينتظرون الجمهور الايراني، ولا يتواصلون مع الجمهور الاسرائيلي

 

 في الساحة المركزية، ايران، تواصل اسرائيل هجماتها الكثيفة على اهداف النظام وقوات الامن، لكنها الان لاعب ثانوي الى جانب دور ترامب. الرئيس الامريكي هو الذي سيقرر مدة استمرار العملية، وما اذا كان سيصعد الحرب في محاولة لتحويل التفوق العسكري الى خطوات قد تؤدي الى انهيار النظام في طهران أو التوصل الى اتفاق تسوية جديد. في الوقت الراهن لا تظهر القيادة في ايران أي استعداد لتقديم تنازلات. لانها تعتبر بقاءها مرادف للنصر. ومن المرجح ان تحتاج الجهود الامريكية تحركات جديدة لمنع انزلاق الحرب الى الفوضى.

 وتركز الاجراءات الايرانية المضادة على عرقلة تصدير النفط من دول الخليج والحاق الضرر بامريكا واسرائيل. ويامل النظام الايراني من خلال التهديد بازمة طاقة عالمية اجبار ترامب على التراجع. من جهة اخرى، حسب تقرير لـ “نيويورك تايمز” أمس، يضغط رئيس الحكومة نتنياهو وولي عهد السعودية محمد بن سلمان على ترامب من اجل مواصلة الحرب.

 وقد أدت الحرب الطويلة التي دخلت اليوم الـ 18 الى ظهور الكثير من التوقعات المتشائمة بشان ارتفاع حاد متوقع في اسعار النفط. وفي الايام الاخيرة استقرت السوق نسبيا وتوقفت الزيادة الحادة، رغم اشارات ايران لاغلاق مضيق هرمز. ترامب يحرص على اظهار الثقة بالنفس. اذ يعد بان الحرب ستنتهي بانتصار ساحق يتبعه انهيار سريع في الاسعار. وهذا هو الجو السائد حوله: الولايات المتحدة قوية ولا يوجد لها أي سبب للتراجع، والايرانيون هم الذين سينهارون في النهاية.

 تتعلق الورقة الرابحة التي تبرز من منظور ترامب بقطاع الطاقة. اولا، الرئيس يبحث عن طريقة لكسر الحصار المفروض على الخليج الفارسي. ثانيا، يفحص اتخاذ خطوات اضافية لالحاق الضرر بمواقع النفط الايرانية. في الايام الاخيرة سعى الى تشكيل تحالف دولي يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز. حتى الان كان الرد ضعيف: الدول الاوروبية التي لم يشركها ترامب في خطة هجومه وانتقدها بعد ذلك لضعفها العسكري، غير مستعجلة في التطوع. رغم ان ترامب يتفاخر بتدمير الاسطول الايراني، الا انه لا يقتضي الامر الا بضعة الغام أو قوة صغيرة مجهزة بصواريخ على متن قارب سريع، لاشعال النار في ناقلة نفط في الخليج وبث الذعر في السوق. ويبدو ان الالغام قد تم نشرها بالفعل.

 على صعيد الهجوم يلمح الرئيس الى شن هجوم آخر على جزيرة خرج، حيث تتركز معظم البنية التحتية النفطية الايرانية. وقد ركز الهجوم الامريكي الاول على مواقع عسكرية هناك. وقد يكون نشر اكثر من 2000 جندي من مشاة البحرية في المنطقة هو تمهيد لمثل هذه الخطوة. يستطيع ترامب تصويرها كعملية خاصة، موجهة، القول بانه لا يخالف وعده، عدم توريط الجنود الامريكيين في حرب دوية على اراضي ايران.

 يظهر التحدث مع مسؤولين اسرائيليين رفيعي المستوى اعجاب كبير بمستوى التنسيق والتنفيذ للهجوم على ايران حتى الآن. فقد تجاوز عدد الاهداف التي تم استهدافها المخطط له في هذه المرحلة من الحرب، ويكاد يكون من غير المسبوق وجود علاقة وثيقة بين الجيش الاسرائيلي والجيش الامريكي طوال فترة الهجمات.

 مع ذلك تبقى الصعوبات المالوفة قائمة: يصعب جدا التنبؤ بموعد، اذا وجد، وصول النظام الايراني الى نقطة الانهيار، وما اذا كان سيتم تجاوز حاجز الخوف الذي يمنع الجمهور من الخروج الى الشوارع. المشكلة تكمن في ان كل ذلك لا يفيد الشعب الاسرائيلي الذي سئم من الليالي الطويلة التي قضاها في الملاجيء. الحكومة تكتفي بتصريحات فارغة وتقديم حزمة محدودة من التعويضات والخدمات للمواطنين بدون اظهار أي قدر من التضامن أو التعاطف مع الذين يتحملون العبء في الجبهة الداخلية منذ اسبوعين واكثر بدون تاريخ نهاية يلوح في الافق.

------------------------------------------

 

هآرتس 17/3/2026

 

 

حلف الدفاع مع الولايات المتحدة وتزويد اسرائيل باسراب الطائرات، سيكون له ثمن

 

 

بقلم: ألوف بن

 

في السنة القادمة سيكمل جيش الصين الاستعداد لغزو تايوان، حسب الجدول الزمني الذي حدده الرئيس شي جين بينغ. ستوجه بجين انذار نهائي لتايوان: اما توحيد “طوعي” أو حرب. سيتعهد الرئيس الامريكي دونالد ترامب بالدفاع عن الجزيرة، وسيحاول حشد تحالف حربي. وسيعمل على الحصول على مساعدة من قادة اوروبا وسيرد عليه بمراوغة. بعد ذلك سيرن التلفون في مكتب رئيس الحكومة في القدس.

“بيبي”، أو “نفتالي”، سيقول ترامب. “أنا بحاجة الى بضعة اسراب مقاتلة وبطاريات صواريخ حيتس ونظام قبة حديدية وربما فرقة او اثنتين لانقاذ تايوان”. سيعدل رئيس الحكومة جلسته ويحاول شرح ان اسرائيل لا يوجد بينها وبين الصين أي صراع، وأننا دولة صغيرة محاطة بالاعداء، وأن الجيش الاسرائيلي ضروري لحماية الحدود. “عندما طلبتم مني المساعدة ضد ايران حصلتم على القنابل والطائرات القتالية وتزويد الوقود في الجو وشبكة انذار مبكرة ومعلومات استخبارية عالية الجودة وتنسيق مع الجيران”، هكذا سيعبر الرئيس عن اسفه. “الان جاء دولكم لمساعدتي. أو كما يقولون لديكم في الجيش، 20 ثانية للتحرك”.

كان مؤسس الدولة دافيد بن غوريون يحلم بحلف دفاع تلتزم فيه امريكا بالدفاع عن اسرائيل. واشار مؤيدو الفكرة الى تعزيز الردع، في حين حذر المعارضون من فقدان حرية العمل. لقد حسم ترامب الجدل في ولايته الاولى عندما اضاف اسرائيل الى منطقة الدفاع التابعة للقيادة الوسطى الامريكية (سنتكوم) الى جانب مصر، الاردن، السعودية ودول الخليج. حتى بدون اتفاق دفاع وموافقة مجلس الشيوخ، اندمج الجيش الاسرائيلي في منظومة الجيش الامريكي الاقليمية، من خلال لقاءات القادة، التخطيط العملياتي والتدريب المشترك.

لقد كشفت حرب 7 اكتوبر ضعف اسرائيل التي لم تستطع “الدفاع عن نفسها لوحدها ضد أي عدو”، مثلما وعدتها ادارات امريكية سابقة. خلال ادارة بايدن وفي مواجهة حماس وحزب الله احتاجت اسرائيل الى امدادات طارئة من السلاح، وللدفاع عن نفسها ضد الصواريخ الايرانية اعتمدت على نظام الانذار والدفاع الجوي التابع للقيادة الوسطى الامريكية. ترامب ذهب ابعد من ذلك، فقد ارسل طائرات بي2 لمهاجمة المنشآت النووية الايرانية كدعم لعملية الجيش الاسرائيلي في شهر حزيران الماضي، والان شرع في حرب امريكية – اسرائيلية مشتركة لتغيير النظام في طهران. التقارير في اسرائيل ابرزت العلاقة الوثيقة بين الجيشين وقدمت قائد المنطقة الوسطى الامريكية، الادميرال براد كوبر، كالشريك الرئيسي لرئيس الاركان ايال زمير.

من يعمل لصالح من؟. لقد ترسخت في الرأي العام الامريكي فكرة ان نتنياهو جر ترامب الى حرب غير ضرورية لصالح اسرائيل وطموحاتها في الهيمنة الاقليمية. هذه الرواية تتوافق مع الصورة النمطية المعادية للسامية عن اليهود الذين يشعلون الحروب، وتتوافق ايضا مع نتنياهو الذي يحب استعراض نفوذه الكبير في امريكا. ولكن يمكن تقديم تفسير معاكس لا يقل اقناعا، يفيد بان نتنياهو استغل الجيش الاسرائيلي وعرض المواطنين الاسرائيليين للخطر في حرب للسيطرة على النفط الايراني خدمة لمصالح ترامب وحلفائه وشركائهم في السعودية، قطر ودولة الامارات العربية. وقد صرح ترامب نفسه بانه اجبر اسرائيل على خوض الحرب ولم يجر اليها.

لقد حذر معارضو حلف الدفاع من انه لا توجد اسراب طائرات بالمجان، وانه مقابل الحماية الامريكية لاسرائيل سيتم تجنيد الجيش الاسرائيلي في حروب واشنطن العالمية. لقد ظهرت هذه التحذيرات وكأنه لا اساس لها في الايام التي لم تبرز فيها الولايات المتحدة علاقاتها العسكرية مع اسرائيل خشية اثارة غضب العرب. ثم جاء ترامب، وبدلا من اخفاء الجيش الاسرائيلي فانه يشغله مثل حاملة طائرات برية. عند محاربة ايران معا تتشابه مصالح الدولتين. ولكن اسرائيل ستواجه معضلة صعبة اذا طالبها ترامب بمقاتلين للمواجهة مع الصين، التي قد تندلع في تايوان في وقت مبكر في السنة القادمة. بعد التفجيرات المشتركة في طهران واصفهان يبدو ان هذا السيناريو خيالي اقل مما كان عليه من قبل.

------------------------------------------

 

إسرائيل اليوم 17/3/2026

 

 

مصر والأردن تخشيان نظاما إقليميا جديدا

 

 

بقلم: يهودا بلنجا

 

لقد وضع التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد ايران الدول العربية المعتدلة، وبالاساس الأردن ومصر، في وضع معقد. فالمصريون والاردنيون – حلفاء واشنطن والموقعين على اتفاقات سلام مع إسرائيل – وجدوا أنفسهم مطالبين بان يوازنوا بين التزامات استراتيجية، ضغوط إقليمية ورأي عام داخلي. وعليه فان المواقف التي تنطلق من القاهرة ومن عمان تدمج من جهة حذرا سياسيا بسبب الخوف من تصعيد إقليمي؛ ومن جهة أخرى اشتباه عميق بتداعيات الحرب على ميزان القوى في الشرق الأوسط، وبكلمات أخرى: تخوف من ارتفاع شاهق في الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

على المستوى الرسمي تبنت مصر والأردن خط عمل مشابه: معارضة التصعيد العسكري، تأييد المفاوضات مع ايران في صالح تسوية سياسية وشجب المس بسيادة الدول العربية في الخليج. وشدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على أن الحل للازمات في المنطقة يجب أن يكون دبلوماسيا – وحذر من أن تصعيدا آخر من شأنه ان يمس بالاستقرار الإقليمي بل والدولي. على حد قوله فان “من شأن الحروب ان تؤدي الى انهيار الدول وليس فقط انهيار الأنظمة – وستكون لهذه آثار سلبية جدا على استقرار المنطقة”. وعليه، فان القاهرة تدعو الى وقف القتال والعودة الى طاولة المفاوضات بل وتعرض خدماتها كعنصر وسيط بين واشنطن وطهران.

عمان هي الأخرى أعربت عن قلقها في ضوء الحرب، لكن بدوافع واضحة اكثر من مصر. ففي الأسبوع الأول من الحرب بلغت وسائل الاعلام الأردن عن اطلاق 119 صاروخا ومسيرة على المملكة. ومع انها شددت انها لن تسمح بمس بأمنها او تسلل الى مجالها الجوي، لكنها واعية جيدا لوضعها الجغرافي المعقد: الأردن حبيس بين مراكز المواجهة الإقليمية – ايران وإسرائيل – وعليه فهو مطالب بالدفاع عن سيادته وعن أمنه دون الانجرار الى المواجهة بشكل علني ومباشر.

 

تخوف من ضرر اقتصادي

 

الى الجانب السياسي – الأمني ينضم بالطبع أيضا اعتبار آخر: في مصر وفي الأردن يسمع تخوف واضح من خطر الضرر بالاستقرار الاقتصادي. فقد حذر السيسي من ان اغلاق مضيق هرمز منش أنه أن يمس بالحركة التجارية في المنطقة واساسا بقناة السويس التي تعرضت منذ الان لخسائر جسيمة منذ أكتوبر 2023 (بل وقبل ذلك بسبب جائحة الكورونا والحرب في أوكرانيا). كما أشار الى أن على الحكومة أن تستعد لكل سيناريو محتمل، وشدد على أنه “هام ان تبقى الدولة والشعب متحدين”. فالاستقرار والثبات هما العامودين الفقريين في زمن الازمة، انطلاقا من الوعي بان المشاكل الاقتصادية لمصر من شأنها ان تخرج شعبه الى الشوارع.

مع ذلك فان البحث في المجال الجماهيري، بما في ذلك في وسائل الاعلام وفي الشبكات الاجتماعية يعرض عنصرا آخر في الصورة. سياسيون، مثقفون وصحافيون كثيرون لا يرون في الحرب الحالية فقط مواجهة بين ايران وبين إسرائيل والولايات المتحدة. بزعمهم، هذه مسيرة أوسع بكثير تتمثل بإعادة تصميم الشرق الأوسط. شخصية بارزة في هذا البحث هي عمرو موسى، وزير الخارجية المصري وأمين عام الجامعة العربية سابقا. موسى، الذي يمتنع عن شجب الهجوم الإيراني ضد دول الخليج حذر من أنه بعد الحرب ستكون خطوة أمريكية إسرائيلية تسعى الى تغيير النظام الإقليمي واخضاعه وإخضاع الدول العربية لهيمنة إسرائيلية (عسكرية وسياسية).

من المهم الإشارة الى أنه مقابل هؤلاء تسمع أيضا أصوات أخرى وانت كانت اقلية واساسا من دول الخليج، لكنها ترى في ايران التهديد المركزي على أمن الشرق الأوسط كله. من ناحيتهم اسقاط نظام آيات الله او اضعافه سيقلل جدا نفوذه على منظمات الوكلاء الإيرانيين في المنطقة بشكل يؤدي الى تغيير ميزان القوى في صالح الدول العربية المعتدلة. ان الخلافات التي تنعكس من هذا البحث تعرض فجوات عميقة في داخل العالم العربي بالنسبة لمسألة من هو مصدر التهديد المركزي على استقرار المنطقة وكيف ينبغي التصدي له.

في نهاية الامر تقف مصر والأردن امام المعضلة إياها التي ترافق العالم العربي في العقود الأخيرة: كيف يمكن الحفاظ على مصالحها القومية في الوقت الذي توجد فيه مراكز القوة في معظمها في ايدي لاعبين خارجيين. هكذا بحيث أنه في كل سيناريو تنتهي فيه المواجهة، التحدي الحقيقي لمصر والأردن سيكون الضمان الا تأتي التسوية التي ستتحقق في اعقابها على حساب مكانتها الاستراتيجية في المنطقة.

 ------------------------------------------

 

 

هآرتس 17/3/2026

 

 

لاجل منع تكرار التاريخ على إسرائيل السعي الى تسوية في لبنان

 

 

بقلم: جاكي خوري

 

 في العام 1982 اطلقت اسرائيل عملية “سلامة الجليل” ووضعت لها الاهداف التالية: وقف اطلاق صواريخ الكاتيوشا لـ م.ت.ف من لبنان، دفع المنظمة نحو الشمال الى ما بعد نهر الليطاني، خلق واقع سياسي يسمح بالتوقيع على اتفاق سلام مع لبنان. عسكريا تحققت بعض الاهداف، حيث تم طرد م.ت.ف من لبنان وانتقلت قيادتها الى تونس، لكن الواقع الذي ظهر بعد ذلك ابرز كيف يمكن لانتصار تكتيكي أن يتحول الى فشل استراتيجي.

 بدلا من م.ت.ف ظهر تنظيم جديد هو حزب الله. تلقى الحزب التشجيع والدعم من ايران، واسس شرعيته على فكرة مركزية واحدة وهي النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان. ونتيجة لذلك اصبح التواجد العسكري الاسرائيلي في لبنان المنصة التي نمت عليها اقوى حركة مقاومة في المنطقة. ايضا فشلت مغامرة اسرائيل السياسية. فقد تم اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، الذي اعتمدت عليه اسرائيل في الترويج لاتفاق سلام بعد فترة قصيرة من انتخابه. وبدلا من اتفاق سلام وجدت اسرائيل نفسها غارقة في مستنقع لبنان لعقدين تقريبا حتى انسحابها في العام 2000. ومنذ ذلك الحين واصل حزب الله تعزيز قوته، بدعم من ايران عسكريا وسياسيا. واستمد قوته الرئيسية من الخطاب المحلي: مقاومة الاحتلال. وبلغت ذروة قوته في حرب 2006، التي قدمها كانجاز تاريخي: “النصر بالصمود” في وجه اسرائيل. وقد رسخ رئيسه حسن نصر الله مبدأ “المقاومة في الخطاب اللبناني والعربي تقوم على شعار الشعب والجيش والمقاومة”، ليقدم صيغة يكون فيها الحزب جزء من آلية لحماية لبنان وليس خصم للجيش ولدولة لبنان.

 الآن بعد مرور عشرين سنة على تلك الحرب، تعود اسرائيل الى عملية برية واسعة في جنوب لبنان، ولكن الخطاب تغير. فخلافا للعام 2006 عندما كان الحديث يدور عن عمل محدود، تسمع الان اصوات تدعو الى بقاء طويل في لبنان والاستيلاء على اراضي وربما حتى اقامة منطقة عازلة. فرواية لبنان تدور حول الاحتلال، حتى لو كان جزئيا أو مؤقتا. وقد يصبح هذا الواقع ارض خصبة من جديد لكل من يتبنى نظرية المقاومة. ويعلمنا التاريخ بانه طالما ان الاحتلال قائم فستظل هناك دائما منظمة تملأ الفراغ وترفع هذه الراية.

 ايضا تحتاج اسرائيل الى استخلاص الدروس على الصعيد السياسي. ان اضعاف الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، واهانتهما من خلال احتلال اراضي في عهدهما وقمع أي خيار سياسي في مواجهة الرأي العام في لبنان المتعب من الحروب، لن يخدم مصالح اسرائيل على المدى البعيد. ففي 1982، استقبل بعض اللبنانيون الجيش الاسرائيلي بالورود والارز، بل حتى الجيش اللبناني ارسل ضباط لاقامة اتصالات مع اسرائيل. الان الواقع مختلف كليا. لن تنثر الورود في القرى المدمرة في الجنوب، ولا يوجد رئيس في البلاد يوقع اتفاق بدون انسحاب اسرائيلي كامل وبدون ترتيب اقليمي شامل ياخذ الفلسطينيين في الحسبان. لذلك، الى جانب التحرك العسكري، يجب على اسرائيل أن تقدم رؤية سياسية واضحة، وان تستخدم مظلة دبلوماسية دولية. مطلوب بذل جهد لتقوية الجيش اللبناني كي يصبح قوة سيادية في الجنوب. وقبل كل شيء مطلوب وضع جدول زمني واضح للانسحاب.

 بدون هذا العنصر يحتمل ان يعيد التاريخ نفسه. فبدلا من كسر حلقة المقاومة، قد تعود اسرائيل وتعد الظروف لحزب الله كي ينمو ويتقوى. وعندها، مثلما في مرات سابقة، قد يستغرق الامر سنوات وقد يسقط الكثير من الضحايا في الطرفين من اجل التوصل الى نفس النتيجة: انه في لبنان ايضا لا يوجد بديل عن التسوية السياسية.

------------------------------------------

 

معاريف 17/3/2026

 

 

بين المضائق

 

 

بقلم: افي اشكنازي

 

أكد الجيش الإسرائيلي بانه بدأ العمل بريا في أراضي لبنان. مهمة القوات هي تنفيذ دفاع متقدم ومنع حزب الله من اطلاق النار نحو أراضي الجليل.

 تجري الاعمال بشكل متدرج. فقد دخلت القوات الى عدة مناطق في سلسلة رميم وفي منطقة الخيام. يحاول الجيش الاسرائيل دحر حزب الله الى ما وراء الليطاني في محاولة للتصعيب على وحدة بدر مهاجمة كريات شمونا، منيرا، مرغليوت، مسغاف عام، متولا، دفنه، دان وكفار يوفيل.

يعتزم الجيش الإسرائيلي المواصلة الى مناطق أخرى في جنوب لبنان. الحقيقة هي ان هدف هذه الحملة ليس واضحا. فهل تعتزم إسرائيل أن تقيم من جديد الحزام الأمني؟ هل اخلاء 850 الف مواطن لبناني يستهدف الاستيلاء على ارض لغرض إقامة مستوطنات في لبنان؟ هل الهدف هو ممارسة ضغط على حكومة لبنان كي تنزع سلاح حزب الله؟ الأجوبة على هذه الأسئلة تتغير وفقا لمن يجيب عليها في المستوى السياسي والعسكري. في ساحة ايران يواصل الجيش ضرب اهداف الحكم في محاولة لاضعاف النظام الإيراني. على الطريق يحرص أيضا على إهانة النظام مثلما في ضرب طائرة زعيم ايران السابق أمس او ضرب مباني الاستخبارات ومركز الفضاء التي هي رموز قوة الحكم.

ايران من جهتها تحاول الان ممارسة الضغط بمعونة “سلاح يوم الدين” – اغلاق مضيق هرمز وقفز أسعار النفط. امام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب امكانيتا رد مركزيتان. الأولى هي السماح باغلاق المضيق، ففي نهاية الامر لا مصلحة للولايات المتحدة ولاسرائيل حقا في عبوره. فالولايات المتحدة يمكنها ببساطة أن تعلن بان من يحتاج الى النف الذي يمر في المضيق فليتصدى للمشكلة.

الامكانية الثانية هي أن تنشر الولايات المتحدة بيان اخلاء في كل مجال مضيق هرمز. وفور ذلك يمكن للولايات المتحدة أن تنفذ قصف شامل على ضفتي المضيق وتنفذ خطوة على كل السفن المرتبطة بايران وحلفائها في المجال. على أي حال لا ينبغي للولايات المتحدة أن تتأثر بالتهديد الإيراني حول مضيق هرمز. فهي ليست المتضررة المباشرة. الإدارة الامريكية يمكنها ببساطة ان ترفع انتاج النفط الأمريكي فتخفض سعر النفط في الولايات المتحدة وفي الدول التي ترغب في مصلحتها. ان اغلاق مضيق هرمز ليس اكثر من خطوة اضطرارية لإيران – التي توجد في هذه اللحظة مع الظهر الى المضيق.

------------------------------------------

 

معاريف 17/3/2026

 

 

لدينا فرصة نادرة لتغيير الواقع الاستراتيجي في لبنان والقضاء على حزب الله

 

 

بقلم: أفيغدور ليبرمان

 

مرت أكثر من 40 سنة منذ حرب لبنان الأولى ويخيل أن إسرائيل عالقة في الدائرة الاستراتيجية إياها حيال حزب الله: جولات قتال، ردع مؤقت، اتفاق دولي ومرة أخرى تدهور الى مواجهة إضافية. في كل مرة يعدون بان “هذه المرة القصة انتهت”، وفي كل مرة يثبت الواقع خلاف ذلك. في الاتفاق الأخير الذي وقع في تشرين الثاني 2024 أيضا رووا لنا بان حزب الله ضعيف وان إسرائيل حققت النصر.

لكن الواقع يثبت بان المشكلة لم تحل، ونحن مرة أخرى نجد أنفسنا في جولة قتال إضافية. من يدفعون الثمن الباهظ للغاية هم سكان الشمال، الذين تجري حياتهم منذ سنين بين حملة وحملة وبين هدنة مؤقتة وتصعيد إضافي. هذا الوضع يجب أن يتوقف!.

الان بالذات نشأت نافذة فرصة نادرة ولمرة واحدة لم يكن مثيل لها منذ 1982: لتغيير الواقع الاستراتيجي في لبنان وللعمل للقضاء على حزب الله.

تنبع هذه الفرصة من تجمع ظروف إقليمية لم تكن موجودة في الماضي: ايران لا يمكنها أن تشكل جبهة خلفية اقتصادية للتنظيم، سوريا أغلقت في وجه حزب الله قسما هاما من العمق الجغرافي الذي تمتع به على مدى سنين والازمة السياسية والاقتصادية الحادة داخل لبنان نفسه. كل هذه العوامل معا تخلق واقعا جديدا لم يعد حزب الله يتمتع فيه بالظروف إياها التي سمحت له بالتعاظم على مدى عقود.

في هذا الواقع الجديد على إسرائيل أن تعمل أيضا في المستوى السياسي. فاقتراح الرئيس اللبناني جوزيف عون الشروع في حوار يخلق فتحة سياسية هامة. على إسرائيل ان تستجيب لهذه المبادرة وان تشرك فيها دول أخرى. فمجرد وجود مسيرة كهذه سيمنح إسرائيل شرعية دولية واسعة، يمكنها أن تؤدي الى نزع سلاح حزب الله.

منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000 عادت إسرائيل لتشدد على ان المسؤولية عما يجري في أراضي لبنان ملقاة على حكومة لبنان. إسرائيل انسحبت الى الحدود الدولية انطلاقا من الفكرة في أنه من اللحظة التي لا يكون فيها احتلال إسرائيلي في أراضي لبنان، فان المسؤولية الأمنية ستنتقل الى الدولة اللبنانية وجيشها.

لكن الواقع اثبت المرة تلو الأخرى بان حكومة لبنان غير قادرة على التصدي لحزب الله وحدها. فعلى مدى السنين نجح التنظيم في أن يبني لنفسه قوة عسكرية، سياسية واقتصادية هائلة ويصبح عمليا دولة في داخل دولة.

ينبغي أن نتذكر بان لبنان كان في الماضي احدى الدول الأكثر تطورا وانفتاحا في الشرق الأوسط. فقد كان لبنان مركزا اقتصاديا، ماليا وثقافيا هاما بمجتمع متنوع ومتعدد. وكان دخول الفلسطينيين الى لبنان، تعاظم حزب الله وسيطرته على مراكز قوة مركزية في الدولة أدى الى أن فقد لبنان بالتدريج طابعه وهويته.

الازمة الاقتصادية العملية، انهيار المنظومة المالية وضعف مؤسسات الدولة – كلها جزء من الثمن الذي يدفعه لبنان على وجود تنظيم مسلح يعمل من فوق الدولة وبتضارب مع مصالحها القومية.

من المهم ان نفهم بان اليوم أيضا ليس لحكومة لبنان ولجيش لبنان وحدهما القوة اللازمة لتفكيك حزب الله. مع ذلك فان مجرد وجود مفاوضات بين إسرائيل وحكومة لبنان كفيل بان يخلق وضعا يعرض فيه حزب الله ليس فقط كتهديد على إسرائيل بل وأيضا كعائق مركزي امام اعمار لبنان وسيادته. من هذه الناحية فان المفاوضات ليست فقط هدفا سياسيا بل هي أيضا أداة استراتيجية يمكنها أن تغير الساحة السياسية في لبنان.

بالتوازي مع الخطوة تجاه الحكومة في بيروت على إسرائيل أن تخلق اتصالا مباشرا مع الطائفة المسيحية والطائفة السُنية – وهما قوتان سياسيتان واجتماعيتان لا تتمثلان مع حزب الله بل وتريان فيه عنصرا يدهور الدولة الى أزمات متواصلة. هاتان الطائفتان هما لاعبتان مركزيتان في الساحة، ولكلتيهما مصلحة واضحة في القضاء على حزب الله وأعادة التوازن السياسي الى الدولة. ان خلق قنوات تنسيق حتى وان كانت هادئة وغير مباشرة، مع عناصر في هاتين الطائفتين يمكنه أن يشكل أساسا لعزل سياسي لحزب الله في داخل لبنان نفسه.

في هذه الخطوة من المهم أن تشارك أيضا السعودية، الدولة الأهم في العالم السُني والتي هي ذات نفوذ سياسي واقتصادي هام في لبنان، واساسا في أوساط الجمهور السُني. للسعودية توجد رافعات ونفوذ هائل في لبنان. اذا اختارت ان تدعم خطوة هدفها تعزيز الدولة اللبنانية وتصفية حزب الله فانه يمكنها أن تؤثر على الساحة السياسية في بيروت بشكل حاسم.

ومع ذلك فان الخطوة السياسية وحدها لن تكفي. فالى جانب الدبلوماسية مطلوب أيضا ضغط عسكري مركز. محظور العودة الى مفاهيم امنية قديمة مثل الحزام الأمني على طول الحدود. فمثل هذه الأفكار تنتمي الى عصر آخر. الوقع العسكري اليوم تغير تماما ومحظور انهاء هذه الحرب دون التصفية التامة للتنظيم الاجرامي.

يحوز حزب الله اليوم ترسانة واسعة من الصواريخ والمقذوفات الصاروخية لمديات متوسطة وبعيدة، بما فيها منظومات مثل فجر 5، وM302، الى جانب صواريخ دقيقة مثل فاتح 110، هذه الصواريخ تهدد كل دولة إسرائيل وليس فقط الشمال.

نافذة الفرص التي فتحت الان لن تبقى مفتوحة الى الابد. اذا لم تعمل إسرائيل كي تستغل الزخم الإقليمي الناشيء، من شأنها أن تجد نفسها بعد بضع سنوات امام حزب الله اقوى، مع قدرات عسكرية اكثر تقدما وفي داخل دائرة العنف العنيفة إياها التي حاولت او تخلص نفسها منها. بالنسبة لسكان الشمال – وبالنسبة لامن دولة إسرائيل – هذه فرصة محظور تفويتها.

------------------------------------------

 

هآرتس 17/3/2026

 

 

إسرائيل تماطل حتى الحديث المباشر مع لبنان وتراهن ان نافذة الفرص لن تغلق

 

 

بقلم: ليزا روزوفسكي

 

قال مصدر مطلع لصحيفة “هآرتس” عن تأجيل جولة المفاوضات المقررة بين ممثلين إسرائيليين ولبنانيين في الأيام القادمة، وذلك بعد انسحاب إسرائيل من هذه الخطة. حسب مصدر آخر تفحص إسرائيل الاقتراح الفرنسي الذي يتمحور حول اعتراف لبنان بإسرائيل مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المواقع الخمسة في أراضي لبنان التي احتلتها منذ الانسحاب من جنوب لبنان بحسب اتفاق وقف اطلاق النار الذي وقع في تشرين الثاني 2024. وأعلنت وزارة الصحة في لبنان عن قتل 24 شخص امس في هجمات الجيش الإسرائيلي.

حسب نفس المصدر لم يبت رئيس الحكومة نتنياهو بعد في الاقتراح الفرنسي. مع ذلك لا تستبعد إسرائيل إمكانية بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان في القريب. في الواقع يكمن الهدف الان في استغلال الزخم الحالي في لبنان، أي استعداد البلاد لدفع ثمن دبلوماسي باهظ يتمثل بالاعتراف بإسرائيل مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية ومنع احتلال إسرائيلي واسع النطاق. تتوقع إسرائيل ان ينفد صبر الولايات المتحدة على الحرب في لبنان عندما تنتهي “الحرب الرئيسية” مع ايران. ويتوقع عندها ان تتلاشى مرونة لبنان أيضا، وبالتالي، فان نافذة المفاوضات أصلا هي محدودة جدا.

في باريس يوضحون بان الاقتراح الفرنسي، الذي كشف الصحافي براك ربيد تفاصيله لأول مرة، ليس خطة منظمة وضعت على الطاولة، وان فرنسا تترك للأطراف حرية التفاوض للوصول الى تفاهمات فيما بينها. وتعرض باريس استضافة محادثات مباشرة، لكنها لا تدعي التدخل فيها.

مع ذلك، اكد دبلوماسي غربي مطلع على التفاصيل للصحيفة بان فرنسا ترى فرصة للتوصل الى اتفاق “يتجاوز مجرد وقف اطلاق النار”. وحسب نفس المصدر قدمت فرنسا للامريكيين سلسلة أفكار لحل دبلوماسي محتمل بين إسرائيل ولبنان، لا يقتصر على انهاء جولة العنف الحالية فقط، بل قد يفضي الى حل سياسي شامل، وهم يسعون الى اقناع الأمريكيين بدعم ذلك. ويرى هذا التوجه ان على إسرائيل استغلال الفرصة المتاحة في لبنان، حيث توجد حكومة مستعدة لاتخاذ خطوات حاسمة وفي ظل استياء الراي العام في لبنان وغضبه من حزب الله.

المصدر أشار الى ان الأمريكيين يظهرون الاهتمام واللبنانيون يدعمون وإسرائيل تظهر “بوادر اهتمام”. ولكن في الواقع يبدو ان إسرائيل تنتظر دعم أمريكا للاقتراح الفرنسي. وعندما ستظهر دعمها للاقتراح يمكن عقد اجتماع مباشر بين الوزير السابق رون ديمر وممثلين لبنانيين.

وفي الوقت نفسه، من المحتمل ان تكون الأفكار الفرنسية قد انبثقت من ضرورة ملحة. فقد صرح مصدر مطلع لـ “هآرتس” ان هناك مؤشرات على ان الفرنسيين عملوا في البداية على تعزيز وقف اطلاق النار. وقد تحدث الرئيس الفرنسي عمانويل ميكرون مع نتنياهو في الأيام الأولى للحرب. وأوضح بعد ذلك مرارا وتكرارا انه يطلب من إسرائيل تجنب عملية برية واسعة النطاق في لبنان ووقف الهجمات الكثيفة. وبعد ان تبين في الاليزيه بان إسرائيل ترفض وقف اطلاق النار، طرحت فكرة في أروقة القصر الرئاسي لتقديم عرض اكثر جاذبية للاسرائيليين وفقا لما ذكره المصدر.

ولكن كما نشر الصحافي جاكي خوري في “صوت الجيش”، فانه في الوقت الذي تجند فيه ديرمر لعقد لقاء مباشر مع اللبنانيين، زار ديرمر السعودية من اجل مناقشة اليوم التالي لوقف اطلاق النار في لبنان. وامتنع مكتب رئيس الحكومة والسفارة السعودية في الولايات المتحدة عن التعليق على هذا التقرير. وتثير هذه الزيارة في هذا الوقت بالذات التساؤل. فقد حرصت السعودية على نفي التقارير التي تفيد بان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يدعم بحماس هجوم امريكي على ايران سرا، بينما يعارضه علنا. ويتفق الدبلوماسيون والخبراء على ان دعم السعودية للحرب يبدو غير منطقي. لماذا تستضيف السعودية شخص مقرب من نتنياهو، الذي يعتبر مشعل فتيل الحرب، في هذا الوقت بالذات؟.

من جهة أخرى تنظر الولايات المتحدة الى السعودية كمصدر تمويل لاعادة اعمار لبنان واضعاف حزب الله. وقد صرح السفير الأمريكي في تركيا، توم باراك، الذي شغل منصب المبعوث الأمريكي الخاص في سوريا ولبنان قبل ستة اشهر، بان السعودية وقطر على استعداد لتمويل منطقة التجارة الحرة المنوي انشاؤها حسب خطته، على الحدود بين لبنان وإسرائيل، والدفع قدما بمستقبل يسود فيه السلام والازدهار والتجارة للجميع.

في كانون الأول، تحت ضغط امريكي معتدل، وعدت فرنسا والسعودية باستضافة مؤتمر لجمع التبرعات للجيش اللبناني. وكان من المقرر عقد المؤتمر في شهر شباط، لكنه لم يعقد، واندلعت حرب أخرى بدلا منه. من المحتمل ان إسرائيل والولايات المتحدة تعملان الان على ان تبقى السعودية على استعداد لتقديم التمويل من اجل استقرار المنطقة.

في غضون ذلك يرفض مكتب رئيس الحكومة وفريق ديرمر الإجابة على أسئلة حول تحركات مساعد نتنياهو المقرب بشان ملف لبنان، وكذلك حول وضعه الجديد بعد عودته الى الساحة الدبلوماسية: كيف يحدد دوره في السلطة الان؟ هل يحصل على راتب من مكتب رئيس الحكومة؟ لا يكتنف الغموض أي أمر من هذه الأمور على غرار مناصب أخرى في مكتب نتنياهو. على سبيل المثال، بما ان زيف اغمون الذي عين رسميا متحدثا باسم رئيس الحكومة في الصيف الماضي، وعمر منصور نائبه، لا يجيبان عادة على أسئلة المراسلين، فليس من المعروف ما اذا كان لرئيس الحكومة أصلا متحدث رسمي.

يضاف ذلك الى ضبابية المعركة المحتدمة التي تحيط بخطط قيادة البلاد بشان لبنانه، وكذلك بشان ايران. مع ذلك يبدو ان إسرائيل تدرك انه بقدر ما يمكن حل مشكلة حزب الله، سياتي الحل من مزيج من الدبلوماسية والأموال والسياسة، وليس من العودة هذه المرة الى شعار النصر المطلق. ولعل ما يساهم في هذا الفهم هو ان البيت الأبيض لا يدعم حرب طويلة الأمد في لبنان.

------------------------------------------

 

هآرتس 17/3/2026

 

 

نشأت فرصة نادرة لاضعاف حزب الله محظور تفويتها

 

 

بقلم: كسانيا سبتلوفا

 

تقوم الحكومة اللبنانية بحظر الجناح العسكري لحزب الله وتندد بسلوكه العدائي، وتحذف كلمة “مقاومة” من قاموس وسائل الاعلام الرسمية. قد يجادل البعض بان هذه مجرد اقوال وليس افعال، فكما هو معروف لم يجرد جيش لبنان حزب الله من سلاحه بعد، كما تعهدت الدولة في اتفاق وقف اطلاق النار الذي وقع عليه في نهاية 2024. مع ذلك فان هذا يعتبر نبأ سار. فالكلمات لها قوة ايضا، والسياسيون الاسرائيليون يحبون مهاجمة الفلسطينيين وغيرهم عندما لا يعبرون بوضوح كاف عن رفضهم للمنظمات الارهابية واعمالها الاجرامية.

لاول مرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، اصبح للبنان رئيس يعارض حزب الله، وحكومة تظهر عداء واضح له، وهذا التوجه لا ينفصل عن واقع الشارع في لبنان، بل ان حكومة بيروت تقترح على اسرائيل التخلي عن الحرب لصالح مفاوضات مباشرة وعمل مشترك لتحقيق اهداف مشتركة، وهي نزع سلاح حزب الله وتحقيق الاستقرار الامني هناك. الشريك اللبناني موجود، وان لم يكن هو ما تامله اسرائيل تماما. وهناك حقيقة اخرى مهمة وهي تغير الصورة.

منذ انضمام حزب الله للحرب، امتلات الشبكات الاجتماعية اللبنانية بافلام فيديو تعبر عن الازدراء والكراهية تجاه هذه المنظمة. ليس هناك جديد في هذا: فقد حدث هذا خلال حرب غزة، وحدث ايضا في 2019 عندما خرج آلاف اللبنانيين الى الشوارع احتجاجا على الازمة الاقتصادية الحادة، التي يعتبر حزب الله احد المسببين لها. بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في 2005 انقلب عليها النشطاء اللبنانيون المناهضون لحزب الله واحتفلوا بالانتصار على المحور الموالي لايران. ولكن تبين ان هذا الاحتفال كان سابق لاوانه، فقد استمرت سوريا في حكم لبنان بقبضة حديدية، حتى بدون وجود قوات عسكرية على اراضيه.

ما تغير الان ليس عدد افلام الفيديو التي تظهر غضب اللبنانيين في الشبكات الاجتماعية، بل حقيقة ان دمشق لم تعد تسيطر على لبنان منذ اسقاط نظام بشار الاسد في سوريا، وذلك للمرة الاولى منذ عقود. وبسبب التحول الجذري الذي شاهدته سوريا في السنة الماضية وضعف النظام السوري الجديد، تحول لبنان من جديد من دولة تابعة لسوريا الى دولة ذات سيادة، وان كانت ضعيفة جدا. وفي اعقاب هذا التغيير الدراماتيكي انتخب قائد الجيش السابق جوزيف عون رئيسا للبنان، الذي بدوره عين نواف سلام، احد اكثر رجال الدولة اللبنانية خبرة، رئيسا للوزراء. ولا يعتبر أي واحد منهما من مؤيدي حزب الله على اقل تقدير.

تهب رياح جديدة على بيروت منذ سنة تقريبا، لكن الجيش اللبناني ما زال عاجز عن تفكيك حزب الله، وفي ظل الانقسام السائد فيه – كما هي الحال في المجتمع اللبناني كله – يبقى من غير الواضح متى سيكون جاهز لهذه المهمة. لقد نشرت صحيفة “الاخبار” التابعة لحزب الله في هذا الاسبوع رسالة لضباط لبنانيين يحذرون فيها من تفكك الجيش اذا لزم الامر. ويقول اشخاص مطلعون في لبنان بان هذه ليست دعاية رخيصة، فبحسبهم وحسب مصادر مطلعة في بيروت فان وزير الدفاع رودولف هيكل يخشى هذا السيناريو ايضا.

اذا ما الذي على دولة اسرائيل فعله في ظل التزامها بحماية سكان الشمال الذين ما زالوا يتعرضون لقصف صاروخي ومسيرات، رغم ان رئيس الحكومة والوزراء اعلنوا قبل سنة واربعة اشهر فقط بانهم “اعادوا حزب الله عقود الى الوراء”؟. لقد اضعف اغتيال حسن نصر الله وعملية البيجرات البارعة والضربات القوية التي وجهت لقادة حزب الله وبنيته التحتية، حزب الله. ولكنها لم تدفعه الى التخلي عن الكفاح وعن سلاحه. لم تصبح مهمة نزع سلاح حزب الله اسهل، وليس بالضرورة بسبب قوته، بل بسبب الضعف المتاصل في المجتمع اللبناني القبلي والمنقسم. وفي نهاية عملية برية اخرى سيتضح على الارجح بان حزب الله ما زال صامدا. اذا قامت اسرائيل ايضا بازالة “الشريط الامني” من لبنان، الذي يتحدث عنه وزراء الحكومة حاليا، فقد تحظى بتعاطف ودعم اللبنانيين الساخطين على النفوذ الايراني في دولتهم، والذين يرفضون الاحتلال الاسرائيلي.

حكومة نتنياهو التي تعلن انتصارات باهرة صبح مساء، عاجزة عن معرفة ذلك، لكن في الحياة، لا سيما في الشرق الاوسط، لا توجد حلول فورية للقضايا المعقدة. نزع سلاح الجماعات المسلحة ليس أمرا سهلا. ففي ايرلندا الشمالية، التي تبدو لنا الان هادئة ومسالمة، استغرقت هذه العملية اكثر من عقد، رغم ان اتفاق وقف اطلاق النار حصل على تاييد شعبي واسع. لا يمكن الاسرائيل ان تسمح لحزب الله بالتعافي والنمو، ويبدو انه لا توجد حاليا قوة عسكرية اخرى غير الجيش الاسرائيلي قادرة على كبح جماح التنظيم واخضاعه. مع ذلك، في نفس الوقت لن يضمن لاسرائيل أمن حقيقي، بدلا من حرب لا نهاية لها مع فترات راحة قصيرة بين حين وآخر، ألا تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية واعادة هيكلة الجيش اللبناني – وهي عملية ستستغرق وقت.

يجب على اسرائيل استغلال هذه الفرصة الفريدة، حيث ما زالت سوريا (حتى الآن) لا تثير الاضطرابات في لبنان، ويدعم رؤساء الدولة تسوية سياسية، وعليها ان ترحب بهذا الاقتراح بكل حماس. ان تحقيق الاستقرار في لبنان من ناحية امنية وسياسية واقتصادية واجتماعية، الى جانب العمل الممنهج لمنع التهريب على الحدود بين لبنان وسوريا، وهي مسالة تحتاج ايضا الى التعاون مع دمشق، هو الطريقة الوحيدة لتقليص نفوذ حزب الله على المدى البعيد. أما على المدى القريب والمتوسط فمن المرجح ان يضطر الجيش الاسرائيلي الى مواصلة عملياته هناك، مثلما كان يفعل قبل الحرب في ايران.

ان التهديدات الموجهة لبيروت، بما في ذلك تصريح الوزير ايلي كوهين المؤسف بشان احتمالية الغاء اتفاق الغاز الموقع اثناء فترة حكومة التغيير، لا تحسن الوضع ولا تجعل الجيش اللبناني اقوى أو اكثر جرأة. ان تشجيع العناصر المعتدلة التي تتوق الى الاستقرار والسلام، ودعوتها للتعاون على المستوى الاقليمي لتحقيق الهدف المشترك، هي الطريقة الوحيدة.

------------------------------------------

 

هآرتس 17/3/2026

 

 

حتى أنت يا ألمانيا؟ العالم كله يكرهنا.. لعنة ما فعلناه بالفلسطينيين تلاحقنا في كل مكان

 

 

 بقلم: عوزي برعام

 

في مقابلة مع آفي شيلون في “يديعوت أحرونوت” قالت عالمة الاجتماع ايفا ايلوز، بأنه “لا توجد أيديولوجيا مكروهة مثل الصهيونية”، وقد أيد أقوالها هذه أمنون لورد، وهو أحد أبرز المتحدثين باسم اليمين المؤيد لنتنياهو في “إسرائيل اليوم”، حيث كتب: “إن حركة الكراهية المطلقة الآن هي معاداة الصهيونية. لذلك، ليس من الغريب عدم وجود نقاش حقيقي في إسرائيل حول دوافع كراهية مناهضي الصهيونية”.

أنا أوافق على هذا الاستنتاج. في الواقع وبشكل مقصود وليس بالصدفة، يتجنب اليمين الإسرائيلي مناقشة دوافع معاداة الصهيونية الجديدة التي ازدهرت في السنوات الأخيرة، والتي تعود جذورها أيضاً إلى سلوك القيادة الإسرائيلية. حتى لا نعيش خلف ستار من الأكاذيب والخداع. حتى قبل خمسين سنة، كان العالم الشيوعي موحداً في معارضة الصهيونية، التي اعتبرها تعبيراً عن “الإمبريالية الغربية”. ولكن العالم الغربي كان مختلفاً؛ فقد أيد كثيرون، بما في ذلك حركات وقيادات اشتراكية، إسرائيل وحق الشعب اليهودي في تقرير المصير في وطنه التاريخي.

كيف يعقل أن يقف أصدقاؤنا الأوفياء في الغرب – حتى في ألمانيا التي ما زالت ترزح تحت وطأة خطايا الماضي، حيث دعم سياسيون إسرائيل والصهيونية لسنوات – ضدها الآن، بل ويصفون الصهيونية بأنها حركة عنصرية؟

لا يقتصر السؤال على ما يفكر فيه العالم، بل يتعداه إلى ما نفعله نحن. هل يعقل أن يؤيد أي شخص عاقل دولة يهودية تتجاهل حقوق سكانها الفلسطينيين؟ هل يعقل أن يؤيد أشخاص ذوو نوايا حسنة صهيونية تدعو إلى تهجير العرب من قطاع غزة؟ هل يعقل أن تدخل جماعات مستوطنين مسلحة تحت غطاء العمى متعمد أو غير متعمد من قبل قادة الجيش إلى القرى الفلسطينية وتهدد السكان وتؤذيهم بل وتقتلهم بهدف تخويفهم وطردهم من أراضيهم؟

هل تخيل أحد من أنصار الصهيونية أن حركة وطنية أسست لتحرير شعب من الظلم تسيطر عليها قيادة مواصلي درب مئير كهانا وباروخ غولدشتاين وطلاب المدارس الدينية المتطرفة الذين لا صلة لهم بالصهيونية الأصيلة؟

لقد خاضت الحركة الصهيونية نضالات شاقة على طول الطريق. بن غوريون، ممثل الصهيونية العملية والعلمانية، جمع بين الدولة الحديثة ورؤية الأنبياء: الحق، العدل والسلام. كان يعرف أن الدول العربية والحركة الفلسطينية هم أعداء إسرائيل، وكان يعرف كيف يقاتل، لكنه كان يسعى إلى السلام دائماً.

لقد آمن جابوتنسكي بمشاركة العرب الإسرائيليين في الدولة اليهودية، وآمن بمساواة الأقليات في الحقوق، وكتب أنه لا يجوز لأي أغلبية إنكار الحريات الفردية أو حقوق الأقليات. لقد ورث ورثته المزعومون أوراماً خبيثة. لو كان على قيد الحياة الآن لصدمه التحريض ضد المواطنين العرب في إسرائيل، مثل التهديدات التي وجهت للإعلامية لوسي هريش لمجرد أصولها.

نعم دائماً وجدت معاداة السامية، لكن الصهيونية لم تكن حركة مكروهة إلى هذه الدرجة. يجب على الذين انحرفوا عن مسارها وقادوها إلى هذا الوضع المتردي أن يعيدوا النظر في أفعالهم.

------------------------------------------

 

 

 

 

 

عن "N12" 17/3/2026

 

 

إسرائيل لا تحتاج إلى "صورة انتصار" في إيران: مطلوب تغيير الواقع الأمني

 

 

بقلم: إيل تسير كوهين

 

تعلِمُنا الحملة ضد إيران درساً غير مريح: من دون غزو بري أو انتفاضة شعبية لا يمكن إسقاط نظام من الجو وحده.

ومع ذلك، يمكن إنشاء واقع أمني جديد إذا فُهِم أنه لا يكفي ضرب منصات الإطلاق والمقار العسكرية فقط، بل يجب أيضاً ضرب المال، ومفاصل السيطرة، وقدرة النظام على الاستمرار في العمل. وحتى الآن أثبتت إيران حقيقة أساسية فضّل كثيرون ألاّ يروها مسبقاً، أو تجاهلوها: إيران لا تحتاج إلى الانتصار في هذه المعركة، يكفيها أن تصمد.

من وجهة نظر طهران، فإن مجرد القدرة على التحمل والاستمرار وإطلاق النار بصورة متقطّعة وتعطيل الحياة الطبيعية وإبقاء منطقة عالمية مهمة في حالة توتر يُعد نوعاً من الإنجاز؛ فأسعار النفط ترتفع، ودول المنطقة تتعرض لضغوط كبيرة، ليس فقط بسبب ما يحدث الآن، بل أيضاً بسبب الخوف مما سيحدث لاحقاً.

وكثير من هذه الدول يخشى اضطرابات داخلية وعدم استقرار في بلادها، كما أنها تخشى أيضاً اللحظة التي قد تخرج فيها إيران من هذه المعركة واقفة على قدميها لتُحاسبها عندما لا يكون "العم سام" موجوداً.

وفي هذا السياق، يستمر التقطير الصاروخي، وهو يحقق جزءاً كبيراً من تأثيره، حتى عندما يكون حجمه محدوداً نسبياً. فصاروخ واحد يومياً يمكن أن يملك قوة هائلة؛ فهو عندما لا يصيب هدفاً مباشرة، فإنه يوقف الحياة، ويثير حالة من القلق، ويشل النشاط، ويؤثر في الوعي العام.

وبهذا المعنى، يمكن لعدد صغير من عمليات الإطلاق أن يحقق نحو 80% من التأثير.

 

وهم الانتفاضة

 

كان هناك من ظن أن مجرد التهديد العسكري سيكفي لإخراج الجماهير إلى الشوارع في إيران، ثم قال آخرون إن الجمهور ربما لا يخرج الآن، لكنه سيخرج عندما تدوي المدافع وتدخل الولايات المتحدة بكل ثقلها في المعركة، لكن ذلك لم يحدث.

وكان هناك أيضاً من راهن على أن الأقليات ستستغل اللحظة التاريخية وتفتح جبهة داخلية، وهذا أيضاً لم يحدث حتى الآن، فلا توجد حالياً أصوات ثورة في إيران، ولا يوجد سبب جدي لاعتقاد أنها ستظهر فجأة الأسبوع المقبل.

في رأيي، السبب ليس القصف بحد ذاته، فإطلاق النار ليس موجَّهاً إلى مراكز السكان أو المدنيين، والجمهور في إيران يعرف ذلك، فهو يفهم جيداً أن المعركة ليست موجهة ضده كجمهور، لكن هذا الفهم لا يكفي لإخراج الجماهير الغاضبة إلى الشوارع. فالأنظمة لا تسقط لمجرد أنها تُقصف، إنما تنهار عندما تفقد السيطرة على الناس، ويتآكل الخوف، وينفد المال الذي يمول أجهزة القوة والقمع والولاء.

 

درس سورية: الأنظمة لا تسقط فجأة

 

حتى في سورية يجب تفنيد وهم "الانهيار المفاجئ"، فكثيرون يميلون إلى وصف سقوط نظام بشار الأسد وكأنه حدث سريع ومفاجئ، وكأنه وقع في لحظة واحدة تقريباً، لكن هذه قراءة سطحية للواقع.

لم يكن سقوط النظام السوري نتيجة لحظة واحدة، بل عملية استنزاف طويلة بدأت مع اندلاع الحرب الأهلية سنة 2011، وعلى مدى أعوام تآكل النظام عسكرياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

كل جولة قتال، وكل ضربة لشرعيته، وكل فقدان للسيطرة على أرض، وكل اعتماد متزايد على داعمين خارجيين، وكل تصدع في قدرته على الحكم، كانت ضربة إضافية في سلسلة ضربات شقّت الصخرة.

لذلك، عندما جاءت الضربة التي بدت للبعض حاسمة، لم تضرب نظاماً قوياً وسليماً، إنما ضربت نظاماً كان قد تآكل منذ أعوام.

وهذا هو الدرس المهم فيما يتعلق بإيران: مَن يبحث عن لحظة انهيار واحدة، يغفل عن أن الأنظمة عادة تسقط بعد فترة طويلة من الاستنزاف المتراكم.

هذه الحقيقة لا تنطبق على إيران وحدها، بل على لبنان أيضاً؛ ففي لبنان، توجد أحياناً توقعات بأن يقوم شخص آخر بالمهمة: أن ينهض الجيش اللبناني فجأة ويغير طبيعته ويواجه "حزب الله"، لكن هذا لن يحدث. كما أن الافتراض أن تعزيز الجيش اللبناني سيجعله قادراً على مواجهة المشكلة الشيعية هو افتراض خطِر؛ فهناك خطر أن تنقلب الأسلحة في الاتجاه المعاكس، أو أن تقع أسلحة الجيش اللبناني في أيدي جهة متطرفة أُخرى، ويكفي التذكير بكيفية سقوط أسلحة النظام الأفغاني في أيدي طالبان، وكيف وصلت أسلحة الجيش العراقي إلى تنظيم داعش. ما الذي قد يجعل النظام في طهران يفقد السيطرة؟

من هنا تأتي الخلاصة الأصعب: إذا استمررنا في ضرب كل ما يطلق النار علينا في إيران سنحقق إنجازات عملياتية مهمة جداً، لكننا لن نهدم أسس النظام.

ضرْب البرنامج النووي أمر حاسم، وضرب منصات الإطلاق والمقار ومنظومات الدفاع الجوي والمخازن والبنى العسكرية أمر ضروري، لكن إذا كان الهدف ليس فقط تقليل إطلاق النار، بل أيضاً كسر مركز ثقل النظام، فهذا لن يكون كافياً، فمركز ثقل النظام الإيراني ليس عسكرياً فقط، بل يعتمد أيضاً على: مصادر الدخل، وآليات السيطرة، ومؤسسات القوة المدنية، وشبكات الولاء، والقدرة على إدارة الدولة بقبضة حديدية حتى تحت الهجوم. لذلك، إذا كان الهدف منع النظام من التعافي فعلياً، فإنه يجب ضرب مصادر دخله وسيطرته أيضاً، وليس فقط قدرته على إطلاق النار، بل أيضاً قدرته على الحكم.

عندما لا توجد عملية برية ولا انتفاضة داخلية، فإن ثمن الحرب عن بعد هو توسيع دائرة الأهداف، ليس بمعنى استهداف المدنيين عمداً، بل بمعنى ضرب أهداف تؤثر أيضاً في الحياة المدنية والاقتصاد والقدرة اليومية للنظام على الظهور بمظهر المسيطر على الوضع.

مَن يريد نتيجة استراتيجية من دون إدخال قوات برية أو اعتماد على تمرد داخلي، يجب أن يفهم أنه لا يمكن الاكتفاء بالأهداف العسكرية الضيقة.

 

لا داعي للبحث عن "صورة نصر"

 

إذا سقط النظام فسيكون ذلك حدثاً دراماتيكياً، لكن حتى لو لم يسقط، فهذا لا يعني أن الحملة فشلت.

فحتى النظام الأوتوقراطي المتطرف يمكن أن يبقى قائماً، ومع ذلك، يخرج من الحرب أضعف بكثير، وأفقر، وأكثر تقييداً وحذراً، وأقل قدرة على تهديد محيطه، وهذا أيضاً إنجاز مهم، وقد يكون في الواقع أقصى ما يمكن تحقيقه في الأوضاع الحالية.

هناك نقطة أُخرى مهمة؛ حتى لو تحققت هذه الإنجازات، فلن تصمد من تلقاء نفسها، إذ يتطلب الحفاظ عليها الاستمرارية، التي تتطلب بدورها استخدام القوة مع مرور الوقت، حتى لو بدرجات متفاوتة، ليس لأن الضرب بحد ذاته هدف، بل لأن الأنظمة الراديكالية في الشرق الأوسط تختبر دائماً أي علامة ضعف أو تعب لدى خصومها، فإذا رأت أن الضغط انتهى، فستعود بالتدريج إلى ما كانت تفعله.

إيران لا تحتاج إلى الانتصار، بل يكفيها أن تصمد. أمّا إسرائيل والولايات المتحدة، فعليهما إنشاء وضع تبقى فيه إيران - حتى لو بقي النظام - ضعيفة، وأقل قدرة، وأكثر حذراً في المستقبل.

ليس الضروري صورة انتصار احتفالية، إنما واقع أمني جديد.

------------------------------------------

 

يديعوت احرونوت 17/3/2026

 

 

التهديدات توقف العمل في منصات الغاز وخسائر إسرائيل 300 مليون شيكل أسبوعياً

 

 

بقلم: يوفال أزولاي

 

تحاول الحكومة إعادة الاقتصاد إلى العمل، بينما يستمر إطلاق الصواريخ من إيران والقذائف الدقيقة من لبنان، لكن هذه الجهود لم تشمل شركات الغاز الطبيعي. بعد أسبوعين ويومين من الحرب الثانية مع إيران، باتت منصات الغاز في البحر المتوسط متوقفة للمرة الثالثة منذ اندلاع حرب 7 تشرين الأول، وأصبح قطاع الطاقة الإسرائيلي مضطراً إلى العودة للاعتماد على وقود أغلى وأكثر تلوّثاً، مثل الفحم والديزل.

منذ بداية الحرب مع إيران، تم إيقاف منصتَي الغاز: "كاريش" التابعة لشركة "إنرجي إن"، و"ليفياثان" التابعة لشركات "شيفرون ونيو - ميد وراتيو"، وذلك بقرار من وزير الطاقة، إيلي كوهين، وفي الأسبوع الماضي، مدّد الوزير القرار حتى ليلة 26-28 آذار، حتى ذلك الموعد على الأقل ما لم يُتخذ قرار آخر يحظر تشغيل المنصات.

يشكل الغاز الطبيعي في الأوقات العادية أكثر من 70% من الوقود المستخدم لإنتاج الكهرباء في إسرائيل، بينما تأتي البقية من الفحم والطاقة المتجددة والديزل. منذ بداية الحرب وإغلاق المنصات، تقوم وزارة الطاقة وشركة إدارة نظام الكهرباء بإخفاء تفاصيل تتعلق بمزيج الوقود المستخدَم بحجة القيود الأمنية، كما أن التقديرات والبيانات التي يعتمد عليها وزير الطاقة لاتخاذ قرار إغلاق المنصات غير معلنة، ومصنفة بأنها معلومات استخباراتية حساسة، وترى وزارة الطاقة والمؤسسة الأمنية أن إيقاف المنصات إجراء أمني ضروري في ظل التهديدات التي ازدادت مع تطور الحرب، فبعد الضربات التي تلقّاها "حزب الله" في الحرب السابقة، أعاد بناء قدراته بسرعة، ولا يزال يمتلك وسائل تمكّنه من تهديد المنصات، مثل صواريخ "ياخونت" الروسية المضادة للسفن، وصواريخ "C-802" الصينية، ومئات الطائرات المسيّرة وأنواع أُخرى من الأسلحة.

إن إصابة منصة غاز بصاروخ، أو بطائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات أثناء تشغيلها، ربما تؤدي إلى كارثة كبيرة، أو تدميرها بالكامل وتعريض العاملين فيها لخطر فوري؛ أمّا إذا تعرضت المنصة لهجوم وهي متوقفة فإن مستوى الخطر يكون أقل، إذ يمكن أن تتضرر، وربما بشكل كبير، لكن يمكن إصلاحها وإعادتها للعمل.

تُقدَّر تكلفة منصة الغاز الواحدة بما بين 1 و1.5 مليار دولار، وقال مسؤول كبير في وزارة الطاقة، إن "منصات الغاز هي أغلى منشآت البنية التحتية في إسرائيل، وتدمير منصة بالكامل يعني خسارة مليارات الشواكل، بينما إصابتها وهي غير عاملة قد تكلف عشرات الملايين فقط".

ووفق تقديرات المؤسسة الأمنية، فإن الضرر الحالي في قطاع الطاقة وخسائر شركات الغاز مقبول، مقارنةً بسيناريو ضرْب منصة عاملة، ويتم تدميرها بالكامل، ما يمكن أن يؤدي إلى تراجُع صناعة الغاز الإسرائيلية أعواماً إلى الوراء. "نحن أدخلنا أهداف الطاقة إلى الحرب"

إن تعرُّض منصات الغاز لمخاطر متنوعة ليس أمراً جديداً؛ فقدرات "حزب الله" البحرية معروفة منذ أعوام؛ لذلك، جهزت إسرائيل نفسها بأربع سفن حربية من طراز "ساعر 6"، بتكلفة نحو مليارَي شيكل، صُنعت في ألمانيا لدى شركة "تيسن غروب" ودخلت الخدمة بعد أسابيع على اندلاع حرب 7 تشرين الأول، وهذه السفن مزودة بأنظمة دفاع متطورة تشمل: نظام "باراك MX" للدفاع الجوي، وهو بمثابة النسخة البحرية من "القبة الحديدية"، ومع ذلك، يتساءل مسؤول في قطاع الطاقة، "إذا اشترينا سفناً متطورة لحماية المنصات، فلماذا يُمنَع تشغيلها في وقت الحرب؟". ويضيف، إن إغلاق المنصات يشبه إخلاء بلدات على الحدود لأن الدولة لا تستطيع حمايتها من الصواريخ.

 

الخسائر الاقتصادية

 

في الوقت الذي تحاول المؤسسة الأمنية تقليل المخاطر، فإن شركات الغاز تفقد إيراداتها. وقدّر كبير الاقتصاديين في شركة BDO، جان هرتسوغ، أن خسارة الاقتصاد الإسرائيلي بسبب توقُّف حقلَي "كاريش" و"ليفياثان" تبلغ نحو 300 مليون شيكل أسبوعياً، أي نحو 600 مليون شيكل خلال أسبوعين. وتعود هذه الخسائر إلى توقّف تصدير الغاز، وفقدان عائدات الضرائب، والإتاوات، وارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء بسبب استخدام الفحم والديزل.

 

الحكومة لن تعوّض الشركات

 

أعلنت الحكومة أنها لن تعوّض خسائر شركات الغاز؛ فحتى بعد إغلاق منصة "تمار" مدة شهر في بداية حرب 7 تشرين الأول، وكذلك إغلاق منصتَي "كاريش وليفياثان" مدة أسبوعين في الحرب السابقة مع إيران، لم تقدم الدولة أي تعويضات، وترى الحكومة أن الغاز الموجود في الحقول لن يضيع، ويمكن استخراجه لاحقاً؛ لذلك فإن الخسائر الحالية مقبولة، مقارنةً بالمخاطر الأمنية.

 

قلق في قطاع الطاقة

 

يسبّب هذا الوضع استياءً كبيراً لدى شركات الغاز، ويقول مسؤول في القطاع، إن الشركات ما زالت تدفع رواتب الموظفين، وتلتزم بعقود مع المقاولين، وتسدد فوائد قروض سنوية تصل إلى نحو 80 مليون دولار، بينما الإيرادات شبه متوقفة.

 

رسالة سلبية للمستثمرين

 

يرى خبراء الطاقة أن هذه السياسة يمكن أن ترسل إشارة سلبية إلى المستثمرين الدوليين؛ فالشركات قد تتردد في الاستثمار في دولة تدخل في حرب كل عدة أشهر، وتوقف المشاريع فجأة، ولا تعوّض خسائر الشركات، وقال الخبير الاقتصادي هرتسوغ، "هناك إشارة مُقلقة إلى الأسواق؛ في قطر تعرضت منشأة غاز لضربة مباشرة، ومع ذلك استمر الإنتاج؛ بينما هناك حذر مفرط في إسرائيل يقلل من جاذبية السوق".

وردّ مسؤول في وزارة الطاقة على هذا الكلام بأن حقل "تمار" ما زال يزوّد السوق المحلية بالغاز، وأن شبكة الكهرباء تعمل بشكل طبيعي حتى الآن، وأضاف، إن شركات الطاقة العالمية تنظر إلى الاستثمارات في الغاز على مدى 25 عاماً، وإن الحرب الحالية لن تغيّر قراراتها الاستراتيجية.

----------------انتهت النشرة-----------------

disqus comments here