الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الاثنين 2/3/2026 العدد 1551
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 2/3/2026
بن سلمان بين إيران ورمزية القضية الفلسطينية: هل حقاً أيد الهجوم على طهران؟
بقلم: جاكي خوري
ظهر في الأسابيع الأخيرة أن ضغوطاً إقليمية خفية تسعى إلى منع ترامب من شن هجوم ضد إيران خشية من تصاعد التوتر في الشرق الأوسط والإضرار بالبنية التحتية للنفط والغاز. وكان ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان هو الذي دعا علناً إلى حل دبلوماسي وصرح بأن بلاده لن تسمح باستخدام أراضيها في أي عمل عسكري. لفهم أهمية هذا الأمر، لا بد من وضع بن سلمان في سياق الخريطة الإقليمية للعام 2026. لا شك أنه الزعيم الأبرز الآن؛ فله تأثير كبير في كل مفترق طرق رئيسي في الشرق الأوسط تقريباً: في سوريا يدعم الرئيس أحمد الشرع ويعطيه شرعية واسعة، وفي لبنان يدعم الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام في مواجهة حزب الله، وفي المسألة الفلسطينية كان له دور مهم في الدفع نحو وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وعلى الأقل يواصل العمل ظاهرياً على حل الدولتين.
في الوقت نفسه، يسعى بن سلمان إلى تشكيل محور سني إقليمي جديد يشمل تركيا ومصر وقطر. ورغم أن هذا المحور لم يعلن رسمياً تحالفاً عسكرياً، فإنه يمثل تنسيقاً استراتيجياً في مواجهة التحديات التي تشكلها إيران. وقد حول ولي العهد السعودية من دولة رد فعل إلى دولة فاعلة، من خلال استثمار مئات المليارات وبناء التحالفات والوساطة في الصراعات والسعي إلى صياغة نظام إقليمي جديد تتبوأ فيه السعودية مكانة مركزية. لكن إيران كانت دائماً في كل الساحات تقريباً عقبة أمامها: في لبنان عبر حزب الله، في سوريا عبر المليشيات الشيعية، في اليمن عبر الحوثيين، في غزة عبر دعم التنظيمات الفلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي. بالنسبة للسعودية، لا تعتبر إيران مجرد منافس أيديولوجي ديني، بل منافس استراتيجي على زعامة العالم الإسلامي. من هنا، إذا كان بن سلمان قد أيد هجوماً أمريكياً – إسرائيلياً ضد إيران فسيكون بمثابة مقامرة محسوبة. ففي السيناريو المتفائل -حسب رأيه- الذي ينهار فيه النظام في طهران أو يتم استبداله بقيادة أكثر براغماتية، لن تجد السعودية منافساً إقليمياً حقيقياً يذكر. سيتوسع نفوذها وسيصبح المحور السني الذي تقوده هو المحور الذي يهيمن في الشرق الأوسط. ولكن المخاطرة لا تقل جسامة. فإذا تعقدت الحملة أو إذا نجت إيران أو إذا اندلعت حرب إقليمية واسعة النطاق فقد تدفع السعودية ثمناً باهظاً. وقد أثبتت البنية التحتية للنفط والمنشآت الاستراتيجية الهشة في السابق. إضافة إلى ذلك، إذا تبين أن بن سلمان قد أيد الهجوم على دولة إسلامية كبيرة فقد يواجه انتقادات في العالم العربي والإسلامي، سيستغلها خصومه لتقويض شرعيته.
حتى لو سارت الأمور على ما يرام لبن سلمان وتراجع التهديد الإيراني بشكل ملحوظ، فستبقى هناك قضية واحدة قائمة، وهي القضية الفلسطينية، التي تراجعت أهميتها في الفترة الأخيرة. ولكن إذا لم تعد إيران تشكل التهديد الرئيسي فمن المؤكد أن تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة، لا سيما إذا سعى بن سلمان إلى إعادة طرح “مبادرة السلام السعودية” التي طرحها عمه قبل 20 سنة تقريباً، وعرض فكرة التطبيع مقابل إقامة الدولة الفلسطينية على الرأي العام في إسرائيل وحكومته.
هنا يواجه بن سلمان معضلة استراتيجية: هل عليه أن يبادر إلى خطوة دبلوماسية حقيقية تشمل ضغطاً كبيراً على إسرائيل وخطوات ملموسة لتعزيز حل الدولتين؟ أم عليه ترك القضية معلقة تحت السيطرة، لكن بدون حل نهائي، حتى لا يعرض علاقاته مع الولايات المتحدة للخطر؟ القضية الإيرانية والقضية الفلسطينية مترابطتان عنده. فإضعاف طهران قد يقلل من نفوذ حماس والجهاد الإسلامي، وبالتالي، تعزيز قيادة فلسطينية تتفق مع رؤية السعودية. وإذا اختار تجاهل القضية لفترة طويلة، فقد يجد أن الشارع العربي غير مستعد للتخلي عن الرمزية الفلسطينية.
------------------------------------------
هآرتس 2/3/2026
ترامب يتوجس طول الحرب ونتنياهو يرمي لتغيير ميزان القوة في الشرق الأوسط هل سيكون خليفة خامنئي أكثر تشدداً؟
بقلم: عاموس هرئيل
يبدو أن الخطوة الإسرائيلية – الأمريكية الافتتاحية في الحرب الجديدة ضد إيران تبشر بنجاح عملياتي كبير؛ فقد أدى مزيج المعلومات الاستخبارية المبكرة والضربات الدقيقة إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي ووزير الدفاع عزيز ناصر زادة وقائد الحرس الثوري محمود بكبور ومسؤولين كبار آخرين. وما زالت المواقع العسكرية والاستراتيجية التابعة للنظام تستهدف، إضافة إلى مواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية. ولكن يصعب الآن تقييم ما إذا كان هذا النجاح سيترجم إلى نهاية سريعة للحرب واتفاق تقبله الولايات المتحدة وإسرائيل. الجيش الإسرائيلي يتحدث عن حملة قد تستمر بضعة أسابيع.
يستعد النظام الإيراني لحرب طويلة المدى، وقد أعد خامنئي خطة لنقل السلطة إلى خلفائه في حالة تعرضه للأذى، وحتى الآن، لا تبدي إيران أي مؤشرات على نيتها الموافقة على استسلام سريع. في ضوء الضربة الأولى التي تعرضت لها، تسعى إيران جاهدة للانتقام من أعدائها عبر شن هجمات على إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، وعلى دول الخليج. وقد قتل عشرة أشخاص بالفعل في إسرائيل: تسعة منهم بسبب الهجوم الصاروخي الذي وقع أمس في بيت شيمش، وقتيل في الليلة الماضية في هجوم صاروخي في وسط تل أبيب، وقتل اثنان في الطريق إلى الملاجئ.
بالمقارنة مع الحرب السابقة مع إيران، فإن إطلاق النار هذه المرة أقل تركيزاً وأكثر عشوائية. الإيرانيون يستهدفون المراكز السكانية بهدف إلحاق أكبر عدد ممكن من الخسائر. ويبدو أنهم لا يركزون على مواقع محددة. ويتمثل نجاحهم الرئيسي إلى جانب الخسائر في أن القصف الصاروخي المتواصل قد أبقى شريحة كبيرة من الإسرائيليين محبوسين في الملاجئ منذ بدء الحملة.
أما حزب الله فهو لم يفتح النار بعد. ويبدو أن قادته يترددون في الوقت الحالي، رغم أنهم تعهدوا بحسب التقارير بأن استهداف خامنئي سيكون خطاً أحمر. وتترقب إسرائيل تطورات من جهة قوة الرضوان، وهي قوة الكوماندوز التابعة للحزب والمنتشرة جزئياً قرب نهر الليطاني في لبنان.
مصدر أمني رفيع في إسرائيل أفاد لـ “هآرتس” أمس بوجود تنسيق وثيق جداً مع الولايات المتحدة سواء في الهجوم على إيران أو في أنظمة الدفاع الصاروخية. وبحسبه، فإن التغييرات والتحسينات البرمجية التي أدخلت على أنظمة الاعتراض الإسرائيلية منذ حرب حزيران قد حسنت قدرتها بشكل ملحوظ. وحتى الآن، أطلقت إسرائيل 2000 قنبلة تقريباً من الجو.
خلال أيام حرب حزيران الـ 12 ألقى سلاح الجو الإسرائيلي 5000 قنبلة تقريباً، لكن نطاق هذه العملية أوسع بكثير. وحسب مسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي، تمكن سلاح الجو من تعطيل ما بقي من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية وحقق التفوق الجوي في غضون 24 ساعة منذ بدء الحملة الحالية. وتحلق الطائرات الآن فوق العاصمة الإيرانية وتشن هجماتها من هناك بدل شنها من بعيد، من المجال الجوي لدول أخرى. وتتيح هذه الطريقة للعمليات شن ضربات شاملة وفاعلة أكثر.
وقد بدأت الإدارة الأمريكية بالفعل تسرب تفاصيل حول القرارات التي سبقت بدء الحملة. كما نشر هنا في الأسابيع الأخيرة، كان ترامب متردد اًبين خيارين، اللجوء إلى القوة العسكرية أو مواصلة الضغط على أمل التوصل إلى تسوية سياسية معقولة تشمل تنازلات إيرانية كبيرة بشأن المشروع النووي. وقد أدى رفض إيران العنيد إلى إظهار مرونة والتصميم المتهور على عقد اجتماعات لكبار مسؤولي النظام في ثلاثة مواقع مكشوفة لمخابرات العدو صباح السبت، رغم كل المؤشرات التحذيرية، إلى اتخاذ قرار باستغلال الفرصة العملياتية وشن الهجوم.
كثيراً ما يتذمر خبراء التكنولوجيا من الاجتماعات غير الضرورية التي كان من الممكن عقدها عبر عقد اجتماعات عن بعد. لقد أصر خامنئي وهو رجل الجيل القديم على عقد اجتماعات وجاهية مع رجاله في مختلف المحافل صباح السبت حتى في ظل التهديد الحربي. لقد دفع هو وغيره من كبار المسؤولين ثمن هذا الخطأ بأرواحهم، أيضاً دفع مسؤولون آخرون في النظام ثمنه في حزيران الماضي. ومثلما حدث لرئيس حزب الله حسن نصر الله وغيره من كبار مسؤولي التنظيم اللبناني مراراً وتكراراً في خريف 2024.
ليس مستبعداً أن يكون لقرارات ترامب تزويد إسرائيل بالمعلومات الاستخبارية وإعطاء الإذن بعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل بالفعل دافعاً انتقامياً؛ فقد حاول الإيرانيون التخلص منه في العام 2021 بعد خسارته الانتخابات الرئاسية. وينهي اغتيال خامنئي الذي حكم طهران بقبضة حديدية لأكثر من 35 سنة قصة أحد أخطر الشخصيات وأكثرها ضرراً في الشرق الأوسط، ليس فقط على الدول الجارة بل على شعبه أيضاً. لقد كتب المحلل كريم ساجابور في مجلة “ذي أتلانتيك” هذا الصباح: “لم يتعامل خامنئي مع العلاقة بين الدولة ومواطنيها كعقد اجتماعي، بل اعتبرها عقد إيجار استغلالي غير قابل للتفاوض، فرضه المؤجر، وانتهى أجله منذ زمن بعيد”.
من وجهة نظر إسرائيل، يعتبر اختفاء الرجل الذي وضعت في حياته “خطة الإبادة” ضدها نبأ سعيداً بلا شك، لكن كالعادة؛ من الحكمة توخي الحذر من الاحتفالات في خضم الحرب. رسمياً على الأقل، وقفت الفتوى التي أصدرها خامنئي كعائق أمام إيران لاستكمال تطوير السلاح النووي. وقد يتجاهل خلفاؤه هذه الفتوى ويسعون بجهد لامتلاك القنبلة النووية إذا بقوا في السلطة. ينتمي هؤلاء الخلفاء المحتملون إلى جماعة متطرفة ومتعصبة من الحرس الثوري، لا تهتم بالمسائل الدينية بل تكرس كل الجهد لصراع دموي ضد إسرائيل والغرب والدول العربية السنية. ويبدو أنه في الوقت الحالي رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني سيقود القيادة الإيرانية خلال المرحلة الانتقالية، على الأقل بشكل مؤقت. ومن المقرر أيضاً أن يلعب رئيس البرلمان محمد قاليباف دوراً محورياً.
في ظل انقطاع الإنترنت واسع النطاق، تم تسريب بعض أفلام الفيديو من إيران تظهر مواطنين يحتفلون بموت الديكتاتور في الشوارع. من المؤكد أن تكون نسبة المواطنين الذين فرحوا بهذا النبأ أعلى بكثير. وفي الدول الجارة أيضاً لن يحزن على موت خامنئي إلا عدد قليل، وذكرت الصحافة الأمريكية بأن ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان انضم لنتنياهو في الضغط على ترامب لشن الحرب، في تناقض واضح مع الرسائل التي وجهتها الرياض علناً. تشن إيران هجمات على أهداف في أرجاء المنطقة في محاولة لردع دول الخليج، وتهديد الولايات المتحدة بأن استمرار الحرب سيضر بسوق النفط العالمية، وربما يؤثر سلباً على أسواق الأسهم، وهو ما يشغل بال ترامب دائماً.
الرئيس الذي سارع إلى التباهي بإنجازات الهجوم، لا يفضل المعارك الطويلة. السؤال الرئيسي هو ما إذا كان سيواصل هذه المرة ممارسة ضغوط عسكرية كثيفة ومتواصلة في محاولة لإسقاط النظام، أم سيوافق على اقتراح تسوية يفرض قيوداً مشددة على المشروع النووي الإيراني، دون إسقاط النظام؟ يريد نتنياهو المضي في هذا المسار بطريقة تغير ميزان القوة الاستراتيجية في الشرق الأوسط بشكل جذري. ولكن هذه الخطوة تحتاج مزيداً من الوقت والموارد العسكرية، وسيكون القرار النهائي في يد ترامب الذي لم يعط رأيه بعد، ولكنه صرح بأنه على اتصال مع القيادة الجديدة في إيران في محاولة لاستئناف المفاوضات.
------------------------------------------
هآرتس 2/3/2026
المستوطنون يضاعفون إرهابهم في الضفة الغربية: هل نتجه لحمام من الدم؟
بقلم: أسرة التحرير
الشريط المسجل لا يترك مجالاً للشك – لا بشأن الظروف ولا الدافع ولا حتى لهوية المشاغبين: تراكتور “رينجر”، منحته الحكومة هدية لسكان البؤر الاستيطانية الأعنف في الضفة الغربية، ينطلق بسرعة في منحدر الطريق. يتوقف “الرينجر” ويقفز منه أربعة ملثمين، يحملون العصي، ويبدأون بتوجيه ضربات قاتلة لمن يصادفونه في طريقهم. لا تظهر الكاميرا ضحاياهم، ليس سوى صوتهم: “النجدة… لا، لا، رجاء، لا”.
هكذا بدأ الجمعة الماضي ذلك الهجوم الوحشي الذي قام به مستوطنون على نشطاء حقوق إنسان إسرائيليين من منظمة “ننظر إلى الاحتلال في العيون” وعلى سكان فلسطينيين في قرية قصرة وسط الضفة. بعد أن انتهى الهجوم نقل أربعة جرحى إلى المستشفيات في سيارات إسعاف ومروحية. عانى الجرحى من كسور في كل أطراف أجسادهم ومن نزف في الرأس والعينين. وروى شاهد عيان لمتان غولان، مراسل “هآرتس”، بأن المستوطنين جاءوا إلى بيت كان يجلس فيه النشطاء الإسرائيليون والسكان الفلسطينيون، وبدأوا يضربونهم بالعصي وبقضبان الحديد.
يأتي النشطاء الإسرائيليون إلى القرى الفلسطينية لحماية من لا حماية لهم، بأجسادهم. هذه الحماية لعديمي الوسيلة – فعل مدني شجاع وجدير بالثناء – هي التي تحفز المستوطنين على التنكيل بهم أيضاً لفرض الرعب عليهم وطردهم.
رئيس الدولة إسحق هرتسوغ ندد، والجيش الإسرائيلي أفاد “بتلقي تقرير” وبأن “القوات تبحث عن المتورطين”. وأمس، أعلنت الشرطة بأنها اعتقلت ثلاثة مشبوهين، مستوطنين من “السامرة” [شمال الضفة الغربية] أبناء 17 – 23 وهم في المركبة التي استقلوها وفيها العصي.
ينبغي امتداح الشرطة على العمل السريع – والنادر، ينبغي القول – في القبض على المشبوهين بالفعلة، لكن هذا لا يكفي. اعتقالهم مدد حتى اليوم فقط. وحسب تجربة الماضي، ثمة تخوف شديد بأنهم سيتحررون من المعتقل قريباً.
كانت هذه إحدى الهجمات الأكثر انفلاتاً للمستوطنين على إسرائيليين وفلسطينيين أبرياء. وعليه، فعلى منظومة إنفاذ القانون أن تتشدد في عقابهم، وإلا فستخون مهامها. غداة الحادثة، عاد المستوطنون وهاجموا سكاناً في المكان ذاته. صور جرحى ونازفين نشرت أمس. تحت غطاء الحرب في قطاع غزة وفي إيران، صعد المستوطنون عنفهم لدرجة الخطر على حياة السكان والخطر على السلام في المنطقة. بالنسبة لهم، الحروب فرصة للتصرف بعنف ولتصعيد طرد السكان من بيوتهم وأراضيهم. ينبغي الوقوف في وجههم، عندما تبدي الشرطة والجيش وهناً مقصوداً جداً، فإن جهاز القضاء فقط يمكنه أن يؤدي هذه المهمة وإلا فلا أحد يوقف اندلاع حمام دماء الضفة، بإدارة المستوطنين وبتشجيع الجيش والشرطة.
------------------------------------------
هآرتس 2/3/2026
شهادات مروّعة على جرائم الجيش الإسرائيلي في العام 1948 لإجبار الفلسطينيين على الرحيل (1من2)
- "يجب القضاء على أي عربي يُصادفك".."تدمير القرى تدميراً كاملاً"
- "أصدرتُ أمراً بإبادة كل من يظهر في الشوارع، سواء قاوم أم لا.. الجميع قُتلوا نساءً وأطفالاً"
- أطلقوا قذيفة على ثلاثة مسنين في بيتهم، وألقوا قنابل يدوية داخله، ثم أضرموا النار فيه
بقلم: آدم راز
قبل عامين، في نهاية آذار 2024، كانت عالمة الحيوان، رونيت زيلبرمان، تسير بالقرب من منزلها في حي رامات هحيال بتل أبيب. عندما وصلت إلى شارع جولان لاحظت صناديق مليئة بآلاف الوثائق ملقاة بجوار سلة مهملات. أثار هذا الأمر فضول زيلبرمان، فبدأت بتصفح المواد. عُرضت عليها وثائق ذات نطاق استثنائي تعود إلى أيام "حرب الاستقلال"، بما في ذلك وثائق مصنفة سرية، وقوائم عمليات في إسرائيل والدول المجاورة، وخرائط وصور تاريخية لم تُنشر من قبل (بما في ذلك الصور التي تظهر في هذا التحقيق). رأت أن هذه الوثائق تستحق الدراسة والحفظ في الأرشيف. ورغم ثقل الصناديق، تكبدت زيلبرمان عناء جمعها في منزلها. كانت الخطوة التالية هي التواصل مع معهد عكفوت لدراسة الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. عند وصول الطلب، سارع كاتب هذه السطور إلى منزل زيلبرمان لتسلم المواد. وسرعان ما اتضح أنها مجموعة رافي كوتسر، أحد أوائل المقاتلين في لواء غولاني ومؤسس قسم الكوماندوز في الكتيبة الثانية عشرة، التي أصبحت فيما بعد لواء غولاني. قاد كوتسر عدة معارك، العام 1948، وأصبح لاحقًا أحد مؤسسي منظمة المعاقين في الجيش الإسرائيلي. كان جزء من المجموعة شخصيًا، وشمل مذكرات وقوائم وملخصات. ووثّق جزء آخر مناقشات حزب "مبام"، بما في ذلك حول الأسلحة النووية والحكومة العسكرية، إلا أن الجزء الأهم يتعلق بـ"حرب الاستقلال".
وثيقة بروشي
ومن بين الوثائق التي أُلقيت في القمامة، برزت وثيقة كتبها يتسحاق بروشي، قائد الكتيبة الثانية عشرة خلال الحرب. هذه الوثيقة عبارة عن أمر صادر في تموز 1948، صاغه بروشي لقادة السرايا في مرتفعات الجولان، الذين كانوا يقاتلون، آنذاك، في شمال البلاد، وعنوانه "السلوك في القرى المحتلة ذات الكثافة السكانية". ما ورد في الأمر لا يمت بصلة إلى ما يُنشر في كتب التاريخ الإسرائيلي.
يكتب بروشي إلى القادة أنه بعد احتلال أي قرية عربية، سيُمنح سكانها شهادات. إذا أعطى أحد السكان شهادته لشخص آخر يُقتل كلاهما رميًا بالرصاص. وإذا تخلف أحد القرويين عن الحضور للتفتيش العسكري في الوقت المحدد، يُقتل رميًا بالرصاص، ويُفجّر منزله. إذا وُجد "عربي غريب" في القرية، يُقتل رميًا بالرصاص فورًا. وكقاعدة عامة، يُقتل "كل رجل عاشر" في قرية محتلة يُعثر فيها على غرباء. كذلك، يُعدم جميع الرجال في منزل يُعثر فيه على ممتلكات مسروقة من اليهود.
وبحسب الأمر، تُدمر القرى تدميرًا كاملًا، لكن في بعض الأحيان لا يكفي التدمير. ففي حالة عرب الصباح، وهي جماعة بدوية كانت تسكن الجليل الأسفل، نُصّ بوضوح على عدم ترك أي أثر لهم. وجاء في الأمر: "يُقتل كل عربي من الصبيح". لم يكن هذا أمرًا يُنقل شفهيًا أو ضمنيًا، بل كُتب بخط يد بروشي، ووُقّع عليه بخط يده.
في أمر آخر، صدر في تموز 1948، وجّه بروشي جنوده للبحث عن العرب المختبئين في منطقة جبل طرعان في الجليل الأسفل بعد احتلالها. وأمرهم بقتل كل من يختبئ هناك. وذكر أمر آخر عُثر عليه في مجموعة وثائق كوتسر أن "عددًا قليلًا من العرب يتجولون في القرى"، على ما يبدو لجمع الممتلكات والطعام. وبحسب الأمر، يجب "تطهير المنطقة من العرب". وتحت عنوان "المنهج"، كُتب: "يجب القضاء على أي عربي يُصادفك (كما ذُكر في الأصل)". مرّ ما يقرب من 80 عامًا على "حرب الاستقلال"، لكن العديد من المواد في الأرشيف لا تزال مغلقة. وقد أبقى التكتم الإسرائيلي أحد الأسئلة الجوهرية حول الحرب مفتوحًا، ألا وهو: هل فرّ ما يقرب من 800 ألف عربي بمبادرة منهم وبتوجيه من قادتهم، أم طُردوا؟ وإذا كان قد طُردوا، فما هو دور المجازر والقتل في تسريع عملية الطرد؟ (إن حقيقة منع إسرائيل للعرب من العودة وتدميرها قراهم، وبالتالي قرارها المتعمد إخراجهم من البلاد، تغيب أحيانًا عن النقاش).
يرى كثير من الإسرائيليين أنه إذا فرّ العرب، فإن إسرائيل ليست مسؤولة عن المأساة الفلسطينية. أما إذا طردت إسرائيل العرب، وإذا لم يتردد جنود الجيش الإسرائيلي في إراقة دماء من رفضوا المغادرة، فإن ذلك يُلقي بظلال من الشك على أيام قيام الدولة. وإذا لم يكن همّ قادة الجيش الإسرائيلي الأساسي نقاء السلاح، بل نقاء العرق، فإن ذاكرة إسرائيل التاريخية زائفة.
حتى أولئك الذين يُصرّون على تسليط الضوء على السياق - رفض العرب خطة التقسيم، وانتهت المحرقة قبل ثلاث سنوات فقط، وانتهت العديد من الصراعات آنذاك بطرد السكان المدنيين - سيضطرون إلى الاعتراف بما حدث. لا يقتصر هذا النقاش التاريخي على الماضي فحسب، بل إن الاعتراف بالظلم قد يُلقي بظلاله على المستقبل ويُمهّد الطريق للمصالحة. من جهة أخرى، يأتي عدم الاعتراف بثمن باهظ. فالمضطهدون جماعياً يكشفون عن أنفسهم بطرق بشعة. من الجدير منح قوة الحقيقة فرصة.
انبثق هذا التحقيق من فرصة سنحت، مؤخراً، لكشف هذا الماضي المنسي بشكل مباشر. تنضم مجموعة كوتسر الضخمة، التي اقتُبس بعضها أعلاه، إلى آلاف الوثائق القانونية من العام 1948 التي سمحت المحاكم العسكرية بمراجعتها في سلسلة من الإجراءات التي أجراها معهد عكفوت في السنوات الأخيرة. هذه الوثائق الثرية، التي وافقت الرقابة العسكرية على نشرها، تُلقي ضوءاً جديداً على تاريخ قضية اللاجئين الفلسطينيين. تُفنّد هذه الوثائق تماماً الرواية الإسرائيلية التي تزعم أن السكان العرب في البلاد فرّوا طواعيةً بناءً على تعليمات قادتهم. على الرغم من وجود تعليمات عربية بالإخلاء على هامش الأحداث، وحتى مع وجود من فرّوا بمبادرة شخصية، فإنه من الممكن اليوم، استنادًا إلى مجموعة واسعة من الأدلة، القول إن الجيش الإسرائيلي طرد العرب بشكل ممنهج، وإن هذا الطرد كان عنيفًا: فقد استند إلى مجازر وجرائم قتل وأعمال مختلفة تهدف إلى بث الرعب في نفوس المدنيين ودفعهم إلى الفرار.
قضية شموئيل لهيس
ومن بين الملفات التي نُشرت وشكّلت أساس هذا التحقيق تُعدّ قضية شموئيل لهيس الأهم. كان لهيس قائد سرية في لواء كرميلي، وقد ارتكب بمفرده مجزرة بحق عشرات السكان في قرية الحولة، بالقرب من كيبوتس منارة على الجانب اللبناني من الحدود. وهو الجندي الوحيد الذي حوكم بتهمة قتل العرب خلال "حرب الاستقلال"، وذلك بفضل إصرار نائب قائد الكتيبة، دوف يرميا، على تقديمه للعدالة. ادّعى لهيس أنه تصرف وفقًا لأوامر قادته، وحُكم عليه بالسجن لمدة عام. في الواقع، لم يُسجن، بل قضى فترة قصيرة في قاعدة عسكرية، وسرعان ما صدر عفوٌ عنه. لاحقًا، عُيّن مديرًا عامًا للوكالة اليهودية.
حكم القاضي جدعون إيلات، أحد القضاة الذين نظروا في القضية، بأنه خلال "حرب الاستقلال"، ارتُكبت فظائع أشدّ وطأةً من تلك التي ارتكبها لهيس، وأبدى استغرابه من كونه الوحيد الذي يُحاكم، ورأى أنه لم يُتخذ أي إجراء حيال "العديد من جرائم الحرب التي ارتكبها القادة والجنود"، وكان من الواضح أنه اعتبر لهيس كبش فداء. لم تكن كلمات القاضي إيلات معزولة، فقد أيّد عددٌ من كبار الضباط الذين استُدعوا للإدلاء بشهادتهم في المحاكمة خط دفاع لهيس، الذي ادّعى فيه أنه تصرف وفقًا للأوامر. تُنشر هذه الشهادة هنا لأول مرة، وهي تُنشر حاليًا في كتابٍ صادر عن معهد عكفوت.
كان من بين الشهود في المحاكمة مردخاي مكليف، ضابط العمليات على الجبهة الشمالية، والذي عُيّن بعد أربع سنوات رئيسًا للأركان. بحسب قوله، "كانت هناك عمليات دمروا فيها العدو المحتمل، أي المدنيين. على سبيل المثال: في صفصاف، وجش، وعيلبون، واللد، والرملة، وفي الجنوب على نطاق أوسع. كان الهدف هو الطرد. من المستحيل طرد 114 ألف شخص كانوا يعيشون (في الجليل) دون بث الرعب، وكان لا بد من وجود عنصر من الرعب الأولي ليغادروا".
قاد مكسيم كوهين لواء كرميلي في الحرب، وهو أحد أكبر وأبرز الألوية التي عملت في العام 1918. أدلى كوهين، الذي استدعاه محامي لهيس أيضًا، بشهادة دامغة: "كيف تطرد قرية؟ تقطع أذن أحد العرب أمام الجميع فيهربون جميعًا. في الواقع، لا تُخلى قرية دون طعن أحدهم في بطنه أو أساليب مماثلة. لم ننتصر إلا بفضل الخوف الذي كان يخشاه العرب، ولم يكونوا يخشون إلا الأعمال غير القانونية".
أوضح حاييم بن دافيد، ضابط العمليات في لواء كرميلي، والذي أصبح لاحقًا لواءً في الجيش الإسرائيلي والسكرتير العسكري لبن غوريون، في شهادته أن طرد السكان العرب كان إجراءً روتينيًا، وأن تطهير المنطقة "كان يُعبَّر عنه بالقتل" بحسب الظروف. وقال بن دافيد: "كنا نحرص في الأوامر العملياتية على عدم ذكر القتل، وكانت التعليمات المتعلقة بالسلوك تُعطى شفهيًا لقادة الكتائب". ووفقًا لبن دافيد، فإن الأوامر المكتوبة الصادرة عن هيئة الأركان العامة لم تدعُ إلى تدمير القرى، ولكن الأمور على أرض الواقع كانت تُنفَّذ "بعلم القيادة العليا". وماذا لو أصرّ أحد السكان العرب على البقاء في منزله؟ في هذه الحالة، "يُقتل"، كما أوضح بن دافيد. "كنا نعرف القوانين الدولية، ولكني أعلم أيضًا أننا غالبًا ما لم نتصرف وفقًا لهذه القوانين. لقد استخدمنا وسائل غير قانونية". وأوضح أن هذه الوسائل كانت تستهدف النساء والأطفال أيضًا.
استُدعي ضابط كبير آخر للإدلاء بشهادته، وهو قائد اللواء السابع، يوسف إيتان، الذي عُيّن لاحقًا قائدًا عامًا للقيادة المركزية. أشار إيتان إلى التناقض بين الأوامر المكتوبة وما قيل للمقاتلين شفهيًا. ووفقًا له، لم أرَ أمرًا مكتوبًا "بإبادة كل نفس حية، ولكني أشرت إليه ضمنيًا". وأضاف، إن القادة الميدانيين كانوا "مخوّلين بتفسير الأمر"، وأوضح أن "جنودنا دمروا السكان" وفقًا للأوامر الصادرة إليهم.
تحدث إسرائيل كارمي، قائد كتيبة في اللواء السابع، عن احتلال بئر السبع، وأوضح أن الأسلوب المتبع كان قتل المدنيين الذين قاوموا الترحيل، وأن هذا الأسلوب استُخدم في كل من الشمال والجنوب. أدلى كارمي بشهادته قائلًا: "لقد سيطرت على المدينة. عند تطهير هذه المنطقة، أصدرتُ أمرًا بإبادة كل من يظهر في الشوارع، سواء قاوم أم لا. صدر أمر بتدمير كل شيء. بعد أن تولت الشرطة زمام الأمور - بعد الاستسلام - توقف القتل. حينها، كان الجميع قد قُتلوا - نساءً وأطفالًا، الجميع. ثم صدر أمر بالذهاب إلى الخليل. أما من لم يذهب فقد تم ترحيله." (الاقتباسات في الأصل).
تتعلق قضية أخرى، سُمح بمراجعة وثائقها، بجنود اغتصبوا وقتلوا فتاة بدوية في الجنوب. تُظهر الوثائق في هذه القضية كيف استُخدم قتل المدنيين ليس فقط لتسريع عملية الترحيل، بل أيضًا لمنع العرب من العودة إلى ديارهم. أمرٌ عملياتيٌّ وُجِّه للمقاتلين كتابيًا بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار بفترة وجيزة، نصَّ على "إطلاق النار على كل عربي يُعثر عليه في المنطقة حتى حدود الهدنة". التوقيع: "أ. روزنبلوم، نقيب، قائد خط".
نصَّ الحكم في القضية على أن الأوامر المُوجَّهة للمقاتلين "كانت دون تحفظ - إطلاق النار على كل عربي، وبالتالي لا فرق إن كان رجلًا أو امرأة، أو كان مسلحًا أم لا، أو هرب أو استسلم. إذا رأيتم عربيًا أثناء الدورية، يجب عليكم إطلاق النار عليه". في ضوء ذلك، أوضح القضاة أنه من الصعب تحميل الجنود مسؤولية القتل، وأن محاسبتهم تقتصر على جريمة الاغتصاب فقط: "لو قتل الضابط المرأة العربية بدلًا من اغتصابها لربما لم يكن ليُعاقب على الإطلاق". وتتعلق قضية أخرى سُمح فيها بالاطلاع على الوثائق بمقتل ثلاثة عرب مسنين: امرأتين ورجل - في قرية البرج، جنوب الخليل. في تموز 1948، سقطت القرية، وبعد ثلاثة أشهر، كان الجنود يتناقشون حول كيفية التخلص من العرب الأربعة المتبقين فيها. قال الجندي أرييه بن شام من الكتيبة 143، إن أحد الأربعة كان يعمل في مطبخ الجنود، فتقرر العفو عنه. أما الثلاثة الآخرون، فبحسب شهادة بن شام، أمر الملازم يوسف فيشل الجنود باقتيادهم إلى أحد المباني وإطلاق قذيفة من طراز فيات عليه. وأمر فيشل قائلًا: "اقضوا عليهم". بعد أن أخطأت القذيفة المبنى، تقرر إلقاء قنابل يدوية داخله ثم إضرام النار فيه. أدلى أحد الجنود بشهادته قائلاً: "عندما دخلت المنزل، كان أحدهم يحتضر فأطلقت عليه رصاصة. كانوا ملقين على الأرض. ركلت الاثنين الآخرين في ساقيهما. لم يبديا أي رد فعل". وشهد جندي آخر قائلاً، "لم يكن تصفية العرب بأوامر من شخص ذي سلطة أمراً مفاجئاً، فقد سمعت عن حالات عديدة من هذا القبيل".
على عكس لهيس، الذي اتُهم بالقتل في مذبحة الحولة، حوكم فيشل وأُدين بالشروع في القتل. أوضحت المحكمة أن النيابة العامة أهملت واجبها، وفشلت في إثبات وقوع جريمة القتل أصلاً. حكمت على فيشل بالسجن 60 يوماً، وهي عقوبة رُفعت بعد الاستئناف إلى السجن لمدة عام، وأوضحت أن المتهم ربما اعتقد أن أفعاله مبررة أخلاقياً وعسكرياً.
واجه محامي فيشل صعوبة في فهم "لماذا سيُسجن؟ هل لتجاوزه صلاحياته؟ لقد أدّى واجبًا بغيضًا بدافعٍ من أنقى النوايا. ليس ضابطٌ واحد من يعاقب، بل منهجٌ فكريٌّ بأكمله".
لقد طُمِسَت حقيقة أن جرائم القتل والترحيل كانت جزءًا من "منهجٍ فكريٍّ بأكمله" على مرّ السنين، ونادرًا ما تمّ تناولها في الدراسات. وحتى عندما تمّ تناولها، انصبّ التركيز على عملية حيرام لغزو الجليل، التي جرت في نهاية الحرب. في الواقع، كانت الممارسات التي عُرضت في هذا التحقيق تُستخدم بالفعل خلال الحرب الإقليمية (من تشرين الثاني 1947 إلى أيار 1948)، وبشكلٍ أكبر خلال الحرب الإقليمية (أيار 1948 وما بعده). تصاعدت وتيرة العنف من نيسان إلى أيار 1948، عندما شنّت "الهاغاناه" هجومها. خلال هذين الشهرين، احتُلت مدنٌ عربيةٌ عديدةٌ وطُرِد منها سكانها. وتم احتلال مئات القرى الإضافية في الأشهر اللاحقة.
يُحظر الكشف ..
ورد ذكر مبكر لعملية الترحيل في بحث تاريخي ضمن دراسة شاملة عن عملية حيرام، أعدها الرائد يتسحاق موداعي، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للمالية، في خمسينيات القرن الماضي. استندت الدراسة، التي كُتبت لقسم التاريخ في الجيش الإسرائيلي، إلى وثائق داخلية ولم تكن مُخصصة للنشر. يشير موداعي في الدراسة إلى أن يغئال يدين، الذي شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي وعُيّن رئيسًا للأركان في نهاية العام 1949، صرّح بوضوح في أمر كتابي: "لسنا مهتمين بالسكان العرب". يكتب موداعي أيضًا أنه "في المراحل الأخيرة من عملية حيرام، أبلغ القائد العام الألوية والمناطق بما يلي: "ابذلوا قصارى جهدكم لتطهير الأراضي المحتلة بسرعة وفورًا من جميع العناصر المعادية. ووفقًا للأوامر الصادرة، يجب مساعدة السكان على المغادرة". وخلص موداعي إلى القول، إن قوات الجيش الإسرائيلي حاولت إجلاء السكان العرب في الجليل، "وغالبًا ليس بالضرورة بوسائل قانونية أو سلمية". أمر الترحيل الذي استشهد به موداعي في خمسينيات القرن الماضي كتبه قائد الجبهة الشمالية، اللواء موشيه كارمل. وفي أواخر التسعينيات، فُتح هذا الأمر للمراجعة في أرشيف الجيش الإسرائيلي، وشكّل أساس كتاب المؤرخ بيني موريس "تصحيح خطأ". في كتابه الرائد الصادر في أواخر الثمانينيات، "نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947-1949"، أشار موريس إلى الترحيل ووصف "وضعًا فوضويًا لغياب التوجيه المركزي والسياسة المتسقة". وفي كتابه اللاحق، سعى إلى تصحيح هذا الادعاء، وعرض أمر كارمل الذي فُتح للمراجعة، والذي أوضح فيه اللواء أن إبعاد السكان كان "ضروريًا للغاية".
------------------------------------------
هآرتس 2/3/2026
حذار من تورط طويل
بقلم: أسرة التحرير
شنت إسرائيل، صباح أول من أمس، هجوما في إيران، بتنسيق مع الولايات المتحدة مثلما أعلن وزير الدفاع، إسرائيل كاتس.
وأعلنت قيادة الجبهة الداخلية حالة الطوارئ في أرجاء البلاد وأغلق المجال الجوي. إزالة التهديد، الذي تشكله إيران، هو هدف جدير.
نظام يهدد بالإبادة ويدفع قدما بإقامة بنى تحتية نووية والتسلح بصواريخ باليستية ويذبح الآلاف من أبناء الشعب الإيراني ممن خرجوا للتظاهر ضد القمع في دولتهم، ليس شريك حوار بريئا.
حقيقة أن الولايات المتحدة شريك كامل في الحملة تعزز قوة إسرائيل، وتعطيها تفوقا استراتيجيا مهما.
لكن الاعتراف بالتهديد الإيراني لا يحل مسألة إذا كانت الدولة جاهزة لحرب طويلة، وإذا كان الجمهور، الذي لم ينتعش بعد من الجولة السابقة في حزيران، لا يبعث به مرة أخرى إلى الجبهة فيما جبهته الداخلية مكشوفة.
"زئير الأسد"، كما هو مهم تذكير الجمهور به، هي حرب اختيارية، وإسرائيل شنتها بعد ثمانية أشهر فقط من "النصر" السابق الذي أعلن عنه بفخار رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، في أعقاب حملة "الأسد الصاعد".
أضرار الحرب ذاتها تلك لم ترمم بعد. من فحص أجرته "هآرتس" يتبين أنه في المدن التي أصيبت لم يعد مئات السكان إلى بيوتهم بعد؛ وعشرات المباني التي دمرت أو تضررت بشدة لم ترمم بشكل يسمح بالسكن.
وحتى مراقب الدولة، متنياهو انجلمان، غير المشبوه بنقدية زائدة تجاه الحكومة، حذر من الإخفاقات في معالجة الجبهة الداخلية.
ومع ذلك لم تعرض على الجمهور خطة إعمار مرتبة ولا خطة إخلاء واسعة احتياطا لسيناريو تمتد فيه المعركة.
عمليا تخرج إسرائيل إلى الحرب فيما لا يزال مئات آلاف المواطنين غير محصنين كما ينبغي.
تمتلئ الأجواء العامة بهتافات "النصر المطلق" لانهيار النظام في إيران ولتصفية المنشآت النووية والصواريخ لديه، لكن ليس لأحد أي فكرة ماذا ستكون عليه كلفة المعركة بالجسد وبالروح. فهل ستفتح مرة أخرى الجبهة الشمالية؟ كم صاروخا سينجح بالتسلل عبر غلاف الدفاع؟ كم مواطنا سيصابون؟ كم مبنى سيهدم؟ كم عائلة ستجد نفسها مرة أخرى بلا بيت؟ وإلى ذلك، فإن تجنيد الاحتياط الواسع عاد ليذكر عدم المساواة في تقاسم العبء، وواجب التجند لا يزال لا ينطبق على عموم الجمهور.
يدور الحديث عن عار أخلاقي: حكومة تضم أحزابا حريدية تبذل جهودا هائلة ليتمكن ناخبوها من التملص من الخدمة في الجيش، ويقود الحكومة رئيس وزراء يدفع قدما بهذا التحقير ويؤيده، تطلب من الجمهور ثقته في قراراتها وفي تفكيرها.
لأجل تحقيق أهداف الحرب ضد إيران، وإزالة التهديد وتعزيز الأمن، على الهجوم أن يكون مترافقا وسياسة مسؤولة محدودة بالزمن وبالأهداف.
ينبغي الحذر من تورط طويل؛ والحذر من إصابة لا داعي لها للمدنيين – في إيران أيضا التي يعيش فيها ملايين الأبرياء – وأساسا الحذر من التخلي عن الجبهة الداخلية مرة أخرى.
------------------------------------------
يديعوت احرونوت 2/3/2026
الهدف: تغيير الحكم في ايران
بقلم: نداف ايال
القتل الواسع والرهيب في بيت شيمش أمس يمثل عنصرا حرجا في الحرب الحالية وكذا في حرب شهر حزيران 2025 أيضا: إسرائيل ما كان يمكنها أن تخرج الى حرب ضد ايران أو حزب الله، ليس حقا، قبل ان يكون لها ما يكفي من القدرات لاعتراض الصواريخ. لان الرؤيا الإيرانية في ارجاء المنطقة كانت ان كل لمسة إسرائيلية بمشروع “حزام النار” لمحور المقاومة، سيؤدي الى مئات او الاف الحالات مثلما في بيت شيمش. الاختراق الذي حققته منظومة حيتس ومنظومات الاعتراض الأخرى ما كان يمكنه ان يوفر حماية مطلقة، مثلما جسدت الإصابة القاسية امس. لكن كان يمكنها أن توفر حماية ما، حماية تعطي وقتا وتتيح إزالة التهديد.
وهاكم تقدير حذر: يوجد عنصران للحملة الامريكية الإسرائيلية ضد ايران. العنصر الأول هو الاغتيالات، تآكل القدرة العسكرية، ضرب منشآت النووي واساسا منصات الصواريخ، مباني النظام. فضلا عن تصفية لقاء القيادة الإيرانية، او قتل الزعيم خامنئي، دمر سلاح الجو أيضا في الساعات الأولى مكاتب الاستخبارات الإيرانية. بين شواطيء تل ابيب وحتى شبه الجزيرة الكورية، الاف عديدة من الكيلومترات، لا يوجد جهاز حكومي قتل هذا العدد الكبير من أبناء شعبه مثل ما فعل حكم خامنئي. وبالضربة لمنظومات سلطوية قامعة ستزداد. مع خطاب بالذكاء الاصطناعي لرئيس الوزراء نتنياهو بالفارسية، تكون إسرائيل بدأت بمحاولة رسمية لتغيير النظام في طهران. ولم تكن فعلت أي شيء مشابه لذلك منذ حرب لبنان الأولى. وبالتالي فان المرحلة الأولى في الخطة – وهذا تقدير فقط –كانت الضربة العسكرية. المرحلة الثانية هي تغيير النظام. من الصعب تخيل ان تكون أمريكا وإسرائيل ستخرجان الى هذه الحملة لو لم يكن لهما مخططات لليوم التالي. لقد كان الرئيس آيزنهاور هو الذي قال ان “الخطط لا تساوي شيئا لكن التخطيط هو كل شيء”. وكان المقصود: الخطط لا تكاد في أي مرة تتحقق واحدة واحدة (حسنا، الا اذا كان الحديث يدور عن سلاح جو دولة إسرائيل). لكن عملية التخطيط نفسها هامة.
اذا كان كذلك، ففي المرحلة الثانية من الحرب يفترض ان نبدأ برؤية تغييرات تؤدي الى تغيير داخلي في النظام او خارج النظام، في ايران. كنت سأكتب هنا ان هذا “تقدير” لكن امس قال الرئيس الامريكي ذلك بشكل علني جدا حين أوضح بان لديه فكرة عن المرشحين الجيدين لقيادة ايران، بعد تصفية خامنئي.
ان القصف على أساس استخباري دقيق هو موضوع معقد، عظيم المخاطر. اما محاولة تغيير النظام فهي حتى اخطر. الولايات المتحدة وإسرائيل بنتا منظومات ثقة، استخبارات وقدرات عملياتية استثنائية.
كرس رئيس الأركان لهذا معظم وقته، وأجاب شخصيا على أسئلة الرئيس ترامب اكثر من مرة واحدة. فالرئيس الأمريكي ينزل الى تفاصيل تكتيكية دقيقة جدا؛ هو ليس فقط “يوجه تعليماته من فوق” بل يريد أيضا ان يعرف كيف ستحصل الأمور، ما الذي يمكن أن يتشوش وماذا سيحصل في مثل هذا الوضع. لو لم يكن ترامب مقتنعا بفرص النجاح واساسا بالمكاسب الهائلة المحتملة للمصلحة القومية الامريكية، ما كان لكل هذا ان يحصل. يجدر بالمحافل الإسرائيلية أن تفهم هذا: أمريكا تفكر بالواقع العالمي، بالتداعيات الاقتصادية وأساسا بمصلحة مواطني الولايات المتحدة. هذا ما سيملي طول واهداف القتال.
ان احد الأخطاء المصيرية التي ارتكبها الإيرانيون هو الهجوم المنفلت العقال ضد دول عربية، وعلى رأسها اتحاد الامارات والبحرين. لقد كان هذا كسرا لرمز سري من جانب الإيرانيين، نوعا من “علي وعلى اعدائي يا رب”. وكانت النتيجة: حلف الدفاع (القوي على أي حال) بين الولايات المتحدة، إسرائيل ودول عربية كالاردن، الامارات، البحرين، السعودية وغيرها. رئيس الأركان زمير تحدث في الأيام الأخيرة مع رؤساء اركان موازين له في الدول العربية. الى ماذا ننتبه الان؟
أولا وقبل كل شيء، الفرار من الخدمة. هل في ايران يصلون الى العمل في أجهزة الامن، من الجيش عبر الحرس الثوري وحتى الشرطة والباسيج. كيف يرد بعضهم على المظاهرات. الرغبة في الغرب هي ان يروا ظاهرة معاكسة تنضم فيها القوات الى المعارضة. امس نشر شريط لمُسيرة تهاجم رجال الباسيج في طهران. يمكنكم الافتراض بانه ستكون حالات كهذه لاحقا.
موضوع آخر هو قرار مصيري ينبغي للولايات المتحدة ان تتخذه. هل تهاجم، حتى وان كان بشكل رمزي منشآت النفط والغاز الإيرانية. حتى هنا كانت هذه حصينة تماما. الهجوم عليها – مرة أخرى، حتى بشكل اولي – سيرمز للنظام الإيراني بان أيامه معدودة. فبدون مداخيل الطاقة، لا وجود لدولة تؤدي مهامها في ايران على الاطلاق. لا وجود للرواتب، اذا فعل الامريكيون هذا، او ان يكونوا قرروا دفع النظام الى الانهيار التام او انهم يريدون ان يحددوا له –تغير الان، ومن الداخل والا فانك لن تقوم لك قائمة. من بين الإمكانيات الحالية، استمرار الوضع الحالي عمليا، تغيير داخلي بإصلاح ما (لكن مع بقاء عنوان “الجمهورية الإسلامية”) او انقلاب، فبالطبع في الغرب يفضلون الامكانية الأخيرة. لكن هذه لا يمكنها بالضرورة ان تتحقق.
-----------------انتهت النشرة-----------------