«النكبة في مرآة الثقافة والفن والإعلام»… ندوة للمنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني بالتعاون مع الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين تؤكد: الرواية الفلسطينية عصيّة على المحو
قاعة الشهيد خالد نزال
16أيار/2026
في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، أعاد المنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني، بالتعاون مع الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، فتح الجرح الفلسطيني على امتداده الوطني والإنساني، عبر ندوة ثقافية وفكرية موسعة احتضنها مخيم اليرموك تحت شعار: «لن نرحل… جذورنا أعمق من دماركم».
شهدت الندوة حضور الدكتور حسن حميد، الأمين العام لفرع سورية في الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، والفنان المسرحي محمود خليلي، والأستاذ محمد الركوعي، رئيس فرع سورية للاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين، والإعلامي والناقد عمر جمعة، والباحثة في التراث الدكتورة نجلاء الخضراء، إلى جانب الرفيق معتصم حمادة، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وأدار الندوة الأستاذ فراس صالح، أمين سر المنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني، بمشاركة نخبة من الأدباء والمثقفين والفنانين والإعلاميين والباحثين.
وافتُتحت الفعالية بكلمة أكدت أن النكبة مشروع اقتلاع استعماري متواصل استهدف الأرض والإنسان والرواية والوعي، وأن الاحتلال سعى، إلى جانب سرقة الجغرافيا الفلسطينية، إلى طمس الذاكرة الوطنية وتشويه الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني. وشددت الكلمة على أن الثقافة الفلسطينية تحولت، منذ النكبة، إلى مساحة مقاومة مفتوحة حملت عبء الدفاع عن الحقيقة الوطنية في مواجهة التزييف والمحو.
ودعا المشاركون، في مستهل الندوة، إلى الوقوف دقيقة تحيةً لأرواح الشهداء الفلسطينيين، وتحية وفاء للأسرى في سجون الاحتلال، قبل انطلاق محاور الندوة التي توزعت على الأدب والفن والسينما والإعلام والتراث الشعبي، وصولاً إلى البعد السياسي واستمرارية المشروع الصهيوني.
■ «الأدب الفلسطيني… من ذاكرة اللجوء إلى أفق العودة»
الدكتور حسن حميد
في المحور الأول، قدّم الأديب والناقد الدكتور حسن حميد قراءة معمقة في تجربة الأدب الفلسطيني، مؤكداً أن هذا الأدب لم يكن امتداداً تابعاً لمدارس أدبية خارجية، بل تشكّل بوصفه أدباً وطنياً أصيلاً نابعاً من خصوصية التجربة الفلسطينية وتاريخها الحضاري والثقافي.
وأوضح حميد أن النكبة شكّلت نقطة تحول مركزية دفعت الأدب الفلسطيني إلى لعب دور وطني يتجاوز الإبداع الجمالي نحو التوثيق والمقاومة وصيانة الذاكرة الجمعية، مشيراً إلى أن المخيمات الفلسطينية لم تتحول إلى فضاءات لجوء فقط، بل أصبحت بيئات منتجة للوعي والثقافة والإبداع الوطني.
وأكد أن الشعراء والروائيين والمثقفين الفلسطينيين حافظوا على الرواية الوطنية في مواجهة محاولات التصفية السياسية والثقافية، مستعرضاً أسماء بارزة أسست للهوية الثقافية الفلسطينية، وفي مقدمتهم غسان كنفاني، محمود درويش، سميح القاسم، فدوى طوقان، جبرا إبراهيم جبرا، إبراهيم نصر الله، وإسماعيل شموط، مشدداً على أن فلسطين بقيت، رغم النكبة، أرضاً للإبداع المقاوم.
■ «الدراما التلفزيونية والسينمائية… بين الذاكرة والهوية»
الفنان المسرحي محمود خليلي
وفي محور السينما والمسرح، تناول الفنان المسرحي محمود خليلي التحولات التي شهدتها الدراما الفلسطينية منذ ما قبل النكبة وحتى اليوم، موضحاً أن الاحتلال دمّر البنية الثقافية الفلسطينية الناشئة، وصادر الأرشيفات السينمائية، وقضى على البدايات الأولى لصناعة السينما الفلسطينية.
وأكد خليلي أن الثورة الفلسطينية أعادت الاعتبار للصورة بوصفها أداة مقاومة وتوثيق، حيث تحولت الكاميرا إلى شاهد سياسي وتاريخي على المجازر والتهجير واللجوء، متوقفاً عند تجربة «وحدة أفلام فلسطين» التي لعبت دوراً مركزياً في بناء أرشيف بصري للذاكرة الوطنية الفلسطينية.
كما استعرض عدداً من الأعمال السينمائية التي نجحت في نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، مثل «ليس لهم وجود»، و«الزمن الباقي»، و«فرحة»، و«ملح هذا البحر»، إضافة إلى الأعمال المقتبسة عن روايات غسان كنفاني.
وفي الجانب المسرحي، أشار خليلي إلى أن المسرح الفلسطيني تحوّل بعد النكبة من فعل ثقافي إلى منصة نضال سياسي وشعبي، خصوصاً في المخيمات الفلسطينية في سورية ولبنان والأردن، حيث لعب دوراً أساسياً في تثبيت الهوية الوطنية ورفع مستوى الوعي الشعبي.
كما توقف عند تجارب «مسرح الحكواتي» و«فرقة بلالين» وتجربة المسرح الفلسطيني في سورية، التي بدأت مع «فرقة فتح المسرحية» وتطورت لاحقاً ضمن «المسرح الوطني الفلسطيني»، قبل أن تتراجع بعد توقيع اتفاق أوسلو.
واعتبر خليلي أن مسلسل «التغريبة الفلسطينية» شكّل أحد أهم الأعمال الدرامية التي أرّخت للمأساة الفلسطينية وتحولات المجتمع الفلسطيني منذ الانتداب وحتى اللجوء.
■ «الفن التشكيلي… تعبير عن الهوية وشكل من أشكال الصمود»
الأستاذ محمد الركوعي
وفي محور الفن التشكيلي، أكد الفنان محمد الركوعي، رئيس فرع سورية في الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين، أن الفن الفلسطيني خاض معركة بقاء طويلة في ظل ظروف الاحتلال واللجوء وغياب المؤسسات الفنية، لكنه استطاع، رغم ذلك، أن يتحول إلى لغة مقاومة بصرية حافظت على الهوية الوطنية الفلسطينية.
وأوضح الركوعي أن الفنانين الفلسطينيين استخدموا الرموز البصرية، مثل المفتاح وشجرة الزيتون والثوب الفلسطيني والخريطة والمرأة الفلسطينية، بوصفها أدوات تعبير عن التمسك بالأرض والحق الوطني.
وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي سعى باستمرار إلى قمع الفن الفلسطيني وملاحقة الفنانين، كما حدث مع ناجي العلي وفتحي غبن وغيرهما، في محاولة لكسر حضور الرواية الفلسطينية في الوعي العالمي.
وأضاف أن الفنان الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة اضطر إلى استخدام الرمزية البصرية بسبب الرقابة الإسرائيلية، بينما امتلك فنانو الشتات مساحة أوسع للتعبير عن القضية الوطنية في المحافل والمعارض الدولية.
■ «الإعلام الفلسطيني… ومعركة الرواية في مواجهة التضليل»
الإعلامي والناقد عمر جمعة
وفي محور الإعلام، شدد الإعلامي والناقد عمر جمعة على أن النكبة لم تستهدف الجغرافيا الفلسطينية فقط، بل استهدفت الوعي والرواية والذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، موضحاً أن الاحتلال صادر الأرشيفات الصحفية والمكتبات الفلسطينية منذ عام 1948، في إطار مشروع متكامل لـ«الاستعمار المعرفي» القائم على طمس التاريخ الفلسطيني ومحو الشواهد الثقافية والوطنية.
وأكد جمعة أن الصحافة الفلسطينية شكّلت، قبل النكبة، شاهداً حياً على الوجود الفلسطيني السياسي والثقافي والاجتماعي، وأن المشروع الصهيوني أدرك مبكراً خطورة الرواية الفلسطينية، فسعى إلى محاربتها ومصادرتها.
كما استعرض محطات بارزة في الإعلام الفلسطيني الثوري، بدءاً من صحيفة «الحرية» ومجلة «الهدف» وصحيفة «فتح» و«فلسطين الثورة»، وصولاً إلى الإذاعات والصحف والمنابر الإعلامية التي رافقت انطلاقة الثورة الفلسطينية وأسهمت في حماية الهوية الوطنية وتعزيز الوعي الشعبي.
ودعا جمعة إلى بناء مشروع إعلامي وطني فلسطيني موحد يمتلك القدرة على مواجهة الرواية الصهيونية واستعادة مركزية القضية الفلسطينية في الوعي العربي والدولي.
■ «النكبة الفلسطينية… واستمرارية المشروع الصهيوني»
الرفيق معتصم حمادة
وفي البعد السياسي للندوة، قدّم الرفيق معتصم حمادة قراءة تاريخية وسياسية معمقة لمفهوم النكبة، مؤكداً أنها لم تكن مجرد كارثة إنسانية أو حدث عابر، بل مشروعاً استعمارياً متكاملاً بدأ فعلياً مع وعد بلفور عام 1917، وتكرّس عبر الانتداب البريطاني والدعم الغربي للحركة الصهيونية.
وأكد حمادة أن الشعب الفلسطيني دفع أثماناً باهظة نتيجة غياب القيادة الوطنية الموحدة في مراحل تاريخية مفصلية، معتبراً أن الانقسام الفلسطيني الراهن يعيد إنتاج الأزمة ذاتها ويهدد المشروع الوطني الفلسطيني.
ودعا إلى استعادة الوحدة الوطنية وبناء برنامج سياسي موحد يستند إلى المقاومة والحقوق الوطنية الثابتة، محذراً من استمرار الرهان على اتفاق أوسلو وخيارات التسوية في ظل التوسع الاستيطاني والعدوان الإسرائيلي المتواصل.
وأشار إلى أن صمود الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة والضفة الغربية، أثبت مجدداً أن المقاومة ما تزال الخيار القادر على حماية الحقوق الوطنية وإفشال مشاريع التصفية، داعياً إلى تحويل دروس النكبة إلى برنامج نضالي وسياسي موحد.
■ «التراث الشعبي الفلسطيني… ذاكرة الهوية وإثبات الحق»
الدكتورة نجلاء الخضراء
وفي ختام الندوة، تحدثت الباحثة نجلاء الخضراء عن التراث الشعبي الفلسطيني باعتباره أحد أهم عناصر تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية، مؤكدة أن الفلسطيني حمل معه إلى المنافي تفاصيل حياته اليومية، من الأغاني والأمثال الشعبية إلى التطريز والحكايات والمفردات التراثية، وحوّلها إلى أدوات مقاومة ثقافية في مواجهة الاقتلاع.
وأشارت إلى الدور المركزي الذي لعبته المرأة الفلسطينية في حماية التراث الوطني ونقله بين الأجيال، خصوصاً عبر التطريز الشعبي والأغاني والحكايات المتوارثة، مؤكدة أن الثوب الفلسطيني تحوّل إلى سجل بصري يوثق القرى والمدن الفلسطينية ويحفظ ملامحها الثقافية والتاريخية.
وشددت الخضراء على أن الاحتلال يسعى بشكل متواصل إلى سرقة التراث الفلسطيني وتشويهه ونسبه إلى الرواية الصهيونية، إلا أن الشعب الفلسطيني نجح في تحويل تراثه إلى عنصر وحدة وطنية عابر للجغرافيا والانقسامات السياسية.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أهمية استمرار الفعاليات الثقافية والفكرية الفلسطينية التي تدافع عن الرواية الوطنية وتحفظ الذاكرة الجمعية في مواجهة مشاريع الطمس والتزييف، وسط دعوات لتعزيز الحضور الثقافي الفلسطيني عربياً ودولياً، وربط الأجيال الجديدة بتاريخها الوطني وحقها المشروع في العودة والتحرير.











المنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني
17 أيار/2026